فيه لهجة تميم١.
ومن الفروق بين تميم وقريش أن تميمًا تجنح كثيرًا إلى إدغام المثلين أو الحرفين المتجاورين المتقاربين، فالأمر من "غض" مثلًا في لغة أهل الحجاز "اغضض" بالفك، وفي التنزيل ﴿اغْضُضْ مِنْ صَوْتِك﴾ ٢ أي: اخفض الصوت.. وأهل نجد يقولون: "غض صوتك" بالإدغام, ومن ذلك قول جرير، وهو كما نعلم تميمي:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا٣
وتميم تقول: ﴿إِنْ تَمْسَّكُمْ حَسَنَة﴾ ٤، ﴿وَمَنْ يَحْلّ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ ٥ ﴿ولا تمن تستكثر﴾ ٦، وهي جميعًا في القرآن بلهجة قريش مفكوكة الإدغام٧، ومن ذلك أن بني تميم لما أرداو إسكان عين معهم كرهوه٩، فأبدلوا الحرفين حائين وقالوا: "محم" وأصلها "مححم"، فرأوا ذلك أسهل من الحرفين المتقاربين٨.
وإذا كانت الأمثلة السابقة كلها مما اتحد فليه الحرفان وتماثلا, فلم يستغرب فيها الإدغام، ففي قول تميم "فُزْدُ" بالدال عوضًا عن
стр. 72
"فزت" بالتاء ظاهرة مدهشة تستحق الاهتمام، لأن تميمًا قد استعاضت بحرف مجهور هو الدال عن حرف مهموس هو التاء، بسبب التجاور الصوتي بين الحرفين، فكلاهما حرف نطعي؛ وشبيه بذلك قول التميميين: "وَدَّ" بدلًا من "وَتِد" فسكنوا التاء وأدغموها في الدال أيضًا؛ لأنهما من مخرج واحد٢.
كان طبيعيًّا إذن أن ينتهي ابنج جني إلى أن عملية الإدغام ليست أكثر من "تقريب صوت من صوت"٣، وأن يلاحظ في لمتقاربين ضرورة التقائهما "على الأحكام التي يسوغ معها الإدغام، فيقلب أحدهما إلى لفظ صاحبه فتدغمه فيه، وذلك مثل: وَدَّ في اللغة التميمية، وامَّحى, وامَّاز, واصَّبر, واثاقل عنه، والمعنى الجامع لهذا كله تقريب الصوت من الصوت! "٤.
وطريقة معالجة تميم لبعض الأفعال والأسماء والحروف والصيغ تختلف اختلافًا واضحًا عن طريقة قريش.
أ- فإذا فتحت قريش عين الفعل الماضي فقالت: زَهَد، حَقَد، كسرتها تميم غالبًا, فآثرت أن تقول: زَهِدَ، حَقِدَ٥. وإذا ضمت قريش عين المضارع فقالت: يَفْرُغُ فرُوغًا, إذا بتميم تفتحها وتقول: يَفْرَغُ فراغًا٦، ويلاحظ هنا أن مصدري الفعلين قد اختلفا باختلاف
стр. 73
اللهجتين, وهذا يفسر لنا الوجوه المتعددة في الفعل الثلاثي الواحد؛ من ناحية حركة عينه في صيغتي الماضي والمضارع, فسبب جواز أكثر من وجه في الفعل الواحد مرده في الأصل إلى اختلاف اللهجات١.
ومن الاختلاف في الفعل أن قريشًا تقول: برأت من المرض فأنا براء، وتميمًا تقول: برئت فأنا بريء, كما هي لغة سائر العرب، واللغتان في القرآن٢. أهل الحجاز: ذأى البقل يذأى, ولغة نجد ومنها تميم: ذوى يذوي. أهل الحجاز: قلوت البُرَّ وكل شيء يقلى فأنا أقلوه قلوًا، وتميم: قليت البُرَّ فأنا أقليه قليًا، وهذ إذا كانوا لا يريددون بمادة "ق ل ي" معنى البغض، أما إذا أرادوه فهم جميعًا في التعبير عنه سواء, فيقولون: قليت الرجل فأنا أقليه قِلىً٤.
والحجاز: لات الشيء يليته, إذا نقصه حقه، وتميم: ألاته يليته٥، واللغتان في القرآن، فمن الأول قوله تعالى: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ ٦, من الثانية قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٧.
والحجاز: تَخِذَت ووخِذَت، وتميم: اتخذت٨. والحجاز: أوصدت الباب، وتميم: آصدته. والحجاز: وكّدت توكيدًا، وتميم: أكدت تأكيدًا٩. وضللت -بكسر اللام- لغة تميم، ووَرِيَ الزند "بكسر
стр. 74
الراء" ومضارعهما يضل ويري١.
ب- ومن الاختلاف في الاسم أن الصيغة الدالة على أسماء الزراعة هي "فِعال" بكس الفاء على لغة الحجاز، فتقول: حِصاد وقِطاف، بينما هي "فَعال" بالفتح في لغة تميم٢. وقد جاءت بالفتح في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٣. والحجاز: حِجَّ بالكسر, وتميم: حَجَّ بالفتح. والحجاز: مِرية بالكسر، وتميم: مُرية بالضم.
