من الثنائية التاريخية إلى الثنائية المعجمية:
د- ولكي يصح القول بالثنائية التاريخية في نشأة اللغة، كان ينبغي لهذه الثنائية أن تلازم وحدة المقطع المؤلف من صوتين بسيطين فقط.
ولكننا في الاستشهاد على هذه الظاهرة أوردنا الكثير من المواد الثلاثية، ونقلنا عن القائلين بها بعض المواد الرباعية، فهل من رابط منطقي لا ينفك يلمح بين تلك الصيغ المزيدة وبين أصولها الثنائية في نشأتها الأولى؟
إن أصحاب هذا الرأي لا يعجزم إيجاد ذلك الرابط، مهما يك بعيدًا موغلًا في التكلف، فقد بدا لهم أن يتقصوا تلك الثنائية, وهي تنتقل من نطاق التاريخ إلى بطون المعاجم، فرأوها أجدر أن تسمى "ثنائية معجمية"، وألفوا في كثير مما أوردناه من المواد الثلاثية والرباعية أصولًا ثنائية زيد عليها صوت أو أكثر، والتمسوا بين صورتها الأصلية المجردة وصورتها المتطورة المزيدة جامعًا معنويًّا مشتركًا؛ حتى إذا وجدوه اقتنعوا بأن زيادة المادة الصوتية ربما أوحت بفارق معنوي جديد، ولكنها غالبًا تحتفظ بجوهر المعنى الأصلي القديم.
وقد نبَّه الأب أنستاس ماري الكرملي إلى معرفة حذاق اللغويين العرب المقتدمين لهذه الثنائية المعجمية، "فممَّن قال بها ولم يحد عنها قيد شعرة، الأصبهاني صاحب كتاب غريب القرآن١، فإنه بنى معجمه على اعتبار المضاعف هجاءً واحدًا، ولم يبال تكرار حرفه الأخير،
стр. 142
فهو عنده من وضع الخيال، لا من وضع العلم والتحقيق، أي: أنه إذا أراد ذكر "مَدَّ يَمُدُّ مَدًّا" مثلًا في سفره، ذكرها كأنها مركبة من مادة "مَدْ" أي: ميم ودال ساكنة، ولا يلتفت أبدًا إلى أنها من ثلاثة أحرف، أي "م د د"، كما يفعل سائر اللغويين, ولهذا السبب عينه يذكر "مَدَّ" قبل "مَدَحَ" مثلًا، ولا يقدم هذه على تلك، على ما نشاهده في معظم معاجم اللغة؛ كالقاموس، ولسان العرب، وأساس البلاغة، وتاج العروس، وغيرها"١.
وكان الأب أنستاس يدافع عن هذا الرأي في المجامع، ويدعمه في الأندية، ويفصل دقائقه، ويوضح كثيرًا من مناحيه في الصحف والمجلات منذ سنة ١٨٨١. ٢
ولم يكن الأب مرمرجي الدومنيكي أقل حماسة من الكرملي في الدفاع عن هذا المذهب، وقد كتب فيه المباحث الكثيرة، ثم جمع طائفة منها في كتب ثلاثة صغيرة، نشرها بعنوان: "أبحاث ثنائية ألسنية"، وقد طبع أوله سنة ١٩٣٧، ثم الثاني سنة ١٩٤٧, وتلاه الثالث سنة ١٩٥٠.
وعوَّل الأب مرمرجي على طريقة الألسنية السامية: philologie semitique" أي: علم مقابلة والألسن السامية بعضها ببعض، لدعم نظريته في رَدِّ الثلاثيات إلى الثنائيات٣.
ومن طريف ما لاحظه أن "المضاعف العربي الذي يقال: إنه مركب من ثلاثة أحرف أصلية لا تجد مقابلة في السريانية إلّا بحرفين
стр. 143
اثنين لا أكثر. مثلًا مقابل مَصَّ = مَصْ، وبحذاء حَمَّ = حَمْ، وبإزاء مَسَّ = مَسْ, وهكذا كل المضاعفات التي هي بالحقيقة ثنائيات، والثنائي وارد في كل الساميات، متصفًا بمعنى حقيقي وتام "١.
ومن البراهين الحسية التي أوردها على سلامة هذه النظرة ما ضاعه العلماء من الأفعال المضاعفة والمكررة, مستخرجين عناصره الأولية من أسماء الأصوات، ودعاء الحيوانات، وزجرها، وبعض أسماء الأفعال، فهي جميعًا ثنائية.
فمثلًا: أف: كلمة تكرُّه، بخ: لاستعظام الشيء, صع: اسم صوت يزجر به الجمل عند ترويضه، صه: أمر بالسكوت, مه: أمر بالكف. فمن هذه الثنائيات صيغت أفعالٌ, إما بتحريك الساكن وتشديده، وإما بتكرار الثنائي ذاته وتحريك الآخر، فقيل: أُفَّ، بَخَّ، صَعَّ، صَهْصَهَ، مَهْمَهَ٣.
لذلك أطلق بعض الباحثين العصريين القول بأن: "الذي يتقرّى كلم العربية بإمعان نظر, يجد أن لمعظم موادها أصلًا يرجع إليه كثير من كلماته إن لم نقل كلها, خذ على ذلك مثلًا مادة "فل" وما يثلثها، تجد الجميع يدور حول معنى الشق والفتح, مثل: فلح، فلج، فلع، فلق، فلد، فلى, ومثل ذلك مادة "قط" وما يثلثها, تقول: قطَّ، قطع، قطر، قطف، قطن، وكلها بمعنى الانفصال٣.
وكل حرف زيد على الأصل الثنائي يجري على قانون التطور اللغوي
стр. 144
تتويجًا، أو إقحامًا، أو تذييلًا، مع بقاء اللُّحمة المعنوية بين الثنائي والثلاثي، كما هي مستمرة بين الثلاثي والرباعي، وما فوقه من المزيدات, فكان من أسرار العربية، تبعًا لهذا، أننا كلما ردَّدنا موادها المزيدة إلى الصورة الثنائية التاريخية، وجدنا الحرف الذي ثَلَّثَ أصلها, ما يبرح ذا قيمة تعبيرية ذاتية توجه المعنى الأصلي العام توجيهًا خاصًّا، وتزيده تنوعًا وتقييدًا٢.
فهذا ابن فارس في "المقاييس" يرد أصل "باب القاف والطاء وما يثلثهما" إلى معنى القطع، فيراه في "قطع" الذي يدل على صَرْمِ وإبانة شيء من شيء ٣، وفي "قطف" الذي يدل على أخذ ثمرة من شجرة٤، وفي "قطل" الذي يدل على قطع الشيء٥، وفي "قطم" الذي يدل على قطع الشيء أيضًا٦، فالعين والفاء واللام والميم جاءت أحرفًا زائدة على الأصل الثنائي "قط" فخصَّصَت" معنى القطع ونوَّعته بين الصرم والإبانة والأخذ، وردَّدته لأصواتها بين درجات الشدة والغلظة في إحداث القطع.
وهذا ابن فارس أيضًا يرد أصل "باب الفاء والراء وما يثلثهما" إلى معنى التمييز والإفراد، وإذا بهذا المعنى يصير تفتحًا في الشيء وشقًّا في "فرج" بسبب الجيم٧، ويصير بمعنى التوحد في "فرد" بسبب
стр. 145
الدال١، وبمعنى عزل الشيء عن غيره في "فرز" لمكان الزاي٢، وبمعنى الدق في "فرس" لمكان السين٣، وبمعنى اقتطاع شيء عن شيء في "فرص" بواسطة الصاد٤، وبمعنى تأثير شيء في شيء من حزَّ أو غيره في "فرض" لصوت الضاد٥، وبمعنى إزالة شيء عن مكانه وتنحيته عنه في "فرط" لقوة الطاء٦، وبمعنى التمييز والتزييل بين شيئين في "فرق" للأصيل المجهور المقلقل في القاف٧.
ومن ذلك أنه يردّ باب الجيم والذال وما يثلثهما في "المجمل"٨ إلى معنى "الأصل", فتجده واضحًا في "جذر" ومنها جذور اللسان: أصله، وفي "جذع" ومنها جذع النخلة: أصلها، وفي "جذل" ومنها جذل كل شيء: أصله، وفي جِذْم الشيء: أصله.
بيد أن معنى "الأصل" يتفاوت قوة وضعفًا، وكثرةً وقلةً، وقربًا وبعدًا، وبين هذه المواد المذكورة، كأن الحرف المزيد الذي ثَلَّثَ أصلها الثنائي قد عيّن كيفها، ووصف كمَّهَا، ورسم حدَّها:
فالجذل أصل عام للشجر، ولكنه للنخل جذع، والعين الحلقية أقوى من اللام المذلقة.
والجذر أصل الحساب، حين تقول مثلًا: عشرة في عشرة مئة،
стр. 146
ولكن الجذع من الإبل هو الذي أتى له خمس، ومن الشاء ما تمت له سنة، ففي من معنى التكرار ما لا نظير له في العين على قوتها، إذ العين -كجميع أخواتها الحلقية- تخرج من الحلق دفعة واحدة تنبر بها نبرًا، ولا ريب أن في التكرار مضاعفة وكثرة، وأن في النبرة الواحدة تضاؤلًا وقلة.
