← Язык

Язык · id 9998

دراسات في فقه اللغة

صبحي الصالح

Полный текст (387 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولم يكن بد من أن يتأثر العرب بأولئك الأعاجم, مع أنهم كانوا قد وثوا عربيتهم معربة، وقرءوا القرآن معربًا، وتناقلوا أحاديث نبيهم معربة. وإنّ أدلة كثيرة لتقوم على شعور العرب بوراثتهم لغتهم معربة؛ فهذه أمارات الإعراب باطرادها وسلامتها، واضحة فيما صَحَّ من أشعار الجاهليين, وذلك هو التصرف الإعرابي ما فتئ يراعى بدقة بالغة حتى أوائل القرن الثالث الهجري، يوم كان الرواة والإخباريون يختلفون إلى الأعراب في البادية؛ ليأخذوا من أفواهم اللغة، ويعودوا ألسنتهم الفصاحة والبيان. أما ترتيلهم القرآن معربًا فما نحسب عاقلًا في الدنيا يرتاب فيه، ولم يزعم أحد من العلماء في الشرق والغرب، قديمًا أو حديثًا، عامية الأسلوب القرآني، أو تجرده من ظاهرة الإعراب؛ لأن ما في القرآن من الألفاظ الصالحة لأن تقرأ رسمًا بأكثر من وجه كان السياق فيه غالبًا يعين قراءته المثلى، ويفرض وجهه الأفضل، ولا يعيِّنُ قراءةً ما إلّا تحريك الأواخر بالحركة الإعرابية المناسبة, ومن أوضح الأمثلة على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١، فالمعنى نفسه يفرض رفع العلماء، فاعلًا، ونصب اسم الجلالة مفعولًا؛ لأن المراد حصر الخوف من الله في العلماء، لا حصر الخوف من العلماء في الله: فإنما يخشى الله حق خشيته العلماء العارفون بجلاله. وتناقل هذا الوجه المتواتر في قراءة الآية، بمراعاة حركات الإعراب مشافهةً وتلقينًا، هو الذي حمل القراء على الحكم بشذوذ القراءة الأخرى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ برفع "اسم

стр. 107

الجلالة" فاعلًا، ونصب "العلماء" مفعولًا، وعزو هذه القراءة إلى عمر بن عبد العزيز, وحكايتها عن الإمام أبي حنيفة لم يدفعا عنها حكم الشذوذ١. ولولا الترف العلمي الذي أغرى العلماء بتوجيه القراءات الشاذة لتكون -بزعمهم- عونًا على صحة التأويل٢، لما تجشم بعضهم عناء تفسير الخشية هنا بمعنى الإجلال والتعظيم لا الخوف، فكأن هذه القراءة الشاذة بيَّنَت أن الغرض من تخصيص العلماء بالخشية إظهار مكانتهم ودرجتهم عند الله٣، وهذا من أعجب ما يجرؤ على قوله عبيد الله في حق الله! وَلْنُلَاحِظْ في الآية السابقة أن الوقف بالسكون على آخر "العلماء" اختياري لا شيء يمنعه، أما نصب اسم الجلالة فلازم لا يجوز فيه الوقف العارض؛ إذ لا يتم المعنى بدون حركة النصب, وإن اللبس فيه ليمكن قبل التحريك؛ يناظره في هذا جميع التراكيب المجردة من ظاهرة الإعراب؛ وإذا حُرِّكَ لفظ واحد من تركيب الآية بحركةٍ لم يخف على أحد أن السكون في آخر كلمة من هذا التركيب ليس إلّا عارضًا بسبب الوقف. وهذا السكون العارض يبدو أكثر وضوحًا في الفواصل القرآنية المرفوعة والمخفوضة، وما أكثر أمثلتها في القرآن, وقد يوقع في اللبس في الآيات التي تترجح فواصلها بين الرفع والخفض، كقوله تعالى:

стр. 108

﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ١، فهل القرآن المجيد محفوظ في لوحٍ، فتكون الفاصلة مرفوعة؟ أم القرآن المجيد كائن في اللوح المحفوظ، فتكون الفاصلة محفوضة؟ إن القارئ الذي يظن أنه وقع على المعنى الألطف من خلال الحركة الإعرابية المناسبة، لا يسمح لنفسه إلّا بخفض الفاصلة, فهي في نظره لازمة الحفض لا محال, وربما لا يغيب عنه أن ما ارتآه من الخفض يستلزم أن يكون قوله: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ بهذا التنوين الذي يفيد التنكير، مساويًا لقوله: "في اللوح المحفوظ" بالتعريف العهدي الذي يوحي بأن هذا اللوح هو "المحفوظ " المعروف في عالم الغيب, ولكنه يحسب قراءة الرفع أبعد عن سياق الآي، وأشدَّ مجافاةً للأسلوب العربيّ المبين٢! وكثير من هذه المواقع الإعرابية المشكلة في فواصل القرآن قد خضع حتمًا لتنوع القراءات وتضارب بعضها مع بعض، وتَرَجُّحها بين صوتين متضادّين، وحركتين متقابلتين؛ كالضم والكسر مثلًا, ولكن اختلاف القراءات يرتَدُّ -في أكثر صوره- إلى نزول القرآن على سبعة أحرف٣، وأهم هذه الأحرف جميعًا هو اختلاف اللهجات٤؛ وقد رأينا القرآن حريصًا على ما فصح من لهجات العرب، رادًّا منها ما استقبحه واستهجنه٥, فليس في إيثاره لهجةً على لهجة، أو في نزوله بحرف دون حرف، خروج على قوانين الإعراب, كيف وهذه القوانين

стр. 109

لم توضع إلّا حفاظًا عليه، ولم تستنبط -أول ما استنبطت- إلّا من نصوصه الفصحى؟! فهل سمعت بعد هذا البيان برأي أعجب، وخيال أخصب، وقول أدعى إلى الهزء والسخرية، مما ذهب إليه المستشرق فولرز K. Vollers من أن القرآن نزل أول الأمر بلهجة مكة المجردة من ظاهرة الإعراب؛ ثم نقَّحَه العلماء على ما ارتضوه من قواعد ومقاييس، حتى أضحى يقرأ بهذا البيان العذب الصافي، وغدا في الفصاحة مضرب الأمثال١؟! ألَا وإن كبار المستشرقين لم يستسيغوا هذا الرأي العقيم, فلقد قَيَّضَ الله لكتابه مستشرقًا آخر أشهر من فولرز, وأكثر منه تحقيقًا وتدقيقًا, هو نولدكه Noldeke، كفانا مؤونة الرد على هذه الرأي الصبياني وسفهه, وفنَّدَه ونقده نقدًا علميًّا موضوعيًّا، أقام فيه الحجة على أن أغلب ما توهمه فولرز تجردًا من الإعراب إنما كان صورًا من تساهل الناس في القراءة بعد اختلاطهم بالأعاجم وشيوع اللحن والتحريف، فليس للنص القرآني صلة بشيء من هذه الملاحن من قريب أو من بعيد٢. ودقة المقاييس التي وصلت بها احاديث النبي الكريم تنهض حجة دامغة على أن أقواله نقلت معربة أيضًا، فقد كان الرواة على نقل أحاديث النبي أحرص منهم على أشعار الجاهليين، وكانوا يعتقدون أن هذا الأمر دين٣، فبالغوا في رواية الحديث باللفظ، وشددوا

стр. 110

في روايته بالمعنى١؛ وأداء بعضهم شيئًا من الحديث بلهجتهم الخاصة لا يعني أداءهم إياه متجردًا من الإعراب، فهو على كل حالٍ نُطْقٌ عربيٌّ لا مطعن عليه ولا شبهة فيه، وظاهرة الإعراب واضحة فيه، إلّا أن الأمانة العلمية تقضي بذكر الراوي وذكر لهجته, لكيلا يخفى شيء من أحوال رجال السند. وكذلك مَنْ لَحَنَ من المحدثين كما يلحن الرواة٢, ما كانوا يقصدون إلى التساهل في النحو، وإنما يريدون أن يتخففوا من كل عمل شخصي لهم في الرواية؛ لأنهم نقلة، وإنما يبلغ الناقل الشيء كما سمعه دون تغيير، ولا زيادة، ولا نقصان٣. لا بدع إذا مال الكثير من العلماء المحققين -بعد الذي عرفوه واقتنعوا به من دقة المصطلحات في حديث النبي ﵇ إلى تقديم الاستشهاد به على شواهد البدو، فكان نحوي كبير؛ كابن مالك, يرى أن القرآن يستشهد به في الدرجة الأولى، ثم يليه حديث النبيّ، وأخيرًا يأتي كلام الأعراب٤. وشعور العرب بوراثتهم لغتهم معربة هو الذي كان يحملهم على أن يجتنبوا اللحن فيما يكتبونه أو يقرءونه اجتنابهم بعض الذنوب٥, وهل أتيح للهجة قريش أن تكون أفصح لهجات العرب وأبينها لو لم تخل في فساد اللسان ولحن الإعراب؟ وهل كان للقرآن أن يمتن على العرب بنزوله بلسان عربيٍّ مبينٍ٦ لولا أنه يومئ بهذا الامتنان إلى انتفاء الفرق

стр. 111

بين لغته المعربة ولغة العرب في عهده من أهل الفصاحة والبيان والإعراب١؟ على هَدْي هذه الأدلة العقلية والنقلية، لم يكد علماء الساميات يرتابون في صدق ما نطقت به كتبنا القديمة من انفراد العربية بالإعراب، بل زادنا استقراؤهم الدقيق لتلك اللغات السامية يقينًا بتجرد السريانية والآرامية من ظاهرة الإعراب, وضآلته في العبرية القديمة٢ والبابلية القديمة٣.