والحجاز: كراهة، وتميم: كراهية. والحجاز: رِضوان بالكسر، وتميم: رُضوان بالضم. والحجاز: قلنْسُيَة, تميم قَلَنْسُوَة٤. وأهل الحجاز يخففون الهدي يجعلونه كالرمي، وتميم يشدونه فيقولون: الهديّ كالعشي. والحجاز: الوكاف، وتميم: الإكاف. والحجاز: الشفع والوَتر -بفتح الواو، تميم: الوِتر -بكسرها. والحجاز: إسوة وقِدوة بالكسر، وتميم: أُسوة وقُدوة بالضم٥. وصيغة الاسم المبني للمجهول من الأفعال التي عينها حرف علة هي الصيغة القوية عند تميم، الضعيفة عند الحجاز، فتميم: مبيوع ومديون، والحجاز مبيع ومدين.
واسم الفعل "هلُمَّ" عند الحجازيين يستوي فيه الواحد والجمع، والتذكير والتأنيث، أما تميم فتلحقه الضمائر وتصرف تصريف الأفعال:
"هلمَّ هلمَّا هلمِّي"٦ والحجاز: أيهات، وتميم: هيهات٧.
وصيغة "فَعالِ" منبية على الكسر في لغة الحجاز، ولكنها عند
стр. 75
تميم معربة ممنوعة من الصرف. قال الزمخشري١ في "المفصل": "والبناء في المعدولة لغة أهل الحجاز, وبنو تميم يعربونها ويمنعونها من الصرف إلّا ما كان آخره راء؛ كقوله: "حضار وجعار" فإنهم يوافقون فيه الحجازيين إلّا القليل".
واسم الإشارة عند الحجازيين ذلك وتلك، وهو عند تميم ذاك وتاك٢, وأولاء بالمد لغة الحجاز، وأولى بالقصر لغة تميم, وقد أشار إلى أصل هذا الخلاف ابن مالك في ألفيته:
وبأولى أشر لجمعٍ مطلقًا ... والمدّ أولى ولدى البعد انطقا
فقال ابن عقيل في شرحه: "وفيه لغتان: المد، وهي لغة أهل الحجاز، والقصر, وهي لغة تميم"٣، وعلى هذا الأساس يمد الضمير المتصل عند الحجازيين, بينما يقصر عند تميم، ومن السهل تطبيق ذلك نطقًا في مثل قوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ ٤, ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ٥, ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ .
والظرف "منذ" عند الحجازيين هو "مذ" عند تميم, يقول أهل الحجاز: ما رأيته منذ يومين ومنذ يومان، وتقول تميم: مذ يومين ومذ يومان، فيتفقون في الإعراب ويختلفون في مذ ومنذ٦.
стр. 76
ومن أغرب الاختلاف وأعجبه بين هاتين اللهجتين العربيتين الشماليتين ما يتعلق بتذكير الأسماء وتأنيثها, وقد عقد السيوطي في "المزهر" بابًا لذكر ألفاظ اختلفت فيها لغة الحجاز ولغة تميم, فقال فيه: "أهل الحجاز هي التمر، وهي البر, وهي الشعير, وهي الذهب، وهي البسر، وتميم تذكر هذه كله"١, ونضيف إلى ذلك أن أعضاء جسم الإنسان؛ كالعنق والعضد مونثة عند الحجازين، مذكرة عند التميمين؛ وكذلك الحال في أسماء الأماكن؛ كالطريق والسوق والصراط والسبيل، فبينما تؤنثها الحجاز تذكرها تميم٢. والواقع أن الاختلاف في تذكير هذه الألفاظ وتأنيثها لا يمت إلى المنطق العقلي بصلة، وأن الخيال السامي الخصيب -كما يقول المستشرق ريت Wright- قد خلع على بعض الأشياء الجامدة سمات الأشخاص الحية، فأنث بعضها وذكّر بعضها الآخر تبعًا لتصوره كلًا منها. ونحن نستطيع بمثل هذا التعليل أن نفهم تقسيم المؤنث إلى حقيقي ومجازي؛ ففي المجازي تعبير عن شيء مبهم يتعذر تفسيره، ولكنه وقد أشبه في أذهان الساميين ومعتقدات العرب بوجه خاص ما يكتنف المرأة في سحر وغموض, كان بالتأنيث أجدر منه بالتذكير٣.
وعلينا -في هذا الموطن- أن نذكر بشيء من الإعجاب رأي فنسنك Wwnsinck في كتابه "بعض ظواهر الجنس في اللغات السامية snme aspects gender in Semitic languages" فهو ينفي أن تكون علامات التأنيث؛ كالتاء والألف الممدوة والمقصورة أمارات حقيقية على التأنيث؛ وإنه لينتهي من بحثه إلى أنها ليست أكثر من علامات للمبالغة تفيد التكثير؛ كعلّامة وفهّامة في وصف مذكر، وقتلى وجرحى وشهداء
стр. 77
وعلماء، في وصف بعض الجموع؛ ولعلنا لا نستبعد هذا الرأي إذا ما قارناه بما تسيغه العربية الفصحى من صيغ تفيد التأنيث رغم فقدانها كل أمارة دالة عليه؛ كالمرأة الحامل والمرضع والعاقر والطالق والثاكل والعانس والعاكب والناهد والعَروب١ وكالظبية العاطف والمفل والمشدن٢, والحذول٣, والناقة الأمون٤, والدلاث٥ والحرف٦ والدّ لْقم٧.