ومعنى "الأصل" في الجذام عند تقطع أصول الأصابع أقرب إلى الفهم من معناه لدى تسمية الرجل القصير بالمُجْذَر، وإن لوحظ فيه انقطاع شيء من أصل القامة الإنسانية المعتادة, ولا يبعد عند الاشتقاقين، كابن فارس وأضرابه، أن يكون الفارق بين المعنيين الأخيرين إنما جاءهما من شَفَويَة الميم وذلقية الراء١.
وعندما اطَّلَع الباحثون المعاصرون على أمثال هذه الفروق الدقيقة التي أوضحها اللغويون المتقدمون، فظنوا إلى أن موقع الحرف الثالث الزائد على الأصل الثنائي تنويعًا للمعنى، وتحديدًا للفارق، يغلب أن يكون تذيلًا في آخر الكلمة، وإن جاء أحيانًا حشوًا في وسطها، أو تصديرًا في أولها.
ولا حاجة للتمثيل على القيمة التعبيرية للحرف المزيد في آخر الكلمة، فأكثر ما أوردناه من الشواهد يدخل هذا الباب.
أما الحرف المقحم حشوًا في وسط الكلمة بين حرفيها الأصليين، فمن أمثلته: شلق, من شقّ, فرق: من فَقَّ. قَرَطَ, من قط.
قرص: من قص, شرق: من شق, لحس ولهس: من لس.
стр. 147
وأما الحرف المتوّج للكلمة صدرًا في أولها، فمن امثلته: رفت: من فت, لهب: من هب, رفض: من فض, لمس: من مس, فطح وبطح: من طح, نذل: من ذل, غلف: من لف١.
ويكاد الاستشهاد بجيمع الأمثلة السابقة يكون قائمًا على اعتبار المضعَّف الثلاثي ثنائيًّا، فإذا زددنا مثلًا "فرق" إلى فق" فهو في الحقيقة "فق" بالتضعيف؛ إذ لم نقع في معاجمنا على مادة "فَقْ" مقطعًا صوتيًّا مؤلفًا من متحرك فساكن؛ قس على ذلك "لهب" مثلًا حين نأخذها من "هب", فإنها في معاجمنا "هَبَّ" بتضعيف الباء.
قال ابن دريد: "الثنائي الصحيح لا يكون حرفين البتة إلّا والثاني ثقيل "أي: مضعف", حتى يصير على ثلاثة أحرف؛ اللفظ ثنائي والمعنى ثلاثي, وإنما سُمِّيَ "ثنائيًّا" للفظه وصورته, فإذا صرت إلى المعنى والحقيقة كان الحرف الأول أحد الحروف المعجمة، والثاني حرفين مثلين أحدهما مدغم في الآخر، نحو: "بَتَّ يبت بتًّا" في معنى قطع، وكان أصله "بتت", فأدغموا التاء في التاء فقالوا: بتَّ, وأصل وزن الكلمة فعل، وهو ثلاثة أحرف, فلما مازجها الإدغام رجعت إلى حرفين في اللفظ, فقالوا: بَتَّ، فأدغمت إحدى التائين من الحروف المعجمة"٢.
وعَدُّ المضعف الثلاثي من باب الثنائي ليس غريبًا على العصريين، ما داموا يحاذون الأصل العربي على سمت نظيره في اللغات السامية، فقد رأينا الأب مرمرجي يعقد أمثال هذه المقارنات؛ إذ وجد بحذاء "مَصَّ" العربية "مَصَّ" السريانية، وبإزاء "مَسَّ" بالعربية, "مَسَّ" السريانية، وهكذا دواليك٣.
стр. 148
ولم يكن هذا بالغريب أيضًا على بعض المتقدمين من لغويي العرب, فإنهم كانوا يفتتحون المادة الثلاثية بالمضعفات منها، كأنَّ تكرار الحرف لا يخرج الصيغة عن أصلها الثنائي, ونرى ذلك أوضح ما يكون وأصرحه في "جمهرة اللغة" لابن دريد، وفي "المقاييس" لابن فارس.
فأما ابن دُرَيْد, فقد أخذ بيد الناظر في كتابه إذا آثر التماس حرف ثنائي، فأرشده إلى البدء بالهمزة والباء إن كان الثاني باء ثقلية "مضعفة", أو الهمزة والتاء، وكذلك سائر الحروف١.
وعلل ابن دريد منهجه هذا بما جاء في الكتاب٢, وفي السمع على لفظ الثنائي وهو ثلاثي؛ لأنه على ثلاثة أحرف، أوسطه ساكن، وعينه ولامه حرفان مثلان، فأدغموا الساكن في المتحرك فصارا حرفًا ثقيلًا٣.
ثم يطبق صاحب الجمهرة منهجه هذا على المواد التي يفسرها، فيفتتح باب الثنائي الصحيح بمادة "أب ب"٤، ويتبعها بـ"أت ت" ثم "أث ث" ثم "أج ج"٥، وهكذا إلى آخر المواد المستعملة في المعجم العربي مبدوءة بالهمزة، فيقف عند مادة "أي ي"٦؛ ثم ينتقل إلى "باب الباء وما يتصل بها من الحروف في الثنائي الصحيح"، فيبدأ بمادة "ب ت ت"٧، ويختم البا بـ"ب ي ي"٨، وكذلك يفعل بالتاء والثاء والجيم إلى آخر المعجم، وفي هذا كله يشير إلى الصور
стр. 149
المعكوسة والألفاظ المماتة أو المهملة.
وأما ابن فارس فيستهل "مقاييسه" في أول كتاب الهمزة بقوله:
"باب الهمزةن في الذي يقال له المضاعف"١، فيبدأ بـ"أبّ" ويذكر أن للهمزة والباء في المضاعف أصلين، أحدهما المرعى، والآخر القصد والتهيؤ, ثم يتبع هذه المادة بالمستعملات من المضعَّفَات بعدها, نحو: "أتَّ"٢، "أثَّ"، "أجَّ"٣، "أحَّ"٤، "أخَّ"٥، إلى آخر الهجاء العربي، مما يراجع في موضعه.
وإذا كان الثلاثي المضعف -في الأمثلة التي ذكرها ابن دريد وابن فارس وأمثالهما- صورة ثنائية غير صريحة ولا مباشرة، فإن من الممكن أحيانًا أن نرد الثلاثي إلى أصل ثنائي صريح "متحرك فساكن" في حكاية بعض الأصوات الطبيعية٦ -وهي قليلة محفوظة مثل: طَقْ، دَقْ، لَبْ- فمنها: طرق ودلق ولزب، وهي تخلو من التضعيف في آخرها، كما تخلو من حروف اللين٧ في وسطها، ونرى مع ذلك أن حروف اللين -لضعفها- لو وجدت فيه لا تخرجها عن ثنائيتها مثل "غاق" وشيب وعيط"٨.
стр. 150
ويناظر حروف اللين في الضعف أحرف العلة الثلاثة: الألف والواو والياء، فتذييلها آخر الكلمة لا يخرجها عن ثنائيتها.
لذلك جرى أصحاب المعاجم على إفراد باب خاصٍّ للمواد المعتلة، يؤخرونه إطلاقًا؛ كما فعل ابن منظور في "اللسان", والفيروزابادي في "القاموس المحيط"، أو يرجئون ذكره إلى آخر كل بابٍ على حدةٍ قبل الانتقال إلى باب جديد، فلا يوردون المواد المعتلة إلّا بعد سردهم جميع المواد السالمة الصحيحة, كما فعل بعض المعجميين الاشتقاقين.
وقد انفرد ابن دريد، من بين أولئك الاشتقاقيين بمزية هامة حقًّا، حين لم يكتف بإتباع الصحيح بالمعتل، بل حرص على إتمام القول في الثنائي المعجمي صحيحًا ومعتلًّا قبل أن ينتقل إلى الثلاثي، فإذا ختم باب الثنائي الصحيح فاجأنا بباب "الثنائي المعتل وما تشعب منه"١، كأن الثنائية المعجمية لديه أمر قطعي صريح لا يقبل الجدل، وكأنه ما يزال يستأنس بذلك على صحة هذا المذهب وسلامة النظرة إليه.
ولعل نظائر هذه الاعتبارات هي التي حملت الأستاذ عبد الله العلايلي على أن يرد إلى المعلَّات أكثر الثنائيات، وأن يفسر نشأة الثلاثي من الثنائي بوساطة تلك المعلَّات، حتى دعا إلى اتخاذ هذه المعلَّات المحفوظة في المعاجم المختلفة عُدَّةَ الدارس لفهم الثلاثي على وجهه؛ لأنه الأصل التاريخي الذي انفصل عنه.
والنتيجة التي انتهى إليها العلايلي تتخلص في أن مطلق الثلاثي نشأ عن الثنائي على هذه الصورة التي عليها المعلًّات بزيادة حرف من الهجاء
стр. 151
غالبًا من يكون حشوًا في وسط الكملة١.