стр. 112

ليس الإعراب قصة: هذا الإجماع أو شبه الإجماع على انفراد العربية بظاهرة الإعراب لم يقبله بعض المستشرقين إلّا مقيدًا مشروطًا، فهذا كوهين Cohen مثلًا في "لغات العالم"١, لا ينكر وجود الإعراب في اللغة المثالية الأدبية؛ لغة الشعر والخطابة في الجاهلية والإسلام، ولكنه يستبعد مراعاتها في لهجات الحديث بين عرب الجاهلية، ويقيم رأيه على ملاحظتين فاسدتين: إما أحدهما: فهي تشعب هذه الضوابط الإعرابية ودقتها, إلى درجة يتعذر تطبيقها؛ وأما الثانية: فهي تجرد جميع اللهجات العامية الحديثة المتفرعة من العربية من آثار الإعراب وقوانينه.

стр. 113

ولم تبد لنا هاتان الملاحظتان فاستدتين إلّا لأن الوقائع والوثائق تكذبهما قديمًا وحديثًا, فليست دقة الإعراب بمانعة أحدًا من التخاطب بلغة معربة؛ فهذه اللاتينية في العصور القديمة، والألمانية في العصر الحاضر، يشتمل كل منهما على قواعد وإعراب، ربما لا يقل في دقته وتنوعه عن قواعد العربية الفصحى، ومع ذلك لا تزال الألمانية لغة تخاطب بين الألمان، وظلت اللاتينية مدةً طويلةً لغة تخاطب بين الرومان. ويروي أحد الرحّالة الإنكليز "في القرن التاسع عشر الميلادي" أنه سمع الحركات الإعرابية تلتزم في وسط الجزيرة على ألسنة الناس في المدن"١. ولم تتجرد اللهجات العربية الحديثة كلها من آثار الإعراب، فما تبرح هذه الآثار ظاهرةً في أقوال البُداة من مواطن متفرقة من العالم العربي، كأنها تجميد لبقايا يستحيل عليها العدم التام، والاضمحلال المطلق٢، أو كأن طبيعة هذه اللغة العربية تأبى عليها أن تفقد ظاهرة الإعراب إلى الأبد, وليس في وسع باحث محقق أن ينكر احتفاظ البدو الفصحاء بالإعراب حتى زمن الجاحظ، فإن أديب العربية الكبير كان يحض الرواة والمتأدبين في "البيان والتبين" على الاختلاف إلى الفصحاء العقلاء من الأعراب؛ ليستمعوا بأحاديثهم العذاب، ثم يرووها بمخارج ألفاظها وإعراب تراكيبها٣. ولسنا نعجب لكوهين وأضرابه إذا ذهبوا إلى هذا الرأي الفاسد

стр. 114

مستدلين بما وَهَى من الأدلة والبراهين، وإنما نعجب أشد العجب لبعض الباحثين العرب المعاصرين حين يهجمون على النحاة بحقٍّ وبغير حق، ويغلون في اتهامهم بوضع تلك القواعد الدقيقة وفرضها على الفصحاء من العرب، والفحول من الشعراء، وحتى رجال القراءات. وفي كتاب "من أسرار اللغة" للدكتور إبراهيم أنيس، "نموذج" من هذا الهجوم الصاعق على النحويين: فالإعراب قصة، ولكن -كما يقول ذلك المؤلف- "ما أروعها قصة! لقد استمدت خيوطها من ظواهر لغوية متناثرة بين قبائل الجزية العربية، ثم حيكت وتَمَّ نسجها حياكةً محكمةً في أوخر القرن الأول الهجري, أو أوائل الثاني، على يد قوم من صناع الكلام, نشأوا وعاشوا معظم حياتهم في البيئة العراقية, ثم لم يكد ينتهي القرن الثاني الهجري حتى أصبح الإعراب حصنًا منيعًا، امتنع حتى على الكُتَّاب والخطباء والشعراء من فصحاء العربية، وشقَّ اقتحامه إلّا على قوم سُمُّوا فيما بعد بالنحاة "١. وهذا غلو لا ريب فيه، فلقد يكون للنحاة عمل شخصي في تنسيق ما استنتجوه من أصول النحو وقواعده من كلام فصحاء العرب، ولقد يتشددون أحيانًا في رمي شاعر فحلٍ باللحن غير مبالين بضرورة شعرية ملجئة، ولقد ينكر بعضهم حتى على قرّاء القرآن ما صحَّ سنده من أوجه القراءات, ولعل من الممكن الاستغناء عن بعض مقاييسهم, أو تعويضها بأخرى أسهل وأيسر، ولكنَّ عملهم الأساسي في قواعد الإعراب يظلُّ أسمى من أن يُتَّهَمَ, وأوثق أن يجرح، فما جمعوا شواهدهم -كما رأينا- إلّا من البادية؛ موطن الفصاحة الأصيل, ولم تكمن معاييرهم التي نادوا بها إلّا صورةً معبرة عن طبيعة العربية الفصحى؛ في بنائها الصوتي, ودلالتها الموحية، وفي جميع مظاهرها البسيطة والمركبة،

стр. 115

والمقيسة والمسموعة، والمستعملة والمهملة، والمشتقة والمنحوتة١. على أننا لا نستبعد تطاول أيدي بعض النحاة إلى وضع شيء من الأحاديث الشريفة تارةً، وتأويلها على ما يحلو لهم تارةً أخرة، ليتخذوها حجةً لهم في إلزام الناس بمراعاة الإعراب، وتحذيرهم من اللحن ولا سيما في تلاوة القرآن. وفي طائفة من تلك الأحاديث ينسب إلى النبي الكريم ذكر اللحن صراحة، يأباه لنفسه، أو ضمنًا، يحذر منه صحبه, فتوشك تلك الأحاديث -بسبب هذا الفظ الصريح أو ذلك المفهوم الضمني- أن تتعرض لنقد شديد لا تسلم معه من التضعيف والتوهين، وربما الوضع في بعض الأحيان. من ذلك ما نسبوه إليه -صوات الله عليه- من قوله: "أنا من قريش، ونشأت في بني سعد، فأنى لي اللحن! "٢، فلفظ اللحن هنا يكاد يصرخ بنفسه، ثم يضج في الصراخ منكرًا وجوده في هذا السياق، مؤكدًا أن الذين أدرجوه في الحديث غُيُرٌ على النحو، هيّابون من اللحن، مأخوذون بسحر الإعراب. ذلك بأن التاريخ لم يعرف اللحن في دنيا العرب بمعنى مخالفة التعبير الصحيح, قبل أن يختلط هؤلاء بالأعاجم ويأخذوا في التفرقة بين فصاحة المنطق وفساد اللسان.