ولكنه وقع في تكلف عجيب حين أخذ في تطبيق رأيه على بعض الأمثلة؛ فجعل "عبل" مأخوذة من "علا" المعتلة، أو أصلها "عل"، أما الباء فهي عين الكلمة مكنوفةً بالفاء واللام، كأنهما سياج لها، فسلمت من الحذف مع أنها هي الحرف المحشوّ المزيد، وبُذِلَ الحرف المعتل للعوارض حتى حذف، فكأن حرف الباء المزيد الصحيح المحشو تعويض عن حرف العلة الساقط المحذوف٢.
ولو أسقطنا حرف الباء المزيد -قياسًا على سقوط الحرف المعتل- لظهرت لنا الكلمة الثلاثية على صورتها الثنائية الحقيقة، فإذا هي "عل" فقط. فأيّ جامع يجمعها بعد هذا بهاتين المادتين "عبث وعبد" وما أشبههما من المواد التي تتوسطها الباء؟
إن "عبث" تعود حينئذ إلى "عث" وصورتها "عثا", أما "عبد" فتعود إلى "عد" وصورتها المعتلة "عدا".
وإنما رمينا هذه النظرية بالتكلف؛ لأن تطبيقها العملي لا يتم -كما رأيت في المثال- إلّا بتجريد حرف الوسط، ثم تناول المادة ومعها المعلات التي وقع فيها الحرفان على ترتيبهما، مع أن تجريد مادة ما من حرف الوسط إنما يكون بمنزلة الحذف والإسقاط لذلك الحرف المحشو! فكيف يسلخ من بنية المادة جزء لا يتجزأ منها، ثم تظل هذه المادة معبرة -دونه- عن غرضها تعبيرًا دقيقًا كاملًا؟!
стр. 152
ربما خُيِّلَ إلى الباحث أن في وسعه الدفاع عن هذه النظرية بذهابه إلى أن تجريد حرف الوسط -على نحو ما رأيت في المثال- ليس إلّا ضربًا من الافتراض العقلي يرد به الثلاثي إلى أصله الثنائي في صورة ذهنية، لا واقعية, وحينئذ لا نرتاب نحن في أن النظرية عقلية بحث، واحتمالية صرف؛ فما هي -بشهادة أصحابها- من الواقعية في شيء، ولا تمت إلى الحقيقة التاريخية بسبب.
فأنى لنا بعد هذا، أن نَرُدَّ "عبل"، و"عبث" إلى "عثا"، و"عبد" إلى "عدا"؟ وأين كانت مواقع الباءات في الأصل قبل حشوها في أوساط هذه الكلمات؟ ولم زيدت عليها، دون غيرها من الحروف، مع أنها لم تكن قبل فيها، وما لنا، وقد رأيناها مزيجة بطريقة ما، لا نزال نتصور أن نفترض انسلاخها من الأبنية التي تأصلت فيه حتى استحالت جزءًا من صيغها؟
إن الأمر لا يعدو عن الاحتمال والظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا. من الإنصاف للاستاد العلايلي أن نؤكد استشعاره ما في هذه النظرية من "الأخذ الاحتمالي"؛ لأنها تقابل لديه الطريقة التي قررها أكثر اللغويين في دراسة المزيج على الثلاثي بأحرفه جميعًا "الفاء والعين واللام"، فلم تكن تلك الطريقة "التقليدية" إلّا أخذًا احتماليًّا أيضًا.
والعلايلي لا ينكر أن هذا الأخذ الاحتمالي الشائع "قد يبدو على بعض الكلمات ضررويًّا حين لا يظهر تمام الجامع في الحشو"١.
ومن الإنصاف له مرةً أخرى أن نشيد ببعد نظره، وسداد رأيه، حين لم يبال في العمل اللغوي بشيء من هذه الاحتمالات "قديمة وحديثة"، فقد صرَّح بقلة غنائها، وخلص إلى أن الثنائية، كما فهمها هو أو غيره من الباحثين، لم تكن سوى مرحلة تاريخية، وأكد بلهجة قاطعة
стр. 153
أن العربية لم تعد على شيء سوى الثلاثي١.
وللباحثين المحدثين نظرات في اللغة يحسبونها أصلية بكرًا، حتى إذا درسوا آثار القدماء وتصانيفهم تبيَّنَ لهم أن الأولين لم يتركوا للآخرين كثيرًا، وأن علماء السلف الصالح قتلوا هذه الدرسات اللغوية بحثًا كما يقولون، حتى أتوا على جُلِّ ما نقترضه الآن من النظريات، واحتجوا لكل افتراض بشواهد تنطق بصوابه أو فساده.
من تلك النظرات التي يحسبها المحدثون جديدة، ما لاحظه بعضهم في أخذ الثلاثيات من الثنائيات من آثار النحت, فكثير من الصيغ الثلاثية منحوت من أصلين ثنائيين نحو: "قطف", ويفيد القطع والجمع، والأصل فيه: "قط+ لف"، الأول قطع، والثاني جمع, وبالاستعمال أهملت اللام ونقلت حركتها إلى ما قبلها فصارت قطف ... وهكذا في "بعج" فإنها ترد إلى "بَعْ بَجْ"٢.
إن مثل هذا المذهب ليس في الواقع إلّا صدًى لآراء بعض اللغويين القدماء في النحت، وفي طليعتهم ابن فارس الذي يؤكد "أن للرباعي والخماسي مذهبًا في القياس، يستنبطه النظر الدقيق, وذلك أن أكثر ما تراه منه منحوت, ومعنى النحت: أن تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة تكون آخذةً منهما جميعًا بحظ"٣.
والباحثون العصريون، رغم اقتباسهم أصول هذا المذهب من الكتب
стр. 154
اللغوية القديمة١، خيل إليهم أنهم قد ابتكروه؛ لأنهم حين عرضوه أحدثوا فيه شيئًا من التبديل، فما ردوا الرباعي وما فوقه إلى كلمتين ثلاثيتين، بل ضيقوا دائرة البحث وردوا الثلاثي الذي لم تَعُد العربية على شيء سواه إلى كلمتين ثنائيتين، مبالغة في تقصير الكلمات، وإثبات ضآلتها وقلة أصواتها في نشأتها الأولى.
ولا ينادي بمثل هذا الرأي على ذاك النحو في الغلو إلّا مولع بضروب الاشتقاق، مأخوذ بما في الألفاظ من دلالة سحرية، مؤمِنٌ بأن السوابق واللواحق بقايا كلمات قديمة مستعملة ٢, ولكن الغلو في الاشتقاق والنحت لا يأتي بخير٣، وكذلك الذهاب إلى تقصير الألفاظ في نشاتها الأولى لم تقم الأدلة دامغةً على صحته، وإن كان أنصاره كثيرين في الشرق والغرب, ولقد قام مذهب يعاكس اتجاهه ويعارضه جملة وتفصيلًا.
فمن علماء اللغة الغربيين اليوم مَنْ يرجِّحُ أن الكلمات بدأت طويلة في أصل بنائها، ثم أسهمت طائفة من العوامل المختلفة في تقصيرها, فكان في معظم اللغات ألفاظ كثيرة الحروف في أقدم نصوصها وأشدها إيغالًا في الماضي السحيق، ثم تطورت اللغات, وكان من أمارات تطورها ميلها نحو التقصير من بنية كلماتها، وتيسير أصواتها، وتجريديها من تنافر الحروف٤.
ومع علمنا بأنه لا يكفي لإثبات النظرية الثنائية -تاريخيه أو معجمية- أن نسوق عشرات أو مئات من الألفاظ فيها هذه الظاهرة في
стр. 155
كلمات لغتنا على حدة, أو في كلمات اللغات السامية عند المقارنة، نميل إلى الاعتقاد بأن اللغات تتفاوت في أنماط نشأتها وتطورها، وأن ما يصدق على اللغات الإنسانية المختلفة ربما لا يصدق تمامًا على لغتنا, فلا يبعد أن تكون هذه الظاهرة الثنائية أوضح في نشأة لغتنا, أو اللغات السامية خاصةً منها في نشأة اللغات الإنسانية الأخرى عامة.
ولا ريب في أن لكلِّ لغة أسلوبًا خاصًّا في تأليف الألفاظ والتراكيب, وأن المألوف في لغة ما قد يكون مستهجنًا في غيرها، وأن طائفةً من الأصوات تجتمع وتتناسق في ألفاظ بعض اللغات, على حين تأبى التجمع والتناسق في ألفاظ لغات أخرى.
إلى مثل هذه الفروق الدقيقة بين اللغات المختلفة وجَّهَ العلماء أنظارنا حين جزموا بأن هذا من كلام العرب، وذاك ليس من كلامهم في شيء؛ فهذا ابن دريد مثلًا, ينفي ائتلاف الكاف والقاف في كلمة واحدة إلّا بحواجز، ويقول باطمئنان: "ليس في كلامهم "قك ولا كق"، وكذلك حالهما مع الجيم؛ ليس في كلامهم "جك ولا كج" إلّا أنها قد دخلت على الشين لتفشي الشين وقربها من عكدة اللسان ... "١.