стр. 116

فاللحن لم يكتب هذا المدلول الخاص إلّا في وقت متأخر بعد أن تعارف الناس على تغيير معناه اللغوي الأصلي١، فكيف يستعمله النبي ﷺ بمعنى الخطأ في اللغة, ويحرص على أن ينفي عن نفسه هذا الخطأ؟ لا سبيل لأن يسلم الحديث من النقد إذا أصرَّ المحتجون به على أن يجعلوا "اللحن" فيه مرادفًا للخروج على قواعد الإعراب؛ لأن العرب في عهد الرسول ﷺ لم يعرفوا لمثل هذا اللحن كنهًا أوحقيقة. فإن لم يرادف "اللحن" عندهم إلّا عيوب المنطق في الرُّتَّة واللُّفَّة واللَّجْلَجَة والحُبْسَةِ والعِيّ والحَصْر٢، فلا ضير أن ينفي أفصح العرب ﵇ عن لسانه المبين ولغته الفطرية البليغة عيوبًا تلحق باللسان، فتغض من البيان. وإن صح بعد هذا، أنه -صلوات الله عليه- حضَّ على قراءة القرآن بإعراب، فقال: "من قرأ القرآن بإعراب فله أجر شهيد"٣، لم يكد عاقل في الدنيا يفهم من لفظ الإعراب التزام قواعد النحاة، فما ولد أولئك النحاة بعد ولا نحوهم، ولا ضبط شيء من مقاييسهم ومعاييرهم! وإنما يفهم من الإعراب حينئذ وضوح المنطق، وظهور المخارج، وخلوّ التلاوة من عيوب اللسان التي تذهب بالكثير من حلاوة القرآن ... وبهذا يسهل علينا تفسير ما عسى أن ينخدع به الناس من الأحاديث التي تتساهل في أمر الإعراب، أو تبدو كالمتساهلة فيه؛ إذ تتسامح

стр. 117

بتلاوة القرآن كله غير معرب، مثلما تحض على قراءته كله أو بعضه بإعراب؛ كالحديث الضعيف الذي نسبوه إلى النبي ﵇: "من قرأ القرآن فلم يعربه وُكِّلَ به ملكٌ يكتب له كما أنزل بكل حرف عشر حسنات، فإن أعرب بعضه ولم يعرب بعضه وُكِّلَ به ملكان يكتبان له بكر حرف عشرين حسنة, فإن أعربه كله وُكِّلَ به أربعة أملاك يكتبون له بكل حرف سبعين حسنة"١. وكان على المنخدعين بمثل هذا الحديث أن يدركوا أنه لو كان الإعراب هنا إعراب النحو لما ساغ قط أن يتسامح النبي العربي بأمره، فيذكر ثوابًا معينًا لمن قرأ القرآن فلم يعربه، أو أعرب بعضه دون بعض؛ لأن في ترك الإعراب كله فسادًا أيّ فساد، أما التزام بعضه وإهمال بعضه فما أشد نبوته عن الفصاحة، وما أشد جفوته للنغم المرتل في القرآن!

стр. 118

وإن الرسول لأحكم من أن يتساهل في هذا، وهو الذي امتنَّ عليه الرحمان، بتعليمه القرآن والبيان١، وأمره أن يرتل الوحي ترتيلًا, حتى غدا يحض أصحابه على التغني به, وتزيين أصواتهم بقراءته٢. إن التساهل في إعراب بعض القرآن ضرب من التخفيف على قارئيه، لا شيء أكثر شبهًا به من الحروف السبعة التي قرأ عليها العرب القرآن، وكلها شافٍ كافٍ٣، فكما سمعنا بعربيٍّ من إحدى القبائل لا يطيق أن يلحن بغير لحن قومه٤، من الناحية الاجتماعية، لتأثره بلهجته القبلية، لا يعجزنا أن نتصور عربيًّا من الصحابة يضعف عن النطق ببعض الأحرف بنسبة واحدة في وضوح المخرج، لما في لسانه من العيوب، من الناحية الفردية الخاصة، فمثله يتساهل معه، ولا يكلف إلّا وسعه، وغيره من الفصحاء يشجع على سلامة نطقه، وترتيله القرآن بلسان عربين مبين. ومهما تكن البواعث النفسية التي أهابت ببعض النحاة إلى وضع شيءٍ من الحديث يكرِّه إلى الناس اللحن ويحبِّبُ إليهم الإعراب، ومهما نستبعد صحة ما وضعوه أو أوَّلوه على ما حلا لهم، فلسنا نجد باعثًا منطقيًّا يحملنا أيضًا على استبعاد الأخبار الموقوفة على بعض الصحابة الذين كانوا يحذرون من اللحن أو يظهرون الكراهة له؛ كحديث عمر مع القوم الذين أساءوا الرمي فقرعهم, فقالوا: "والله لخطؤكم في لسانكم أشد علي من خطئكم

стр. 119

في رميكم "١. فمثل هذه الأخبار الموقوفة يؤكد إمكان وقوعها منطق الأحداث نفسه؛ إذ بدأ اختلاط العرب بالأعاجم، وأنشأت اللكنة الدخلية تلابس نطقهم بالمفردات، وتحريكهم أواخر التركيب, وإظهارهم علامات الإعراب. إلّا أن الإعراب -سواء أصحت هذه الأخبار أم لم تصح, سندًا أو متنًا، وعقلًا أو نقلًا- لم يكن بالقصة، ولا يعقل أن يكون كله نسيجًا محكمًا في عصر معين، ولا أن يقوم بحياكته كله بهذه الدقة وهذا الشمول قومٌ بأعيانهم, كأنه شيء أُنُفٌ يبتدعونه من تلقاس أنفسهم. فهناك حد أدنى من ظاهرة الإعراب لا بد من الإقرار بوجوده، كالذي عرفنا في الشعر الجاهلي، والذي رأيناه في المواقع القرآنية المشكلة، وهي المواقع التي لا يعين معناها الأدق إلّا تحريك الأواخر بحركة الإعراب٢. ولا مَفَرَّ من الاعتراف أيضًا بتعسف بعض النحاة في طائفة من أحكامهم، كأنهم يحاولون فرض مقاييسهم على الناس، فقد حسبوا كما حسب اللغويون في كل زمانٍ ومكانٍ أن دراستهم يجب أن تتحكم بما له من حق وقدسية لا مراء فيهما٣. ها هو ذا عبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ، وهو من النحاة الموالي, يجرؤ على تخطئة الفرزدق وتلحينه في قوله:

стр. 120

مستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصب من نديف القطن منثور على عمائمنا تلقى، وأرحلنا ... على زواحف تُزْجَى مخهارير١ فيقول: "ألا قلت: على زواحف نزجيها محاسير؟ فيغض الفرزدق ويقول: "والله لأهجونك ببيت يكون شاهدًا على ألسنة النحويين أبدًا"، وإذا هو يهجوه بقوله: فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا ويتعمد الفرزدق أن يقول: مولى مواليا، بدلًا من "مولى موالٍ" فينكر عليه عبد الله ويخطئه مرة أخرى٢. وفرقوا مع ذلك بين ما يجوز للشاعر وما لا يجوز، فابن فارس لا يرى بأسًا في قصر الشعراء الممدود، ومدهم المقصور، وتقديمهم ما حقه التأخير، وتأخيرهم ما حقه التقديم؛ لأنهم أمراء الكلام, فأما لحن في إعراب أو إزالة عن نهج صواب فليس لهم ذلك, ولا معنى لقول من يقول: إن الشاعر عند الضرورة أن يأتي في شعر بما لا يجوز، ولا معنى لقول من قال: ألم يأتيك والأنباء تُنْمَى ... بما لاقت لبونُ بني زياد فهذا إن صح وما أشبه كله غلط أو خطأ"٣. ولكي يجتنبوا مثل هذا الغلط أو الخطأ كانوا يسعون وراء الشعر ويصرحون بغايتهم من السعي وارءه, قال الجاحظ: "ولم أر غاية

стр. 121

النحويين إلّا كل شعر فيه إعراب، ولم أرَ غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلّا كل شعر فيه الشاهد والمثل"١. ولقد ضاق الشعراء ذرعًا بجراءة النحاة فنظموا الأشعار في هجائهم, والشكوى من غرورهم، لعل هجاءهم لهم ينفس شيئًا من كربهم. ومن أشهر تلك الأشعار الهاجية قول عَمَّار الكلبيّ٢: ماذا لقينا من المستعربين ومن ... قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا إن قلت قافيةً بكرًا بها ... بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا قالوا لحنت، وهذا ليس منتصبًا ... وذاك خفض، وهذا ليس يرتفع وحرَّضُوا بين عبد الله من حُمُقٍ ... وبين زيدٍ فطال الضرب والوجع كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وبين قوم على إعرابهم طُبِعُوا ما كان قولي مشروحًا لكم فخذوا ... ما تعرفون، وما لم تعرفوا فَدَعُوا لأنّ أرضي أرضٌ لا تشب بها ... نار المجوس ولا تُبْنَى بها البِيَعُ ولم تقف سلطة النحاة عند الشعراء، بل جاوزتهم إلى القراء أيضًا، فإذا قرأ حمزة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ بكسر الميم في "الأرحام"٣ أنكر النحاة قراءته وقالوا: لا يعطف على مضمر مخفوضٍ إلا بإعادة خافضه, وإذا قرأ ابن عامر: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ٤ بضم "قتل" وفتح "أولادهم" وكسر "شركائهم" أنكر النحاة هذه

стр. 122

القراءة، حتى قال الزمخشري، "إن الفصل بين المتضايفين لو كان في مكان الضرورات وهو في الشعر لكان سمجًا مردودًا, فكيف به في القرآن المعجز؟ "١. لا يسعنا، أزاء هذا، أن ننكر تسلط بعض النحاة على الناس، بيد أن التسلط لا يعني أن ظواهر الإعراب كلها موضوعة، وأن الأخبار حولها جميعًا قصص خيالية طريفة، وإنما يعني أن النحاة لم يألوا جهدًا في إقرار قواعدهم وتثبيت مقاييسهم, وليس ثمة بواعث ذات شأنٍ تحمل الباحثين المعاصرين على رمي النحاة بوضع هذه الحقائق له جملة وتفصيلًا، كأنَّ أحدًا من العرب لم يعرب كلامه قط! ومن قبل الباحثين المعاصرين نادى ابن مضاء القرطبي٢ بإلغاء بعض القواعد النحوية الهامة، واستبدال غيرها بها؛ كنظرية العامل التي تعتبر من أسس الإعراب الأولى، فهو لا يرى مسوغًا لهذه الاختلافات مثلًا حول عامل الرفع في المبتدأ، أهو الابتداء؟ كما يقول البصريون، أم الخبر؟ كما يزعم الكوفيون، وحول عامل الرفع في الفعل المضارع، أهو تجرده عن الناصب والجازم كما هو مذهب البصريين، أم هو حرف

стр. 123

المضارعة كما يرى الكسائي١؟ ويبدو أن ابن مضاء كان قليلًا من يؤمن بجدوى القياس في دراسة العربية، ويرى أنّ أكثر تعسف النحاة إنما جاءهم من إسرافهم في الصيغ والأبنية القياسية، فهو يحذِّرُ من هذه الوسائل المتحجرة الجامدة في صياغة الكلام العربي, فإذا قال ابن جني: "واعلم أن من قوة القياس عندهم اعتقاد النحويين أن ما قيس على كلام العرب فهو عندهم من كلام العرب"٢. انبرى ابن مضاء ما في هذا الاعتقاد من التكلف فقال: "والعرب أمة حكيمة، فكيف تشبه شيئًا بشيء، وتحكم عليه بحكمه، وعلة حكم الأصل غير موجودة في الفرع؟ وإذا فعل واحد من النحويين ذلك جُهِّلَ ولم يقبل قوله، فلم ينسبون إلى العرب ما يجهّل به بعضهم بعضًا؟ وذلك أنهم لا يقيسون الشيء ويحكمون عليه بحكمه، إلا إذا كانت علة حكم الأصل موجودة في الفرع! وكذا فعلوا في تشبيه الاسم بالفعل في العمل، وتشبيههم إن وأخواتها بالأفعال المتعدية في العمل"٣. وابن جني يحكي آراء النحويين، وتعجبه تعليلًاتهم لظواهر الإعراب، ولكنه يستشعر بين الحين والحين ضعف تلك العلل، فلا يملك نفسه من التصريح بضعفها، كأنه يراها لا تخلو من الصنعة والتكلف, فهو يقول مثلًا: "اعلم أن محصول مذهب أصحابنا، ومتصرف أقوالهم، مبنيٌّ على جواز تخصيص العلل، وذلك أنها وإن تقدمت علل الفقه فإنها أو أكثرها إنما تجري مجرى التخفيف والفرق، ولو تكلف متكلف نقضها لكان ذلك ممكنًا، وإن كان على غير قياس ومستثقلًا، ألَا تراك لو تكلفت تصحيح فاء ميزان وميعاد, لقدّرت على ذلك، فقلت: "مِوْزان

стр. 124

وموعاد"؛ وكذلك لو آثرت تصحيح فاء موسر وموقن لقدرت على ذلك، فقلت:"مُيْسر ومُيْقن" وكذلك لو نصب الفاعل، ورفعت المفعول، أو ألغيت العوامل من الجوار والنواصب والجوازم، لكنت مقتدرًا على النطق بذلك، وإن نفي القياس تلك الحال؛ وليست كذلك على المتكلمين، لأنها لا قدرة لها على غيرها"١. ولو لم يصرح ابن جني بهذا, لعدناه من متكلفي النحاة الذين يأبون إلّا أن يروا عللهم على وجه الحكمة كيف وقعت، مع أن اللغة وعللها وأقيستها ليست منطقية دائمًا، فبين لغة العقل والمنطق، ولغة الإرادة والرغبة، ولغة الانفعال والحساسية، فروق لا يجهلها أحد٢. لذلك ردَّ بعض الباحثين كثيرًا من تعليلات الأقدمين، وأكدوا أنها ليست من المنطق في شيء، ورموا العرب بضعف التعليل، ونبهوا إلى أن عمل النحوي في دراسة التراكيب يمتثل في التمييز بين أنواع الجمل المختلفة، ثم تعيين المجموعات التي تسير على نظام ثابت، في كل نوع؛ إذ تخلو من الحروف المتنافرة, ويسهل النطق بها٣. ولم ينكر أحد من الباحثين المعاصرين، مع ذلك، أن كثرة اشتغال النحاة العرب القدامى بالتعليل والقياس، وأخذهم بالأنبينة المقيسة, دليل على غنى مباحثهم اللغوية، بل على ترفهم في تلك المباحث٤. وإذا كان بعض النقاد اليوم في هجومهم الصاعق على الإعراب يحسبون أنهم إنما يتبعون ابن مضاء، فإنه لم يبلغ بآرائه الجديدة في النحو حد إنكار ما للحركة الإعرابية من مدلول، بل كان -على العكس

стр. 125

من ذلك- يرى أن فقدان هذه الحركة في كلمةٍ ما, لا بد أن يؤثر في توجيه فهمها، حتى ليوشك أن يعتبر الحركات الإعرابية جزءًا من بنية الكلمة، فيقول: "وكما لا نسأل عن عين "عِظْلِم"١, وجيم "جعفر", وباء "برثن", لم فتحت هذه, وضمت هذه, وكسرت هذه، فكذلك أيضًا لا نسأل عن رفع "زيد". فإن قيل: "زيد" متغير الآخر، قيل: كذلك "عِظْلِم" يقال في تصغيره بالضم، وفي جمعه "فعالل" بالفتح, فإن قيل: للام أحوال يرفع فيها وأحوال ينصب فيها وأحوال يخفض فيها، قيل: إذا كانت تلك الأحوال معلومة بالعلل الأولى: الرفع بكونه فاعلًا, أو مبتدأ, أو خبرًا, أو مفعولًالم يُسَمَّ فاعله؛ والنصب بكونه مفعولًا، والخفض بكون مضافًا إليه، صار الآخر كالحرف الأول الذي يضم في حالٍ، ويفتح في حالٍ، ويكسر في حالٍ، يكسر في حال الإفراد, ويفتح في حال الجمع، ويضم في حال التصغير"٢. وقد يكون القياس ابن مضاء الحركة الإعرابية على الحركة التي تكون جزءًا من بنية الكلمة قياسًا مع الفارق؛ وقد يكون في كلامه شيء من المغالطة أوقعه فيه حبه للنحو وولوعه بالإعراب، ولكن المغالطة الشديدة تتمثل في مذهب من يقول: "يكفي للبرهنة على أن لا علاقة بين معاني الكلام وحركات الإعراب أن نقرأ خبرًا صغيرًا في الصحف على رجل لم يتصل بالنحو أيَّ نوعٍ من الاتصال، فسنرى أنه يفهم معناه تمام الفهم مهما تعمدنا الخلط في إعراب كلماته، برفع المنصوب ونصب المرفوع أو جره.. إلخ"٣, وإنما كانت هذه مغالطة لا تحتمل،

стр. 126

لأن الشخص المذكور عندما نفسد عليه إعراب الكلمات سيجد نفسه أمام خليط من الألفاظ والتعابير ليس عاميًّا كله ففهمه فهم العامة، ولا فصيحًا كله، فيفهم منه بعض على قدر استعداده؛ وإنما سيفهم الفكرة فهمًا سقيمًا مشوهًا، فهو -على جهله التام بقواعد الإعراب- لا يستوعب حزئيات الفكرة, ولا يلمح الترابط بين أجزائها, إلا إذا قرئت عليه قراءة نحوية صحيحة, ولذلك يسلك هذا الشخص في السمعيين لا البصريين، فهو يفهم الخبر الذي يتلوه المذيع وهو يستمع إليه أكثر مما يفهمه إذا قرأه بنفسه وهو ينظر في الصحيفة؛ لأن المذيع يراعي أحكام الإعراب فيفصح ويبين، أما قارئ الصحيفة فيفقد الروابط الحقيقية بين ألفاظٍ يعرف بعضها عن طريق الإلف والعادة، ويجهل بعضها الآخر؛ لأنها لم تطرق سمعه، فهذا القدر المحدود من الفهم -الذي يتفاوت بتفاوت الأشخاص والثقافات- ليس مصدره فقدان الحركات الإعرابية، وإلّا لكان يجب أن يكون فهمًا تامًّا من كل وجه، وهو ما ينكره الواقع ويأباه. وحين ينقل لنا: أن ربيعة تقف بالسكون على الاسم المنون المنصوب فتقول: هل رأيت زيدْ، مثلما تقول: جاء زيدْ، ومررت بزيدْ، في المنون المرفوع والمجرور؛ وإن طيئًا تقف على جمع المونث السالم بإبداله تائه هاء فقتول: "دفن البناه، من المكرماه" كما في المفرد المنتهي بالتاء كالصلاة والزكاة١، بل إن لخمًا تقف على ضمير الغائبة بحذف ألفه؛ فتقول: والكرامة ذات أكرمكم الله به" أي بها، وقضاعة تقول: المال له، ومررت به٢, حين يُنْقَل لنا هذا أو أضرابه نستطيع أن نفسره بظاهرة الشذوذ "اللاشعوري" في النطق، لا بظاهرة المخالفة