وكان من اليسير، بعد هذا، أن يحصوا الكلمات الغريبة عن النسج العربي, وأن يحكم بعضهم بندرة اجتماع بعض الأصوات، كما حكم الخفاجي بندرة اجتماع الراء مع اللام، إلّا إذا تخللها حرف من حروف الذلاقة في الرباعي والخماسي٢.
فإذا صحَّ أن لكلِّ لغة نسيجًا خاصًّا في تآلف أصواتها, وفي نشأة مادتها الصوتية وتطورها, لم يبعد أن يصدق على لغتنا العربية في مطلع فجرها ما أكده ابن جني وأضرابه من قيمة تعبيرية للحرف الواحد،
стр. 156
بسيطًا ومركبًا، منفردًا ومجتمعًا، ولم يكن من الحق حكم أولئك الأعلام بوجود مناسبة طبيعية بن اللفظ ومدلوله١، فإن لكلِّ لغة أصولًا، وأوائل قد تخفى عنا، وتقصر أسبابها دوننا٢. وكم كان هؤلاء العلماء يتهمون أنفسهم بالجهل حين يُنْعِمون النظر في هذه المناسبة الطبيعية, فلا تنقاد لهم فيما رسموه، ولا تتابعهم على ما افترضوه وتخيلوه! وإذا بقائلهم يقول: "فهذه الطرائق التي نحن فيها حَزْنَةُ المذاهب، والتورُّد لها وَعْرُ المسلك، ولا يجب مع هذا أن تستنكر ولا تستبعد! "٣.
стр. 157
بين الدلالة الذاتية والدلالة المكتسبة:
هـ- ومع هذا الورع الشديد، هذا التواضع العلمي النادر، لم يسلم لغويو العرب من التكلف فيما عرضوه من مناسبة حروف العربية لمعانيها، فقد أحصى بعضهم مفردات اللغة ابتداءً من الحروف ذوات القيمة التعبيرية الحاصة، فكان إحصاؤهم "رياضيًّا" بحتًا، استوى فيه مجموع تلك المفردات هو ومجموع الاحتمالات الممكنة، "فما يمكن أن يتألف من حروفنا الهجائية يجاوز ١٢ مليونًا من الكلمات، قرَّرَ هذا الخليل من قبل، وتقرر صنعه الآن العمليات الحسابية الحديثة, ولكن المستعمل من الألفاظ لا يكاد يجاوز ثمانين ألفًا٤، فيها يشبع حرف أكثر من حرف"٥.
والحق أن اللغة الإنسانية لا يمكن أن تحصى مفرداتها إحصاء "رياضيًّا"،
стр. 158
إذ لا قيمة للفظ لم يجر به الاستعمال، ولا مدلول للفظٍ شاع باستعمالٍ معين إذا قسر على إيحاء غير معناه الشائع الجاري، إنما اللفظ الذي تلتمس دلالته، ويستشعر ما بينه وبين دلالته من التناسب الطبيعي، هو اللفظ الذي جرى به الاستعمال حتى شاع فيه، وأطلق عليه، وعرف به. وإن علينا -حين نفهم دلالة الألفاظ على هذه الصورة- أن نفرق بوضوح بين القيمة التعبيرية الذاتية من نحو، والمكْتَسَبَة من نحو آخر، في كل من الحرف البسيط، والأصل الثنائي، والبناء الثلاثي، والصيغ المزيدة عل الأصول في استعمالها الوضعي الأول.
وأفضل طريقة لمعرفة الفرق بين القيمة الذاتية والقيمة المتكسبة للفظ ما، تتمثل في تقصي الخطوات المَنْسِيَّة التي مر بها هذا اللفظ حتى تداولته الألسنة بمعنًى خاصٍّ ودلالة معبرة.
وهذه الخطوات المنسية -على صعوبة الجزم بنوع المراحل التي مرت بها، طولًا وقصرًا، واتساعًا وضيقًا؛ وتصريحًا ورمزًا- لا تلقي على اللفظ من الأضواء ما يكفي لتحديد اللحظة التي وُلِدَ فيها، ولا لتعيين المدلول الذاتي الذي يناسبه بعد أن تَمَّ ميلاده، ولا لتبيان القرائن التي حملت الناطقين به على نقله من مفهوم إلى آخر، أو على توليد معنًى جديد من معناه الأصلي القديم١.
وذلك يعني أنَّ لكل لفظٍ نشأة وميلادًا، وأن في كل لفظ اشتقاقًا وتوليدًا، وأن المناسبة الذاتية لا تلتمس إلّا في اللفظ عند نشأته الأولى، وأن هذه المناسبة فيما جدده الاستعمال من مدلولات ذاك اللفظ إنما تُحْتَمَلُ حملًا على المعنى الآصل الأقدم, ولا يخفى حينئذ على الباحث اللغوي أن المناسبة الأخيرة لم تنشأ مع اللفظ ولم تحضر ميلاده، بل اكتسبت إيحاءها ودلالتها من كثرة الاستعمال.
стр. 159
ومن الأمثلة الصريحة في ذلك ما رأيناه عند ابن جني خاصة من القيمة التعبيرية لحرف الفاء إذا مازج الدال والتاء والطاء والراء واللام والنون، فأكثر أحوالها -كما قال- أنها للوهن والضعف، لكنا وقعنا من معانيها على الطبيعي والمتكلف، ولا تجد الصلة بين اللفظ ومدلوله إلّا "مكتسبة" في كل ما وصمناه بالتكلف١. ولتجدنَّها ذاتية لا مجالة في واحد من تلك المعاني الطبيعية، وهو الذي يمكن عده أصل الاشتقاق في تقاليب هذه المادة وصورها التي جرى بها الاستعمال.
وإما تَهُولنَّ الباحث كثرة الصور المتكلفة ذات الدلالة المكتسبة, فليعرض عنها حتى يجد في العربية مثلما يجد في غيرها من اللغات "نماذج" صريحة -وإن تَكُ قليلة- لألفاظ إنسانية اتضحت دلالتها التعبيرية الذاتية، وبلغت من الوضوح أن كانت لأصوات الطبيعة أشبه برجع الصدى أو ترداد النغم.
هذا الضرب من الألفاظ التي تحكي الطبيعة اصطُلِحَ على تسميته Onomatopoeia"، وقد اعترف بوجوده في اللغات الإنسانية المختلفة كل باحثٍ محقق يدرس اللغة على أنها ظاهرة اجتماعية؛ حتى الذين عارضوا مذهب الصلة بين اللفظ ومدلوله في إطاره العام لم يستنكفوا أن يعترفوا بوجود هذا الحد الأدنى من "النماذج" اللفظية ذات الدلالة الطبيعية الصريحة٢.
فلنرض النتائج العلمية الباهرة التي انتهى إليها عباقرة سلفنا، ولنسلك سبيلهم في التزام الحيطة وأخذ الحذر قبل القطع في الصورة التي نشأت عليها لغة الإنسان، ولنلاحظ أنهم لم يدلوا برأي لا رجعة فيه حول النشاة الأولى للغات البشر، وأنّ ابن جني مثلًا -وهو من
стр. 160
أثقبهم فهمًا؛ وأرسخهم علمًا، وأوسعهم أفقًا- يبدو كالمتردد الحائر الذي "يقف في الحالتين حسيرًا ويكاثرهما فينكفئ مكثورًا"١، فلم يجهر بإعلان ما نُسِبَ إليه وإلى أستاذه أبي عليّ الفارسي، وإلى الخليل وسيبويه من قبل من أنّ أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسوموعات، بل رأيناه لدى عرض هذا الرأي يعزوه في مستهلّ عبارته إلى بعضهم؛ كأنمما يمهد لما إليه من تقبله والأخذ به، ثم يجد مقنعًا في استحسانه بقوله: "وهو عندي وجه صالح ومذهب مُتَقَبَّلُ"٢؛ فهو بين المذاهب الصالة أحدها, لكنه ليس المذهب الصالح الوحيد, وما هو لديه بالجدير أن يدافع عنه جهرة بإصرار وعناد.
وإن هذه العبارة لتشي باحتمال استحسانه مذهبًا آخر, أو قل: مذاهب أخرى، ولا نلبث أن نجد هذا الاحتمال قد تردد في صدره, ثم تحقق فيما كتبه بنفسه مستحسنًا القول بأنَّ هذه اللغة العربية توقيف ووحي. قال ابن جني: "واعلم فيما بعد، أنني على تقادم الوقت، دائم التنقير والبحث عن هذ الموضع، فأجد الدواعي والخوالج قوية التجاذب لي، مختلفة جهات التعول على فكري، وذلك أنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقة، والإرهاف والرقة، ما يملك عليّ جانب الفكر، حتى يطمح به أمام غَلْوَةِ السحر!
فمن ذلك ما نبَّه عليه أصحابنا ﵏، ومنه ما حذوته على أمثلتهم فعرفت بتتباعه وانقياده، وبعد مراميه وآماده، صحة ما وُفِّقُوا لتقدمه منه، ولطف ما أسعدوا به وفُرِقَ لهم عنه، وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة، بأنها من الله جلَّ وعَزَّ، فقوي في
стр. 161
نفسي اعتقاد كونها توفيقًا من الله سبحانه، وأنها وحي! ١.
ولقد يظهر لنا هنا أن ابن جني لا يناقض نفسه، ولا يهدم ما كان تقبله من أن اللغة اصطلاحية؛ لأنه -وهو المسحور بالعربية، المأخوذ بأسرارها العجيبة المعجزة- وَدَّ لو يخصها بمزية في نشأتها، تجعلها آية البيان بين لغات الإنسان, فلم يعارض المذهب القائل "باصطلاحية" اللغات, وإنما أحاط نشأة العربية خاصة بشيء يسمو على الفكر، ويعلو عن السحر، ويكاد يلحقها بالمعجزات!!
وإنه -في هذا كله- لكالباحث الذي يحرص الحرص كله على التجرد من عواطفه، فتأبى عليه عواطفه نفسها أن يتجرد، فيستسلم إلى وحي مشاعره استسلامًا لذيذًا يرى خلاله العربية لغة العبقرية او يرى في العربية عبقرية اللغات.
стр. 162
الفصل الرابع: المناسبة الوضعية وأنواع الاشتقاق
الاشتقاق الأصغر:
رأينا العلماء المتقدمين -في الفصل السابق- كيف أحاطوا العربية بشيء يشبه السحر تارةً، ويسمو عنه تارةً أخرى، عندما بحثوا المناسبة الطبيعية، بين حروف العربية ومعانيها في حالتي البساطة والتركيب، وطوري النشأة والتولد, ورأيناهم في التماس الأدلة على هذه المناسبة الطبيعة ربما خلطوا بين صورتي الذاتية والاكتساب, فجعلوا الدلالة المكتسبة المتطورة في قوة الدلالة الذاتية الأصلية، وفاتهم ما بين الدلالتين من فروق دقيقة لا تدرك على حقيقته إلّا بتتبع أصول الألفاظ، وأوائل وضعها، وضروب استعمالها، ومراحل تطورها.
ولقد تكون مباحثهم في أنواع الاشتقاق، وما اكتنفها من الغلوّ
стр. 163
الذي سنراه في هذا الفصل، صورةً من خلطهم أيضًا من الدلالة الذاتية والدلالة المكتسبة، فكثير من قضايا الاشتقاق ردوه بلطف الصنعة إلى ما يشبه القول بالمناسبة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله، كأنما ودوا لو يتجاهلون أن الاشتقاق وَضْعٌ لأنه أخذ صيغة من أخرى، فهو أجدر أن يكون ذا دلالة مكتسبة لا ذاتية، متطورة لا أصلية، منذ أن اكتسب بالوضع معنًى جديدًا متفرعًا عن الأصل القديم.
وأيًّا ما خلط لغويو العرب بين الطبع والوضع، والأصل والفرع، في دراسة أبواب الاشتقاق، فلا غفران لنا اليوم -بعد أن اتسعت آفاق البحث اللغوي المقارن- في أن نعد الدلالة الاشتقاقية -وهي فرعية- كالدلالة الطبيعة التي كانت هي الأصلية.
إنما ندرس الاشتقاق في ظلال دلالته الوضعية على أنه توليد لبعض الألفاظ من بعض، والرجوع بها إلى أصل واحد يحدد مادتها, ويوحي بمعناها المشترك الأصيل, مثلما يوحي بمعناها الخاص الجديد. وهذه الوسيلة الرائعة في توليد الألفاظ وتجديد الدلالات نجدها في أنواع الاشتقاق الثلاثة الشائعة: الأصغر، والكبير، والأكبر، وفي النوع الرابع الملحق بها، وهو النحت١ الذي يؤثر بعض المحدثين أن يسميه "الاشتقاق الكُبَار"٢.
والاشتقاق الأصغر أكثر أنواع الاشتقاق ورودًا في العربية، وهو محتجٌّ به لدى أكثر علماء اللغة "وطريق معرفته تقليب تصاريف الكملة، حتى يرجع منها إلى صيغة هي أصل الصيغ كلها, دلالةَ اطراد أو حروفًا غالبًا؛ كضَرْب, فإنه دالٌّ على مطلق الضرب فقط، أما ضارب، ومضروب، ويضرب، وأضرب، فكلها أكثر دلالة وأكثر حروفًا،
стр. 164
وضَرَبَ الماضي مُساوٍ حروفًا وأكثر دلالة، وكلها مشتركة في "ض ر ب" وفي هيئة تركيبها"١.
وإذ كانت الصيغة المشتقة متفقة مع الصيغة المشتق منها في المادة الأصلية وهيئة التركيب، كما رأينا في "ضَرَبَ" وتصاريفه، كان لزامًا في كلِّ كلمة بها حروف المادة الأصلية، على ترتيبها نفسه، أن تفيد المعنى العام الذي وضعت له تلك الصيغة، وإن تخللها أو لحقها أو سبقها بعض الأصوات اللينة أو الساكنة؛ فالرابطة المعنوية العامة لمادة "ع ر ف"، التي تفيد انكشاف الشي وظهوره، تتحقق في جميع الكلمات الآتية: عَرَفَ، عَرَّفَ، تَعَرَّفَ، تَعَارَفَ، عُرِفَ، عُرْف، أَعْرَاف، عَرَّاف، تَعْريف، عِرْفَان، معرفة، وهكذا دواليك.
على أننا في الوقت الذي نجد علماء اللغة يكادون يجمعون على وقوع الاشتقاق الأصغر في العربية وكثرته فيها وتوليده قسمًا كبيرًا من متنها، حتى "أفرد الاشتقاق بالتأليف جماعة من المتقدمين؛ منهم الأصمعي, وقطرب, وأبو الحسن الأخفش, وأبو نصر الباهلي, والمفضل بن سلمة, والمبرد, وابن دريد, والزجاج, وابن السراج, والرماني النحاس, وابن خالويه"٢ نلفي طائفة قليلة من الباحثين القدامى ينكرون وقوع الاشتقاق بأنواعه كافَّةً زاعمين "أن الكلم كله أصل"، ولا يقل عن هذا الزعم غُلُوًّا وإغرابًا قول طائفة من المتأخرين اللغوين "كل الكلم مشتق". أما الراي العلمي الجدير بأن ننتصر له, فهو ما ذهب إليه المؤلفون في الاشتقاق الذين ذكرنا أسماءهم آنفًا من أن "بعض الكلم مشتق، وبعضه غير مشتق".
стр. 165
وبعض الباحثين المعاصرين في فقه اللغة العربية، كالدكتور على عبد الواحد وافي، يؤثرون أن يسموا الاشتقاق الأصغر "بالاشتقاق العام"١ ولسنا نرى في التسمية الحديثة ما يجعلنا نستبدل بها التسمية القديمة، فإن وصف هذ الضرب من الاشتقاق بالأصغر كافٍ في رأينا لتمييزه من الاشتقاق الكبير والأكبر.
وأهم ما الاشتقاق الأصغر ارتداد التصاريف المختلفة المتشعبة عن المادة الأصلية، إلى معنًى جامعٍ مشترك بينهما، يغلب أن يكون معنًى واحدًا لا أكثر، كما رأينا في تصاريف مادة "ع ر ف" أنها جميعًا تفيد الانكشاف والظهور، ولكن الباحث قد ينقِّب في بعض المعاجم عن طائفة من تصاريف هذه المادة ثم يجدها مردودةً إلى أكثر من أصل واحد، فلا يكون ملومًا إذ ذاك إن خُيِّلَ إليه أن كلًّا من الأصلين أو الأصول المقترحة يباين ما ذكرناه؛ أو يرتبط على الأقل ارتباطًا ضعيفًا بالمفهوم المشترك الذي أخذنا به في هذه المادة.
إن ابن فارس يرى مثلًا أن "العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلًا بعضه ببعض، والآخر على السكون الطمأنينة"٢، لكن قوله هذا بتعدد الأصل لا يبدو لنا إلّا لونًا من الترف العقلي أو التزيّد العلمي, ربما أراد به ذلك العلامة الجليل أن يظهر قوة ساعده في تلمس الفروق الدقيقة بين المفردات التي يرجح البحث العلمي المنهجي أنها تفرعت من أصل واحد لا من أصول متفرقة.
وإذا كان ابن فارس قد استشهد على الأصل الثاني "السكون والطمأنية" بنحو عشر كلمات، منها "المعرفة والعرفان" لأن من أنكر شيئًَا توحش منه ونبا عنه، و"العَرْف" وهي الراحئة الطيبة، لأن
стр. 166
النفس تسكن إليها١، و"العُرْف" وهو المعروف؛ لأن النفوس تسكن إليه، و"تعريف" الضالة واللقطة ليعرف صاحبها، و"الاعتراف" بالشيء كأنه معرفة له وإقرار به، فإنه تكلف ما وسعه التكلف حتى وجد على الأصل الأول "تتابع الشيؤ متصلًا بعضه ببعض" شاهدًا في "عُرْف" الفرس الذي سُمِّيَ بذلك لتتابع الشعر عليه، وفي مجيء القطا "عُرْفًا عُرْفًا": بعضها خلف بعض؛ وردَّ إلى عُرْفِ الفرس "العُرْفَة" وهي الأرض المنقادة المرتفعة بين سهلتين.