стр. 127

المقصودة الواعية للإعراب، وبينهما اختلاف جوهري، فإن ربيعة لا تقول: رأيت زيدْ، بتسكين "زيد" إلّا في حالة الوقف، أما إذا لم تقف على الاسم المنون المنصوب بل واصلت تعبيرها وأتمت جملتها, فإنها تقول مثلًا: "رأيت زيدًا في بيته". ولم يُحفظ لنا إسقاطها حركة الإعراب في مثل هذا المقام، ولا إسقاطها في غير الاسم المنوّن المنصوب حين الوقف، ومعنى هذا أنها كانت تعرب الأسماء والأفعال في غير هذا المقام، أو أنها على الأقل, لم يُحْفَظْ عنها في باب الإعراب إلّا هذا الشذوذ، والقاعدة التي تتبعها في سائر كلامها بعد ذلك ظلت تحريك الأواخر بالسجية والسليقة. ومثل ذلك يقال في بَتْرِ لخمٍ ألف ضمير الغائبة حين تنطق "بهْ" بدلًا من "بها", فإنها كانت تلفظ لا شعوريًّا، ولو كان متعمدًا لأسقطت جميع علامات التأنيث في حالتي الإفراد والجمع؛ فقالت: البقر، وهي تقصد "البقرة", وقالت: البَقَرَا، وهي تقصد "البقرات"مثلًا، ولكن شيئًا من هذا لم يُعْرَف عنها, ومثل ذلك يقال أيضًا في وقوف طيء بالهاء بدلًا من التاء في جمع المؤنث السالم، فإنهم لم يعمموه على كل لفظ يشبه آخره آخر جمع المؤنث السالم، فما قالوا: "إني آه" يريدون "إني آت", ولا قالوا: "عليك بالثباه" يريدون "عليك بالثبات"؛ فالمثل المحفوظ عنهم ضرب من الشذوذ, فهمه الأقدمون الفهم المناسب له حين سلكوه في عداد اللغات الضعيفة, ولذلك لم نجد رَبَعيًّا يقرأ "َفألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق به، وأهله" بل ﴿كَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ ولا طائيًّا يقرأ "والمؤمنون والمؤمناه", بل ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ . والقرآن بالتزام ترتيله على نمط معين، ونظام وقوفه أثناء الآية بصورة

стр. 128

عامة، وعلى رءوس الآي بوجه خاصٍّ، أكد فصاحة لغة قريش في تثبيت حركاته الإعرابية التي استلطفت تثبيتها، واستحسنت إبقاءها. وفي الوقف على الاسم المنون لم تبق قريش إلّا فتحة المنصوب لخفتها ووضوحها وحسن إيقاعها, وزادتها خفة وحسنًا بتحويلها إلى ألف مد فقالت: "رأيته يريد فرارا" ونظمت شعرها على هذا المنوال، ونظم سائر الشعراء من مختلف القبائل أشعارهم بلغتها الأدبية على هذا المنوال أيضًا، وجاء القرآن يثبت هذا ويخلده, ويحفظ عليه خصائصه الصوتية الموسيقية فقال: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ , وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ , وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . وبمجيء القرآن على لغة قريش المثالية الأدبية قد قيل في خاصة الإعراب القول الفصل، فكل ما ورد على غير ذلك فهو لحن أو شذوذ, سواء أوقع فيه قائله سهوًا أم قصد إليه في وعي وشعور.

стр. 129

الفصل الثالث: مناسبة حروف العربية لمعانيها القيمة البيانية للحرف الواحدة: لم يخف على نفر من علمائنا الأقدمين أن "اللغة أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم"١، فلما أفاضوا في دراسة هذه المادة اللغوية الصوتية عرفوا لكلِّ حرف صوته صفة ومخرجًا، مثلما عرفوا له إيحاء دلالة ومعنى. وقد عقدنا لدراسة أصوات العربية فصلًا خاصًّا ستجده في موضوعه المناسب بعد قليل, ونحن منذ الآن نحيلك عليه، ومنه يتضح لك ما يتلعق بمخارج الحروف وصفاته، وثبات المادة الصوتية في لغتنا، وتعليل بعض ظواهر القلب والإبدال الشائعة فيها, ولك إن شئت أن

стр. 130

تبدأ بذاك الفصل، لئلّا يخيّل إليك أننا نحيلك على مجهول لديك، وإن أرجأت قراءته كما أرجأنا بحثه فقد قدمت مثلنا لاجوهر على العرض، والروح على الهيكل, والمعنى على المبنى. أما الذي نريد الآن بيانه فهو ما لاحظه علماؤنا من مناسبة حروف العربية لمعانيها، وما لمحوه في الحرف العربي من القيمة التعبيرية الموحية؛ إذ لم يعنهم من كلِّ حرفٍ أنه صوت، وإنما عناهم من صوت هذا الحرف أنه معبر عن غرض، وأن الكلمة العربية مركبة من هذه المادة الصوتية التي يمكن حلّ أجزائها إلى مجموعة من الأحرف الدوالّ المعبرة، كل حرف منها يستقلّ ببيان معنًى خاصٍّ ما دام يستقل بإحداث صوت معين, وكل حرف له ظل وإشعاع؛ إذ كان لكل حرفٍ صدًى وإيقاع! وإثبات القيمة التعبيرية للصوت البسيط وهو حرف واحد في كلمة، كإثبات هذه القيمة نفسها للصوت المركب وهو ثنائي لا أكثر، أو ثنائي ألحق به حرف أو كثر، أو ثلاثي مجرد ومزيد، أو رباعي منحوت، أوخماسي أو سداسي على طريقة العرب مشتق أو مقيس. لكل حالٍ من هذه الأحوال التي تبدو لك أول الأمر ألغازًا مقعدة, أو طلاسم محيرة، ذكر علماء العرب الأمثلة، واحتجوا بالشواهد التي لا يسهل دفعها؛ فقد مالوا إلى الاقتناع بوجود التناسب بين اللفظ ومدلوله، في حالتي البساطة والتركيب، وطَوْرَي النشأة والتوليد، وصورتي الذاتية والاكتساب. أ- ففي حال البساطة: رأوا الحرف الواحد -وهو جزء من كلمة- يقع على صوت معين، ثم يوحي بالمعنى المناسب، سواء أكان في أول اللفظ, أم وسطه, أم آخره.

стр. 131

فمما وقع في أول الكلمة: صَعِدَ وسَعِدَ، فجعلو الصاد؛ لأنها أقوى لما فيه أثر مشاهد يُرَى، وهو الصعود في الجبل والحائط، ونحو ذلك؛ وجعلوا السين لضعفها، لما لا يظهر ولا يشاهد حسًّا، إلّا أنه مع ذلك فيه صعود الجد، لا صعود الجسم ... فجعلوا الصاد لقوتها فيما يشاهد من الأفعال المعالجة المتجشمة، وجعلوا السين لضعفها فيما تعرفه النفس, وإن لم تره العين١. من ذلك قولهم: خَضِمَ وقَضِمَ؛ فالحضم لأكل الرطب؛ كالبطيخ والقثّاء، وما كان نحوهما من المأكول الرطب، والقضم للصلب اليابس نحو: قضمت الدابة شعيرها٢. من ذلك أيضًا: سَدَّ وصَدَّ، فالسد دون الصد؛ لأن السد للباب يسد والمنظرة ونحوها؛ والصد جانب الجبل والوادي والشعب، وهذا أقوى من السد الذي قد يكون لثقب الكوز وراس القارورة ونحو ذلك٣. ومما وقع في وسط الكلمة: التاء، والطاء، والدال، في تركيب "ق ت ر", و"ق ط ر", و"ق د ر"، فالتاء خافية مُسْتَفِلَةٌ، والطاء سامية متصعِّدة، فاستعملتا لتعاديهما في الطرفين، كقولهم: قتر الشيء وقطره, والدال بينهما، ليس لها صعود الطاء ولا نزول التاء، فكانت لذلك واسطة بينهما، فعبّر بها عن معظم الأمر ومقابلته، فقيل: قَدْر الشيء لجماعه ومُحْرَنْجِِمِهِ٤.

стр. 132

ومن ذلك قولهم: الوسيلة والوصيلة، والصاد أقوى صوتًا من السين، لما فيها من الاستعلاء؛ والوصيلة أقوى معنًى من الوسيلة، وذلك أن التوسل ليس له عصمة الوصل، والصلة، بل الصلة أصلها من اتصال الشيء بالشيء، ومماسَّته له، وكونه أكثر الأحوال بعضًا له، كاتصال أعضاء الإنسان وهي أبعاضه, ونحو ذلك، والتوسل معنى يضعف ويصغر أن يكون المتوسِّل جزءًا أو كالجزء من المتوسَّل إليه، وهذا واضح؛ فجلعوا الصاد، لقوتها، للمعنى الأقوى، والسين لضعفها، للمعنى الأضعف١. ومما وقع آخر الكلمة: النضج والنضخ، فالنضخ للماء ونحوه، والنضخ أقوى من النضح؛ قال الله سبحانه: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ ، فجعلوا الحاء لرقتها للماء الضعيف، والخاء لغلظها لما هو أقوى منه ... ومن ذلك قولهم: "قَرَتَ الدم، وقَرِدَ الشيء، وتَقَرَّدَ، وقَرَطَ، يَقْرُطُ، فالتاء أخفت الثلاثة، فاستعملوها في الدم إذا جفَّ؛ لأنه قصدٌ ومستخفٌّ في الحس عن القَرْدَدِ، الذي هو النّباك في الأرض ونحوها، وجعلوا الطاء وهي أعلى الثلاثة صوتًا "للقَرْطِ" الذي يسمع٢. ومن ذلك قولهم: الخذا في الأذن، والخذاء والاستخذاء في الذل، فجعلوا الواو في الخذا؛ لأنها دون الهمزة صوتًا، للمعنى الأضعف، وذلك أن استرخاء الأذن من العيوب التي يسبّ بها، ولا يُتَنَاهى في استقباحها، وأما الذل فهو من أقبح العيوب، وأذهبها في المَزْراة والسبّ، فعبروا عنه بالهمزة لقوتها، وعن عيب الأذن المحتمل، بالواو لضعفها:

стр. 133

فجعلوا أقوى الحرفين لأقوى العيبين، وأضعفهما لأضعفهما١. وإذا كان علماء العرب قد استشهدوا بالأمثلة السابقة على القيمة التعبيرية للحرف الواحد، وهو صوت بسيط يقع في أول الكلمة تارةًً، وفي وسطها تارةً أخرى، وفي آخرها أحيانًا، فما جاءوا بشواهدهم تلك سدًى، ولا ألقوا بها جزافًا, بل اعتقدوا أن في تقديم ما قُدِّمَ منها، وتأخير ما أُخِّرَ، وترتيبها على نحوٍ معين، أسرارًا مدهشة يعجب الباحث اليوم كيف تنتبهوا إليها واستنبطوها، ويكاد يسلّم لها ولو استشعر فيها الكثير من التكليف. فهذا ابن جني يؤكد "أن في تقديم ما يضاهي أول الحدث، وتأخير ما يضاهي آخره، وتوسط ما يضاهي أوسطه، سوقًا للحروف على سمت المعنى المقصود، والغرض المطلوب"٢. ويمثل لذلك بالمواد "بَحَثَ" و"صَدَّ" و"جَرَّ" ونكتفي باللفظة الأولى "بحث"، فالباء فيها لغلظها تشبه بصوته خفقة الكف على الأرض، والحاء فيها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب، ونحوهما إذا غارت في الأرض، والثاء للنفث، والنبث للتراب، وهذا أمر تراه محصلًا، فأي شبهة تبقى بعده؟ أم أيّ شكٍّ يعرض على مثله؟ والآن، فَلْتَخْتَلِطْ هذه الأحرف ولتمتزج، ولتقلَّبْ في تركيب ثلاثي تقالليبها العقيلة الستة المحتملة، ولينظر في النهاية إلى الحرف الواحد من أحرفها، حيثما كان موضعه منها، على أنه صوت ما يزال بسيطًا له دلالته التعبيرية الخاصة، وليستطرف الباحثون ما استنتجه علماؤنا من أمر هذه اللغة التي لا يكاد يعلم بعدها، ولا يحاط

стр. 134

بقاصيها، فما برح هذا الحرف البسيط -كما يتصورون- يوحي بمعناه الذاتي من خلال صوته وإيقاعه! ومن أوضح الأمثلة على هذه الظاهرة اللغوية العجيبة ما ذكره ابن جني من "ازدحام الدال، والتاء، والطاء، والراء، واللام، والنون, إذا مازجتهن الفاء على التقديم والتأخير، فأكثر أحوالها ومجموع معانيها أنها للوهن والضعف ونحوهما"١. أما شواهده على ذلك ففيها ما نرضاه ولا يسعنا رَدَّه، كالشي التالف، والشيخ الدالف "الضعيف"، والدنف المريض، والفتور للضعيف، والطَّفْل للرخص، وهو ضد الشين. وسائرها بعد ذلك إلى التكلف أقرب، وذلك في الألفاظ التي تطورت معانيها بطريقة من طرق المجاز، كالطيف "المجَّان" وليست له عصمة الثمين، والطُّنُف، لما أشرف خارجًا عن البناء وهو إلى الضعف، لأنه ليست له قوة الأساس والأصل، والنَّطَف "العيب" وهو إلى الضعف، والتنوفة, وذلك لأن الفلاة إلى الهلاك، ألا تراهم يقولون لها مهلكة؟ والطرف لأن طرف الشيء، أضعف من قلبه وأوسطه، والفرد لأن المنفرد إلى الضعف والهلاك، والفارط "المتقدم"، وإذا تقدم انفرد، وإذا انفرد هلك، ومنه الفرات؛ لأنه ليس له تمكن الأول، والتَّفْلُ للريح المكروهة، فهي منبوذة مطروحة، والفلتة لضعف الرأي؛ وفتل المغزل؛ لأنه تَثَنٍّ واستدارة، وذاك إلى وَهْيٍ وضَعْفةٍ، والفَطُر الشقّ، وهو إلى الوهن٢.

стр. 135

وواضح أن ابن جني يعوّل في هذه الأمثلة، طبيعها ومتكلفها، على حرف الفاء، فهو الذي أفاد بقيمته التعبيرية الخاصة معنى الوهن والضعف لدى ممازجته الدال والتاء والطاء والراء واللام والنون, ولئن جاءت صورة هذه الممازجة أنماطًا من التقاليب الستة المعروفة في "الاشتقاق الكبير"، فإنه مصادفة محض, لم يقصد إليها ابن جني، وإلّا لسلك هذا المثال في باب "الاشتقاق الأكبر" الذي يعني هو به القلب اللغوي الشائع في "الاشتقاق الكبير"١، ولكننا نجده إنما سلك هذا في باب "إمساس الألفاظ أشباه المعاني", كأنه يومئ إلى أنه شاهد على وجود العلاقة الذاتية الطبيعية بين اللفظ ومدلوله، أو بعبارة أدق: بين صوت الحرف البسيط وقيمته البيانية. ب- وفي حال التركيب، لاحظ العلماء كذلك القيمة التعبيرية للحرف مع أخيه في لفظ ثنائي، على القول بثنائية اللفظ العربي، ولا سيما في نشأته الأولى. وهذه الثنائية قد اتخذت في أذهان القائلين بها صورًا مختلفة, وأشكالًا متنوعة، فكانت الثنائية التاريخية ذات المقطع الواحد، والثنائية المعجمية التي ضعف حرفها الثاني فأصبحت ثلاثية بوساطة الشدة، والثنائية التي كرر مقطعها بكلا حرفيه فأضحت رباعية بطريق المضاعفة والتكرار. ونحسب أنه لا يغيب عن أحد "إذا وقفنا من هذه النظرية موقف الشارح لها، الموضح لما غمض منها" أن الثلاثي المضعف، والرباعي المضاعف، إنما يرتدان حيئنذ إلى الأصل الثنائي للفظ العربي، وأن هذا الأصل الثنائي يرتدّ إلى الصوتين البسيطين اللذين ركَّبَا مقطعه؛ وأن كلًّا من هذين الصوتين ما يفتأ يوحي عند التركيب والامتزاج بما كان يوحي به في حال البساطة والإفراد.