ولو أنصف لردَّ الأصل الأول إلى الثاني، مستبدلًا بلازم الثاني ملزمومه، وبدلالته المعنوية المجازية دلالته الحسية الحقيقية، فمعنى السكون والطمانينة في العِرْفَان والمعْرِفَة والعَرْف المشموم, والعُرْف بين الله والناس ليس إلّا نتيجةً لانكشاف الشيء وظهوره، تنشأ عنه نشوء الإلزم عن ملزومه٢. وليس من المنطق في شيء أن يضع المتكلم لفظًا يدل على نتيجة الشيء قبل مقدمته، ومجازه قبل حقيقته، ولازمه قبل ملزومه.
وحين نعيد مادة "عرف" إلى انكشاف الشيء وظهوره لا إلى أصل السكون والطمأنينية، يصعب علينا أن نربط بين عُرْف الفرس وعُرْفَة الأرض, ومجيء القطا عُرْفًا -لما فيها جميعًا من البروز والظهور- وبين ما في عرفان الشيء وتعريفه والمعروف والعَرْف الطيب من معنى البروز والظهور أيضًا.
وإمكان الرجعة بالفروع المختلفة -مهما تتعدد صيغها- إلى أصل واحد يوحي بالرابط المشترك بينها، أمر في العربية ذو بالٍ يؤكد اختفاظ
стр. 167
هذه اللغة بأنسابها مثلها يحتفظ العرب بأنسابهم؛ "فالألفاظ العربية كالعرب أنفسهم، تتجمع في قبائل وأسر معروفة الأنساب، وتحمل هذه الألفاظ دومًا دليل معناها وأصلها وميسم نسبها, وذلك في الحروف الثلاثة الأصلية التي تدور مع ما يتولد عنها ويشتق منها من ألفاظ"١
وإنَّ في تجمع الألفاظ العربية في أصل واحد ينتظم فروعها لما يسهل على الباحث التمييز بين الأصيل والدخيل, فليس في العربية مادة "سردق" حتى نظن "السرادق" مشتقًّا منها. ولا مادة "سبرق" حتى نحسب "الإستبرق" متفرعًا عنها، ولا "سندس" حتى نخال "السندس" مقيسًا عليها، بل "السرادق" فارسي معرب, أصله "سرادار " وهو الدهليز، وليس في كلامهم اسم مفرد ثالثه ألف وبعدها حرفان٢، و"الإستبرق" الديباج الغليظ، وهو بلغة العجم "استَفْرَه", وممن صرح بأنه بالفارسية أبو عبيد وأبو حاتم وآخرون٣، ومن أعجب العجب أن ينقب بعض اللغوين عن أصل عربي لهذا اللفظ، منكرًا تعريبه لنزول القرآن به، فإذا بالجوهري يذكره تارةً في الباء من القاف، في مادة "ب ر ق" على أن الهمزة والتاء والسين من الزوائد، وتارةً في السين والراء. بينما يذكره الأزهريّ في خماسي القاف، على أن همزته وحدها زائدة, ويرى في مثله نمطًا خاصًّا من الألفاظ التي وقع فيها وفاق بين العجمية والعربية، ثم يقول: "هذا عندي هو الصواب"٤.
стр. 168
وليس هذا من الصواب في شيء, فالتردد في رجعة هذا اللفظ إلى مواد متباينة كل التباين، والتكلف في التماس أصله بأي سبيل، والتضارب في الآراء المعزوة إلى العلماء بين تأييد لأعجمية اللفظ وإنكار لها، كل ذلك دليل لا ريب فيه على أن "الإستبرق" ليست خالصة العربية، وأن القرآن بنزوله بها عربها، ونقلها من عجمة فارس إلى لسانه المبين.
وقل مثل ذلك في "السندس"، فهو رقيق الديباج، ولم يختلف أهل اللغة في أنه معرب١, وإنما اختلفوا في اللغة التي عُرِّبَ عنها، أهي الفارسي كما قال الثعالبي٢، أم الهندية كما قال شيذالة٣.
ولقد أبى بعض اللغويين أن يستخدموا الاشتقاق وسيلة للتمييز بين الأصل والدخيل، فعطلوا هذه الوسيلة الرائعة وأبطلوها بجنوحهم إلى عربية كل لفظ أعجمي ما دام القرآن قد نزل به, وذلك جمود يبرأ منه القرآن الذي أذهب عجمة الكثير من الألفاظ باشتماله عليها, فإن يقل ابن دريد: "والفردسة السعة, صدر مفردس: واسع" ليستنتج من ذلك أن اشتقاق الفردوس من هناء جاء٤، ولا يخفَ على ذي بصر أنما أخذ ابن دريد بهذا دفاعًا عن لغة القرآن الذي ذكر الفردوس, كأنما يغضّ ذكره لها من فصاحته وبيانه!
والحق أن هذا غلوّ خرج فيه القوم عل ما أخذو به أنفسهم من التشدد في الاشتقاق من الأعجمي، إذ جعلوا مثل هذا الأخذ بمنزلة من
стр. 169
ادَّعَى أن الطير ولد الحوت! إلّا أنهم عكسوا الآية، فبدلًا من أن يعترفوا بأن الفردسة بمعنى السعة متفرعة عن "الفردوس" المعربة، جعلوا الفردوس مشتقة من الفردسة، ولم يزيدوا بذلك على أن صيّروا الأصل فرعًا، والفرع أصلًا، وخلطوا بين الاستعمال الأول والاستعمال الأخير، ونسبو إلى العربية من الإعجاز في موافقة اللغات الأجنبية ما لا يجوز أن يدور مثله في خلد الإنسان١٠!
وأيًّا ما كان أمر الاشتقاق, فبه نحدد مادة الكلمة ونربطها بأخواتها وبالمجموعة التي تنسب إليها، فلا يلتبس علينا الفرع بالأصل إن أدركنا عملية الاشتقاق كيف تكون٢.
والمشتقات تَنْمِي وتكثر حين الحاجة إليها، وقد يسبق بعضها بعضًا في الوجود٣, وليس من اليسير دائمًا أن ندرك أسبقها، وأن نعيّن متى استعملت مادتها الأصلية أول مرة, ومتى بدأت تدل على معنًى خاصٍّ, إلّا أننا نرجح دائمًا أن الحسي أٍسبق في الوجود من المعنوي المجرد، وهذا ما يجعلنا ننتصر للرأي القائل بأن أصل المشتقات هي الأسماء لا الأفعال، ولا سيما أسماء الأعيان, قال ابن مالك في "التسهيل": "فصل" انفرد الرباعي بفَعْلَلَ لازمًا ومتعديًا لمعانٍ كثيرة, وقد يصاغ من اسم رباعي. فصرَّح باشتقاق الفعل الرباعي "فعلل" من اسم رباعي، وهو يريد اسم العين لا شيئًَا آخر, ولقد كان ابن جني صرَّحَ من قبل
стр. 170
بأن "المصدر مشتق من الجوهر، كالنبات من النبت، والاستحجار من الحجر"١، فجعل المصدر نفسه -وهو أصل الاشتقاق- مأخوذًا من اسم الجوهر، أي: اسم العين, لكن العلماء بصورة عامة إذا ترددوا في تحديد أصل الاشتقاق رجَّحُوا الرد إلى المصدر إن كان أحد الأصول التي شكّوا فيها، ونبهوا على أن "اشتقاق العرب من الجواهر قليل جدًّا، والأكثر من المصدر"٢؛ ولم يقبلوا الاشتقاق من الجواهر إلّا إذا كان أحد الأصلين جوهرًا والآخر عرضًا لا يصلح للمصدرية، ولا شأنه أن يشتق منه، فإن الرد إلى الجوهر حينئذ أولى٣.
ولو كانت موازنة العلماء -في بحث أصل الاشتقاق- بين الفعل والمصدر، لرأينا عبثًا ضائعًا ما ذهب إليه الكوفيون من أن الفعل هو أصل الاشتقاق٤، ولما ترددنا قط في أن المصدر أجدر أن يكون هو أصل المشتقات كلها؛ "لأن المصدر -كما يقول الأستاذ الأفغاني بحقٍّ- يدل على حدث، والفعل يدل على حدث وزمن، والأسماء المشتقة تدل على حدث وزمنٍ مع زيادة ثالثة؛ كالدلالة على الفاعل أو المفعول أو التفضيل أو المكان, فهذه الكثرة من المشتقات التي جعلت للغة سعتها، ومرانتها أخذت من المصادر التي هي جميعًا أسماء معانٍ"٥.
ولكن موازنة العلماء -في أصل الاشتقاق- ينبغي أن تكون بين المصادر التي هي أسماء معانٍ، وبين الجواهر التي هي أسماء أعيان, وعلى قلة ما حفل النحاة بالجواهر في هذا الباب، وعلى ضآلة ما وفروا من
стр. 171
شواهد، لا نجد هذه الجواهر إلّا أصولًا للاشتقاق, معروفة موضوعة قبل أن تعرف أسماء المعاني أو توضع.