стр. 136

الثنائية وعلاقتها بالمناسبة الطبيعية ... الثنائية وعلاقتها بالمناسبة الطبيعة: ج- أما الثنائية التاريخية: فتعود لدى أكثر القائلين بها إلى تفسير نشأة اللغة الإنسانية بمحاكاة الأصوات الطبيعية؛ كتقليد الإنسان أصوات الحيوان، وأصوات مظاهر الطبيعة، أو تعبيره عن انفعالاته الخاصة, أو عن الأفعال التي تُحْدِث عند وقوعها أصواتًا معينة١. "فالكلم وُضِعَت في أول أمرها على هجاء واحد، متحرك فساكن, محاكاة لأصوات الطبيعة، ثم فئمت -أي زيد فيها حرف أو أكثر في الصدر أو في القلب أو الطرف- فتصرف المتكلمون بها تصرفًا يختلف باختلاف البلاد، والقبائل، والبيئات، والأهوية. فكان لكل زيادةٍ، أو حذفٍ، أو قلبٍ، أو إبدال، أو صيغة معناة، أو غاية، أو فكرة دون أختها، ثم جاء الاستعمال فأقرها مع الزمن على ما أوحته إليهم الطبيعة، أو ساقهم إليها الاستقراء، والتتبع الدقيق؛ وفي كل ذلك من الأسرار والغوامض الآخذة بالألباب، ما تجلت بعد ذلك تجليًّا بديعًا، استقرت على سُنَن وأصول وأحكام لن تتزعزع! "٢. ومن علماء العرب مَنْ مال إلى تقرير هذه الظاهرة اللغوية في نصوص

стр. 137

واضحة، كابن جني الذي ينسب هذا الرأي إلى بعض العلماء، ثم يبدي إعجابه به وتقلبه له، فيقول: "وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات؛ كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيح الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الطبي، ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن لك فيما بعد, وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل"١. بل نجد ابن جني في موضع آخر من "خصائصه" يبذل جهدًا مشكورًا في توضيح هذا الرأي وتقريره، فيخصه ببحث قيِّمٍ عنوانه: "باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني" ويستهلّ الباب بقوله: "اعلم أنّ هذا موضع شريف لطيف، وقد نبَّه عليه الخليل وسيبويه، وتلقته الجماعة بالقبول له والاعتراف بصحته. قال الخليل: "كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدًّا فقالوا: صَرَّ، وتوهموا في صوت البازي تقطيعًا فقالوا: صَرْصَرَ". وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفَعَلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة، نحو: النَّقَزَان٢، والغَلَيَان والغَثَيَان، فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حر كات الأفعال، ووجدت أنا "ابن جني" من هذا الحديث أشياء كثيرة على سمت ما حذياه، ومنهاج ما مثّلاه, وذلك أنك تجد المصادر الرباعية، المضعَّفة تأتي للتكرير نحو: الزعزعة والقلقلة والصلصلة والقعقعة والجرجرة والقرقرة٣, ووجدت أيضًا "الفَعَلَى" في المصادر والصفات إنما تأتي للسرعة نحو: البَشَكى والجَمَزى والوَلَقَى٦"٧.

стр. 138

وهذا النص عظيم الفائدة، شديد الإيحاء، وحسبنا أننا عرفنا منه أن هذه المناسبة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله قد تنبه إليها علماء اللغة القدامى، كالخليل وسيبويه، بل لقد نبه عليها الأخيران تنبيهًا شديدًا, سمح لابن جني أن يقول: "إن هذا الموضع الشريف تلقته الجماعة بالقبول له والاعتراف بحصته". وممن صرَّح بهذه الظاهرة وقرَّرَها عبَّاد بن سليمان الضيمريّ أحد رجال الاعتزل المشهورين في عصر المأمون؛ فقد ذهب "إلى أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع على أن يضع، قال: "وإلّا لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمّى المعين ترجيحًا من غير مرجّح"١. وقد أثَّر عبَّاد في طائفة من اللغويين ظلت تدين بهذه المناسبة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله، وربما تكلف بعضهم في إظهار هذه المناسبة حتى خرجوا على طبيعة العربية نفسها ليقولوا كلمتهم في هذا الموضوع في لغات أعجمية لا نعرف على وجه التحديد مدى إجادتهم لها. ويذكر السيوطي أن بعض من يرى رأي عبّاد "سئل ما مسمى "أذغاغ "؟ وهو بالفارسية الحجر، فقال: أجد فيه يبسًا شديدًا، وأراه الحجر"٢. فهذه العلاقة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله, لا يقتصر فيها إذن -عند عبّاد وأتباعه- على اللغة العربية، بل تشمل سائر اللغات؛ لأن كلمة "أذغاغ" فارسية، ولكن هذا الذي يرى رأي عبَّاد -وهو يجهل الفارسية أو ربما كان ملمًّا بها إلمامًا خفيفًا- واستنبط المدلول من الصوت. وقد أشكل على بعض الباحثين إنكار الجمهور مقالة عباد، لما عرفناه

стр. 139

آنفًا من أن "الجماعة -كما ينص ابن جني- تلقت هذا المذهب بالقبول". وليس مرد الخلاف في الحقيقة إلى وجود هذه المناسبة الطبيعية وعدم وجودها، بل إلى ما يراه عبّاد من أن هذه المناسبة ذاتية موجبة، بمعنى أنها لا تتخلف, ولا بد من وجودها, وإن كنا أحيانًا لا نستشعرها أو لا نفهمها. وهذا ما يوضحه السيوطي بعبارته التالية: "وأما أهل اللغة العربية فقد كادوا يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني؛ لكن الفرق بين مذهبهم ومذهب عبّاد, أن عبادًا يراها ذاتية موجبة، بخلافهم, وهذا كما تقول المعتزلة بمراعاة الأصلح في أفعال الله تعالى وجوبًا، وأهل السنة لا يقولون بذلك مع قوهم: إنه تعالى يفعل الأصلح, لكن فضلًا منه ومَنًّا لا وجوبًا، ولو شاء لم يفعله"١. فقد أكَّد هذا العالم الجليل المتأخر إذن -بعد استيعابه مؤلفات اللغويين السابقين التي فقد منها الكثير- أن أهل اللغة بوجهٍ عامٍّ, والعربية بوجه خاصٍّ, قد كادوا يطبقون على ثبوت المناسبة الطبيعية بين الألفاظ والمعاني. وبذلك تلاقى مع ابن جني على صعيد واحد، فكان لا بد لنا من الاقتناع بهذه الظاهرة اللغوية التي تبعد فتحًا مبينًا في فقه اللغات عامة. على أنّ ابن جني يظل رائد اللغوين القدامى الذين لاحظوا هذه الظاهرة وقرروها، فهو يقول: "فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع، ونهج متلئبٌ٢, عند عارفيه مأموم، وذلك أنهم كثيرًا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبّر بها عنها, فيعدلونها بها ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدره, وأضعاف ما نستشعره ... ومن ذلك القد طولًا، والقط عرضًا، وذلك أن الطاء أخفض للصوت وأسرع قطعًا له من الدال, فجعلوا الطاء المناجزة

стр. 140

لقطع العرض لقربه وسرعته، والدال المماطلة لما طال من الأثر، وهو قطعه طولًا"١. ولا ريب أن في مراعاة اللين أو القوة، والخفة أو الشدة، والهمس أو الجهر، في التعبير عن هذه الطائفة من المعاني التي سبقت الإشارة إليها، دليلًا واضحًا على المحاكاة الإنسانية المقصودة لأصوات الظاهرات المعبر عنها. ونحن لا نحتاج إلّا كبير عناءٍ حتى نلمح العلاقة الطبيعية بين الألفاظ الموضوعة لمحاكاة الأصوات التي تصدر من الحيوانات، فالعصفور يزقزق، والحمام يهدل، والقمريّ يسجع، والهرة تموء، والكلب ينبح، والعجل يخور، والذئب يعوي ... إلخ. وأنت إذا قابلت مصادر هذه الأفعال: الزقزقة، والهديل، والسجع، والمواء، والنباح، والخوار، والعواء، بالأصواء التي تسمعها من الحيوانات أيقنت بأنها تقارب كثيرًا أصول تلك الأصوات. وقلْ مثل ذلك في هزيم الرعد، وحسيس النار، وخرير الماء، في حكاية أصوات الطبيعة، وفي شهيق الباكي، وتأوه المتوجع، وحشرجة المحتضر، ورنين المريض؛ وكرير المختنق، وتمتمة الحائر، وغمغمة الغامض، في حكاية الأصوات المعبرة عن الانفعالات الإنسانية المختلفة؛ وفي قدّ القميص، وقطّ القلم، وقطف الثمرة، وقطع الغصن، وقضم اليابس، وقطم العود، وفري الدم، وفرث البطن، وفرد الباب، وفرس العنق، وفرض الفضة، وفرض الخشبة، وفرع الرأس, في حكاية الأصوات الصادرة عن إحداث القطع.