فمن ذا الذي يصدق أن مصدر التَّأبُّل "أي: اتخاذ الإبل" قد وضع قبل أن يوضع لفظ أبل نفسه؟ أو أن مصدر التأرض "اللصوق بالأرض" وضع قبل لفظ الأرض؟ أو أن مصدر الاحتضان وضع قبل قبل لفظ الحضن؟ أو التضلع قبل الضلع؟ أو التبحر قبل البحر؟ أو السمو قبل السماء؟
إن البداهة تقضي بوجود أسماء الأعيان المشاهدة المرئية التي تناولتها الحواس قبل أسماء المعاني التي تطورت وانتقلت من مضايق الحس إلى آفاق النفس، وما عُلِمَ أنه أقدم فهو أجدر أن يكون الأصل؛ إذ يكون قياسه مطردًا، وميزانه واضحًا، لذلك كانت أسماء الأعيان هي أصل الاشتقاق دون المصادر؛ لأن هذه المصادر كالأفعال لا تتقيد بموازين دقيقة، ولا تقاس أقيسة سليمة مطردة١.
وكيف لا تكون أسماء الأعيان أصول المشتقات كلها وقد أكثر العرب من اشتقاق الأفعال والمصادر من هذه الأسماء؟ كيف قد امتلأت معاجمنا وكتبنا اللغوية بما لا يحصى من الجوهر التي تفرعت عتها الصفات والأحوال، والمصادر والأفعال؟
ابدأ بالإنسان من رأسه إلى أخمس قدميه، فمن الرأس ذاته اشتقو رَأْستْه رأسًا إذ ما أصبت رأسه، ومن اليافوخ أفخْته أفخًا إذا ضربت يافوخه، فإن ضربت دماغه قلت دمغته، وإن حاذيت صدغه بصدغك في المشي فقد صدغته، وإن أصبت أذنه فقد أذنته، وإن أصبت منخره فقد نخرته، أو أنفه أنفته، أو ذقنه ذقنته، أو ظهره ظهرته،
стр. 172
أو فقاره فقرته، أوبطنه بطنته، أو كبده كبدته، أو يده يديته، أو ساقه سقته، أو رجله رجلته، أو كعبه كعبته١.
ومن الأسماء الأقارب اشتقوا المصادر والأفعال، فالتبني من الابن, والتأبي من الأب، والتأمم اتخاذ الأم، والبعال والمباعلة: اتخاذ البعل٢.
وولّدوا كثيرًا من الألفاظ من أسماء الأمكنة فقالوا: أحرم القوم: دخلوا في الحرم، ساحلوا: أتوا الساحل، أسافوا: أتو السيف وهو ساحل البحر أيضًا, أعمن الرجل: أتى عمان، كوف: صار إلى الكوفة، قدّس: أتى بيت القدس, أيمن: أت اليمن، أهضب: نزل الهضاب٣.
ومن الأسماء الأزمنة اشتقوا اشتقاقًا صريحًا، فقالوا: أخرفوا، وشتوا, وأربعوا, وأصافوا، وأفجروا، وأظهروا وآصلوا, واستحروا, وابتكروا٤.
ولا حاجة لذكر اسم الزمان الذي اشتق منه كل لفظ من هذه المشتقات، فإنه أوضح من أن يخفى على أحد.
أما الاشتقاق من أسماء الأصوات فقد عرضنا الكثير من شواهده خلال مبحث الثنائية التي فسر بعض العلماء في ضوئها نشأة اللغات الإنسانية، ومنها لغة العرب٥, بيد أننا وجدنا من العلماء من ينكر أن تكون حكايات الأصوات مما يقاس عليه٦, وان كان إنكاره لم يحل دون مخالفة السماع
стр. 173
للقياس، أو قل: إن إنكاره لم يكن ليمنع ورود السماع القديم بما نهى عنه القياس الحديث, وهل تجد تعليلًا لهذا أوضح من أن يقول ابن فارس مثلًا في "الهمزة والهاء": "ليس بأصل واحد؛ لأن حكايات الأصوات ليست أصولًا يقاس عليها, ثم يستدرك معقبًا: "لكنهم يقولون: أهَّ أهَّةً وآهةً"١؟
فإذا نقلوا عن الخليل بعد ذلك أن يقال لحكاية الأصوات في العساكر ونحوها: آه، واستشهدوا على هذا بقول الشاعر:
في جحفلٍ لَجِبْ جَمٍّ صواهلُهُ ... بالليل تُسْمَعُ في حافاته آءُ
ثم استنتجوا من مثل هذا الشاعر أن "الحكايات ليست أصولًا يقاس عليها"٢، فلذلك لا يعني الحَجْر على ألسنة المطبوعين أن تولّد من "الآء" فعلًا أو مصدرًا أو صفة، فما يملك هذا الحَجْرَ نحويّ ولا لغوي إذا استخفَّ مطبوع ما استثقلاه، أو أطلق الاشتقاق من الأغلال بها قيداه! لكنّ الصحيح في هذا الأمر أن لسماع لم يثبت في مثله، وإن كان هذا السمع لا يعلل دائمًا في حالتي السلب والإيجاب تعليلًا منطقيًّا، فلو ثبت سماع هذا الضرب من الاشتقاق لما كان سرّ ثبوته خفة اللفظ ورشاقته، كما أنه لو انتفى سماعه ما كان استثقال اللفظ واستقباحه علة تركه وإهماله.
وبمثل هذا النمط من البحث يعالج تشدد اللغويين في أمر الاشتقاق من الأسماء الأعجمية، فتحريمهم هذا النوع من الاشتقاق لا ندري على أيِّ مستند يقوم، وإنه لمستند واهٍ لا يطيق الوقوف على ساقيه أمام هذه الكثرة من الشواهد التي أكدت تعريب الفصحاء لطائفة من الأسماء
стр. 174
الأعجمية، ثم استعمالهم إياها بطلاقة وحرية خُيِّلَتَا إلى الباحثين أحيانًا أنها عربية خالصة١.
وفي هذا كله برنهان قوي لا يمكن مدافعته على أن الاشتقاق من أسماء الأعيان مُقَدَّمٌ على الاشتقاق من أسماء المعاني.
ولكن الروح الذي وجّه علماءنا إلى القول بأن المصدر لا الجواهر هي أصل الاشتقاق، هو الروح نفسه الذي وجههم أيضًا إلى ترجيح أصل على أصل إذا ترددت الكلمة بين رابطين أو أكثر من روابط الاشتقاق.
وهذا هو الروح التقليلدي الذي يأبى أن يقيس الحقائق اللغوية إلّا بمقاييس الشرف واللياقة والسهولة والتقييد والتخصيص، وأكثرها نسبي, وبعضها من اصطلاح أهل المنطق.
ولقد يكون من المستساغ إذا ترددنا في لفظ العُقَار مثلًا، هل نرده إلى عقر الفهم, أم إلى ما في العقار من الإسكار ثم عقر صاحبها، أن نرجح ما رجحوه من أن ردَّه إلى عقر الفهم أقرب, وكذلك نستسيغ رد "مهدد" علمًا إلى "المهد" لا إلى "الهد"؛ لأن باب "كَرُمَ" أمكن وأوسع وأفصح وأخف من باب "كَرَّ", فيرجح بالأمكنية.
ولكننا لا نستطيع أن نفهم حين تدور كلمة "الله" فيمن اشتقها بين الاشتقاق من أله أو لوه أو وله، لماذا تكون من "أله" أشرف وأقرب؟!
ولا نستطيع أن ندرك لِمَ يكون اشتقاق المعارضة من العرض بمعنى الظهور أولى من اشتقاقها من العرض وهو الناحية! ولا لِمَ يكون اشتقاق "هدى يهدي" من الهداية بمعنى الدلالة, لا من "الهوادي" المتقدمات٢!
стр. 175
وأعجب من هذا كله أن يقال الشيء وضده، ومن كلٍّ منهما كان المشتق والمشتق منه، وكان الأصل والفرع، وذلك في شاهدهم "التقليدي" المشهور: أن أحد الأصلين إن كان أخص رُجِّحَ على الأعم؛ كالفضل والفضيلة, وقيل عكسه١!!
وإنما يعود هذا الاضطراب، وتلك الحيرة، وذلك الخبط أحيانًا إلى ما أراد اللغويون من التنازل عن الاشتقاق للصرفيين, تنازل كان من اللغويين عن طواعية، ففرضت معه مقاييس الصرف وقواعد الصرفيين وتجرد من التعليل السليم والاستقراء الدقيق لحقائق اللغة وظواهرها وأطوارها في التكامل والنماء المطرد.
стр. 176
الاشتقاق الكبير:
أما الاشتقاق الكبير: فهو عبارة عن ارتباط مطلق غير مقيد بترتيب بين مجموعات ثلاثية صوتية, ترجع تقاليبها الستة وما يتصرف من كلٍّ منها إلى مدلول واحد مهما يتغاير ترتيبها الصوتي, وقد أولع بهذا النوع من الاشتقاق ابن جني، وسماه: "بالاشتقاق الأكبر"، وعقد له فصلًا خاصًّا١ ذكر فيه عددًا من الأمثلة الموضحة, نورد الآن منها تقاليب هذه المادة الثلاثية "س م ل". فابن جني يرى أن "س م ل" "م س ل" "س ل م" "م ل س" "ل س م" "ل م س" مهما تقلبت واختلف ترتيبها الصوتي كما رأيت, فإن "المعنى الجامع لها المشتمل عليها الإصحاب والملاينة؛ منها الثوب "السَّمَلُ" وهو الخلق، وذلك لأنه ليس عليه من الوبر والزئبر٢ ما على الجديد، فاليد إذا مرت عليها للمس لم
стр. 177
يستوقفها عنه حِدَّة المنسج، ولا خشنة الملمس؛ "والسَّمل" الماء القليل: كأنه شيء قد أخلق وضعف عن قوة المضطرب، وجمة المرتكض، ولذلك قال:
حوضًا كأنَّ ماءه إذا عَسَلْ ... مِنْ آخر الليل رُوَيْزَيٌّ سَمَلْ
وقال آخر:
ورَّادُ أسماء المياه السُّدْمِ ... في أُخْرَيَاتِ الغَبَشِ المغمِّ
ومنها "السلامة" وذلك أنّ السليم ليس فيه عيب تقف النفس عليه، ولا يُعْتَرَضُ عليها به، ومنها "المَسَلُ" و"المَسيلُ" كله واحد, وذلك أن الماء لا يجري إلّا في مذهب له, وإمام منقاد به، ولو صادف حاجزًا لاعتاقه فلم يجد متسربًا معه، ومنها "الأملس" و"الملساء"، وذلك أنه لا اعتراض على الناظر فيه والمتصفح له، ومنها "اللمس" وذلك أنه إن عارض اليد شيء حائل بينها وبين الملموس لم يصحّ هناك لمس، وإنما هو إهواء باليد نحوه, ووصول منها إليه، ولو كان هناك حائل لاستوقف به ... فأما "ل س م" فمهمل، وعلى أنهم قد قالوا: نسمت الريح، إذا مرت مرًّا سهلًا ضعيفًا، والنون أخت اللام، وسترى نحو ذلك"١.
وواضح من تمثيله للتقليب الأخير "ل س م" المهمل بـ"ن س م" بإبدال اللام نونًا لتقارب صوتهما -وهو أدخل في باب الاشتقاق الأكبر كما سنرى- أن ابن جني كان يجعل الاشتقاق الكبير والأكبر واحدًا، وقد جرينا نحن -تبعًا للمحدثين من فقهاء اللغة- على التفرقة
стр. 178
بين نوعي الاشتقاق المذكورين زيادة في التفصيل والإيضاح.
وقد فطن الخليل بن أحمد الفراهيدي "المتوفى سنة ١٧٥هـ" إلى هذه الروابط المعنوية في الاشتقاق الكبير كما فطن إليها قبل ابن جني أستاذه أبو علي الفارسي "المتوفي سنة ٣٧٧هـ" إلّا أن الذي توسَّع فيها وفي ضرب الأمثلة الموضحة لها هو ابن جني نفسه، وإن كان لم يزعم اطراد هذا النوع من الاشتقاق في جميع مواد اللغة، بل صرَّح باستحالة الاطراد والإحاطة فقال: "واعلم أنا لا ندَّعي أن هذا مستمر في جميع اللغة، كما لا ندعي للاشتقاق الأصغر أنه في جميع اللغة، بل إذا كان ذلك "الذي هو في القسمة سُدُسُ هذا أو خُمُسَه" متعذرًا ٢ صعبًا، كان تطبيق هذا وإحاطته أصعب مذهبًا، وأعزّ ملتمسًا"١.
وإذا كان ابن جني -على ولوعه بهذا الاشتقاق الكبير- "أو الأكبر كما يسميه" يترفق فيه ولا يبالغ، فقد تكلف بعضهم فيه وفي غيره تكلفًا لا يطاق، فخرجوا على مدلول اللفظ الأصلي، وتعسَّفُوا في التعليل والتفسير؛ فهذا حمزة بن الحسن الأصبهاني يقول في كتاب "الموازنة": "كان الزجاج يزعم أن كل لفظتين اتفقتا ببعض الحروف، وإن نقصت حروف إحداهما عن حروف الأخرى، فإن إحداهما مشتقة من الأخرى؛ فتقول: الرَّحْل مشتق من الرَّحيل، والثور إنما سمي ثورًا لأنه يثير الأرض، والثوب إنما سمي ثوبًا لأنه ثاب "أي رجع" لباسًا بعد أن كان غزلًا، حسيبه الله! "٢.
وأمثال هذه المبالغات التي يظهر عليها التكلف حملت السيوطي على أن يقول عن هذا الاشتقاق الكبير: "إنه ليس متعمدًا في اللغة، ولا يصح أن يستنبط به اشتقاق في لغة العرب"٣، بل نجد ابن جني نفسه
стр. 179
لا يسلم -رغم اعتداله وترفقه- من نقد السيوطي له في هذا الموضوع، إذ يتهمه بأنه توسَّعَ في هذا الاشتقاق "بيانًا لقوة ساعده, وردّه المختلفات إلى قدر مشترك، مع اعترافه وعلمه بأنه ليس موضوع تلك الصيغ، وأن تراكيبها تفيد أجناسًا من المعاني مغايرة للقدر المشترك"؛ وأخيرًا يفصل السيوطي هذا الباب برأيٍ معتدلٍ سديدٍ فيقول: "وسبب إهمال العرب له, وعدم التفات المتقدمين إلى معانيه, أن الحروف قليلة، وأنواع المعاني المتفاهمة لا تكاد تتناهى؛ فخصوا كل تركيب بنوع منها، ليفيدوا بالتراكيب والهيئات أنواعًا كثيرة؛ ولو اقتصروا على تغاير المواد، حتى لا يدلوا على معنى الإكرام والتعظيم إلّا بما ليس فيه شيء من حروف الإيلام والضرب -لمنافاتها لهما- لضاق الأمر جدًّا، ولاحتاجوا إلى ألوف حروف لا يجدونها" إلى أن يقول: "ففي اعتباره المادة دون هيئة التركيب من فساد اللغة ما بينت لك، ولا يُنْكَرُ مع ذلك أن يكون بين التراكيب المتحدة المادة معنًى مشتركٌ بينها, هو جنس لأنواع موضوعاتها؛ ولكن التحيّل على ذلك في جميع مواد التركيبات كطلبٍ لعنقاء مغرب"١.
ويميل بعض الباحثين المعاصرين إلى القول بأن أصحاب الاشتقاق الكبير "اقتبسوا فكرة تقليب الأصول من معجم العين "للخليل" وأمثاله؛ فقد سلك صاحب العين, وصاحب الجمهرة "ابن دريد", وغيرهما, مسلكًا عجبيًا في ترتيب الكلمات، فكان كلٌّ منهم حين يعرض لشرح كلمة من الكلمات يذكر معها تقلباتها، ويذكر معنى كل صورة من صورها دون التعرّض للربط بين دلالات تلك الصور, فهي طريقة إحصائية أو قسمة عقلية لجأ إليها أصحاب هذه المعاجم بغية حصر كل المستعمل من كلمات اللغة، وخشية أن يند بعضها عن أذهانهم, فلما جاء أصحاب الاشتقاق من أمثال
стр. 180
ابن جني وابن فارس, ربطوا أيضًا بين دلالات تلك الصور، واستنبطوا معاني عامة مشتركة بينها، وسمي هذا بالاشتقاق الكبير"١.
وإذا كنا اليوم -في سبيل تأييد هذه الحقيقة- لا نملك من الوثائق العلمية عن معجم "العين" إلّا قيلًا، لا يبل ظمأ ولا يشفي غليلًا٢، فإن بين أيدينا معجم "الجمهرة" الذي سار فيه ابن دريد على هدي الخليل، واتبعه فيما شاع عنه من تقليب الأصول، وإن كان لابن دريد نظام خاصّ في سرد المواد لا مكان هنا للحديث عنه ولا للخوض فيه.
فمن "الجمهرة" سنلخص أهم ما جاء في مادة "ب ج ر" وتقاليبها، ونقارنها بما ورد في "الخصائص" حول تقليب "ج ب ر", ولن يصعب علينا أن نرى حينئذ أن ابن جني أوضح الرابط المشترك بين التقاليب المستعملة لهذه المادة, بينما اكتفى ابن دريد بعرض تلك التقاليب, وأهمل المعنى الذي اشتركت فيه.
لقد رتَّبَ ابن دريد "تقاليب هذه المادة على هذا النحو: "ج ب ر", "ب ر ج", "ر ج ب", "ج ر ب", "ب ج ر", "ر ب ج"٣, ومن الشواهد التي أتى بها على كل تقليب، يستنبط الباحث أن المادة مستعملة كيفما تقلبت وجوهها، وأنه ليس فيها مهمل أو ممات، إلّا أن شواهد بعض التقاليب أغنى من شواهد بعضها الآخر، كما أن ما تصرَّفت العرب باستعماله منها اسمًا أو فعلًا أو مصدرًا، أو صفةً, تفاوت بين تقليب وتقليب، فليست التقاليب جميعًا متساوية في جريان الاستعمال بها، ولا في كثرة الاشتقاق والتصريف منها.