стр. 141

من الثنائية التاريخية إلى الثنائية المعجمية: د- ولكي يصح القول بالثنائية التاريخية في نشأة اللغة، كان ينبغي لهذه الثنائية أن تلازم وحدة المقطع المؤلف من صوتين بسيطين فقط. ولكننا في الاستشهاد على هذه الظاهرة أوردنا الكثير من المواد الثلاثية، ونقلنا عن القائلين بها بعض المواد الرباعية، فهل من رابط منطقي لا ينفك يلمح بين تلك الصيغ المزيدة وبين أصولها الثنائية في نشأتها الأولى؟ إن أصحاب هذا الرأي لا يعجزم إيجاد ذلك الرابط، مهما يك بعيدًا موغلًا في التكلف، فقد بدا لهم أن يتقصوا تلك الثنائية, وهي تنتقل من نطاق التاريخ إلى بطون المعاجم، فرأوها أجدر أن تسمى "ثنائية معجمية"، وألفوا في كثير مما أوردناه من المواد الثلاثية والرباعية أصولًا ثنائية زيد عليها صوت أو أكثر، والتمسوا بين صورتها الأصلية المجردة وصورتها المتطورة المزيدة جامعًا معنويًّا مشتركًا؛ حتى إذا وجدوه اقتنعوا بأن زيادة المادة الصوتية ربما أوحت بفارق معنوي جديد، ولكنها غالبًا تحتفظ بجوهر المعنى الأصلي القديم. وقد نبَّه الأب أنستاس ماري الكرملي إلى معرفة حذاق اللغويين العرب المقتدمين لهذه الثنائية المعجمية، "فممَّن قال بها ولم يحد عنها قيد شعرة، الأصبهاني صاحب كتاب غريب القرآن١، فإنه بنى معجمه على اعتبار المضاعف هجاءً واحدًا، ولم يبال تكرار حرفه الأخير،

стр. 142

فهو عنده من وضع الخيال، لا من وضع العلم والتحقيق، أي: أنه إذا أراد ذكر "مَدَّ يَمُدُّ مَدًّا" مثلًا في سفره، ذكرها كأنها مركبة من مادة "مَدْ" أي: ميم ودال ساكنة، ولا يلتفت أبدًا إلى أنها من ثلاثة أحرف، أي "م د د"، كما يفعل سائر اللغويين, ولهذا السبب عينه يذكر "مَدَّ" قبل "مَدَحَ" مثلًا، ولا يقدم هذه على تلك، على ما نشاهده في معظم معاجم اللغة؛ كالقاموس، ولسان العرب، وأساس البلاغة، وتاج العروس، وغيرها"١. وكان الأب أنستاس يدافع عن هذا الرأي في المجامع، ويدعمه في الأندية، ويفصل دقائقه، ويوضح كثيرًا من مناحيه في الصحف والمجلات منذ سنة ١٨٨١. ٢ ولم يكن الأب مرمرجي الدومنيكي أقل حماسة من الكرملي في الدفاع عن هذا المذهب، وقد كتب فيه المباحث الكثيرة، ثم جمع طائفة منها في كتب ثلاثة صغيرة، نشرها بعنوان: "أبحاث ثنائية ألسنية"، وقد طبع أوله سنة ١٩٣٧، ثم الثاني سنة ١٩٤٧, وتلاه الثالث سنة ١٩٥٠. وعوَّل الأب مرمرجي على طريقة الألسنية السامية: philologie semitique" أي: علم مقابلة والألسن السامية بعضها ببعض، لدعم نظريته في رَدِّ الثلاثيات إلى الثنائيات٣. ومن طريف ما لاحظه أن "المضاعف العربي الذي يقال: إنه مركب من ثلاثة أحرف أصلية لا تجد مقابلة في السريانية إلّا بحرفين

стр. 143

اثنين لا أكثر. مثلًا مقابل مَصَّ = مَصْ، وبحذاء حَمَّ = حَمْ، وبإزاء مَسَّ = مَسْ, وهكذا كل المضاعفات التي هي بالحقيقة ثنائيات، والثنائي وارد في كل الساميات، متصفًا بمعنى حقيقي وتام "١. ومن البراهين الحسية التي أوردها على سلامة هذه النظرة ما ضاعه العلماء من الأفعال المضاعفة والمكررة, مستخرجين عناصره الأولية من أسماء الأصوات، ودعاء الحيوانات، وزجرها، وبعض أسماء الأفعال، فهي جميعًا ثنائية. فمثلًا: أف: كلمة تكرُّه، بخ: لاستعظام الشيء, صع: اسم صوت يزجر به الجمل عند ترويضه، صه: أمر بالسكوت, مه: أمر بالكف. فمن هذه الثنائيات صيغت أفعالٌ, إما بتحريك الساكن وتشديده، وإما بتكرار الثنائي ذاته وتحريك الآخر، فقيل: أُفَّ، بَخَّ، صَعَّ، صَهْصَهَ، مَهْمَهَ٣. لذلك أطلق بعض الباحثين العصريين القول بأن: "الذي يتقرّى كلم العربية بإمعان نظر, يجد أن لمعظم موادها أصلًا يرجع إليه كثير من كلماته إن لم نقل كلها, خذ على ذلك مثلًا مادة "فل" وما يثلثها، تجد الجميع يدور حول معنى الشق والفتح, مثل: فلح، فلج، فلع، فلق، فلد، فلى, ومثل ذلك مادة "قط" وما يثلثها, تقول: قطَّ، قطع، قطر، قطف، قطن، وكلها بمعنى الانفصال٣. وكل حرف زيد على الأصل الثنائي يجري على قانون التطور اللغوي

стр. 144

تتويجًا، أو إقحامًا، أو تذييلًا، مع بقاء اللُّحمة المعنوية بين الثنائي والثلاثي، كما هي مستمرة بين الثلاثي والرباعي، وما فوقه من المزيدات, فكان من أسرار العربية، تبعًا لهذا، أننا كلما ردَّدنا موادها المزيدة إلى الصورة الثنائية التاريخية، وجدنا الحرف الذي ثَلَّثَ أصلها, ما يبرح ذا قيمة تعبيرية ذاتية توجه المعنى الأصلي العام توجيهًا خاصًّا، وتزيده تنوعًا وتقييدًا٢. فهذا ابن فارس في "المقاييس" يرد أصل "باب القاف والطاء وما يثلثهما" إلى معنى القطع، فيراه في "قطع" الذي يدل على صَرْمِ وإبانة شيء من شيء ٣، وفي "قطف" الذي يدل على أخذ ثمرة من شجرة٤، وفي "قطل" الذي يدل على قطع الشيء٥، وفي "قطم" الذي يدل على قطع الشيء أيضًا٦، فالعين والفاء واللام والميم جاءت أحرفًا زائدة على الأصل الثنائي "قط" فخصَّصَت" معنى القطع ونوَّعته بين الصرم والإبانة والأخذ، وردَّدته لأصواتها بين درجات الشدة والغلظة في إحداث القطع. وهذا ابن فارس أيضًا يرد أصل "باب الفاء والراء وما يثلثهما" إلى معنى التمييز والإفراد، وإذا بهذا المعنى يصير تفتحًا في الشيء وشقًّا في "فرج" بسبب الجيم٧، ويصير بمعنى التوحد في "فرد" بسبب

стр. 145

الدال١، وبمعنى عزل الشيء عن غيره في "فرز" لمكان الزاي٢، وبمعنى الدق في "فرس" لمكان السين٣، وبمعنى اقتطاع شيء عن شيء في "فرص" بواسطة الصاد٤، وبمعنى تأثير شيء في شيء من حزَّ أو غيره في "فرض" لصوت الضاد٥، وبمعنى إزالة شيء عن مكانه وتنحيته عنه في "فرط" لقوة الطاء٦، وبمعنى التمييز والتزييل بين شيئين في "فرق" للأصيل المجهور المقلقل في القاف٧. ومن ذلك أنه يردّ باب الجيم والذال وما يثلثهما في "المجمل"٨ إلى معنى "الأصل", فتجده واضحًا في "جذر" ومنها جذور اللسان: أصله، وفي "جذع" ومنها جذع النخلة: أصلها، وفي "جذل" ومنها جذل كل شيء: أصله، وفي جِذْم الشيء: أصله. بيد أن معنى "الأصل" يتفاوت قوة وضعفًا، وكثرةً وقلةً، وقربًا وبعدًا، وبين هذه المواد المذكورة، كأن الحرف المزيد الذي ثَلَّثَ أصلها الثنائي قد عيّن كيفها، ووصف كمَّهَا، ورسم حدَّها: فالجذل أصل عام للشجر، ولكنه للنخل جذع، والعين الحلقية أقوى من اللام المذلقة. والجذر أصل الحساب، حين تقول مثلًا: عشرة في عشرة مئة،
следующие страницы →