والمبرد٨ يرى بوضوح أن هذه الصفات الدالة على التأنيث من غير علاماته لا تخضع للمنطق، وينبه على ما يلاحظ بطريقين: أحدهما: الإتيان بصفات نعت بها المذكر مع وجود علامات التأنيث كغلام يفعة، ورجل علامة ونسابة وراوية٩؛ والثاني: التمييز بين ما نعت به المؤنث نعتًا خالصًا لمعنى الوصفية، وما نعت به على معنى الحدثية أو الفعلية.
فمتى أفاد الفعلية لزمته علامة التأنيث حتى يضارع فعله كقولك: أشدنت
стр. 78
الظبية فهي مشدنة، وطلقت المرآة فهي طالقة١، ويستدل المبرد على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ ٢, فلم يقل: "كل مرضع" بل جاء بالتاء المربوطة "مرضعة", وكأن المبرد بهذه التفرقة الدقيقة تميز الوصف القائم بالنفس -لتعويضه الموصوف- عن الحدث العارض الذي هو فعل من أفعال الذات. وفي تجشمه هذا التعليل المنطقي لعلامة التأنيث في الآية, إيحاء بصعوبة التعليل فيما سمع من الشواهد الأخرى، كأن أمرها أهون في نظره من أن يتكلف له دليل من المنطق، ولعل موقفه هذا يبدو أصرح في تعليل وصف السماء بغير علامة التأنيث في قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِه﴾ ٣؛ إذ ينقل عن الخليل٤ قوله: "إنما قيل منفطر ولم يقل منفطرة؛ لأنه أريد به النسب؛ كقوله: دجاجة معضل، وامرأة مرضع، وظبية مشدن، وإذا جاءت على الفعل لم يجز إلّا منفطرة، كقوله: منشقة على قوله: "انشقت٥".
ويزداد اقتناع المبرد بتعذر التعليل في مباحث التذكير والتأنيث حين يعترف بأن "من التأنيث والتذكير ما لا يعلم مصدره، كما أنّ مما يذكر من الأسماء ما لا يعرف لأي مسمى هو"٦. ومن الأمثلة التي يستشهد بها على ذلك: القِتْب -لحشو البطن- وهو واحد الأقتاب
стр. 79
أي: الأمعاء، على حين سلكها ابن قتيبة١ في عداد الأسماء المؤنثة التي لا علامة فيها للتأنيث٢.
وينكشف لنا مرة أخرى أن علامات التأنيث ليست ذات بالٍ حين نرى أن الأصل في الأسماء تجردها من هذه العلامات, حتى صرح العلماء بأن كل ما لا يعرف أمذكر هو أم مؤنث, فحقه أن يكون مذكرًا؛ كجبريل وميكال٣. يضاف إلى ذلك أنّ الأسماء المذكرة التي فيها ظاهرة التأنيث إنما توصف منها مسمياتها، ويُخْبَرُ عن ذواتها لا عن أعراضها: "تقول: قال الخليفة كذا، وقال الرواية، وجاء النسابة؛ لأنك تخبر عن الذات، ولست تريد أن الاسم هو الذي جاء وقال"٤.
ونسارع -بعد الذي عرفناه من قلة غناء هذه الأمارات في الدلالة- إلى قبول تعليل المبرد لتأنيث الطاغوت تارةً، وتذكيره أخرى، بأنه جماعة, وهو كل ما عُبِدَ من دون الله؛ من إنس وجن وغيره٥، فلقد ذكره الله صراحة في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ٦. وأنثه صراحة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ ٧، وجمعه جمع العقلاء في قوله:
стр. 80
﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ١؛ وهو في الحالات الثلاث لا يتعين فيه إلّا أنه اسم جنس، فيفرد على التذكير إذا قصد منه جنسه، ويجمع على التأنيث إذا قصدت منه جماعته، أو على تذكير العقلاء إذا قصد منه أفراده.
ومن اليسير -قياسًا على ما مضى- أن نفهم سر التذكير في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ٣ فليس في إحدى الآيتين رعاية للفاصلة -وما أغنى القرآن عن رعايتها لو أدخلت الضيم على المعنى! - وإنما قصد جنس النخل في التذكير، وأريدت جماعته في التأنيث، وبكلتا الصيغتين نطقت العرب! وعلى كلتيهما بنت تصرفها في الكلام٤ وما تحل العقدة، ولا تذللّ العقبة إلا بثقوب الفهم وجودة التقدير.
من هنا صحّ أن يقرءوا بوجهين قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ٥, فمن قصد الجنس, ذكر بالبناء للماضي فقال: "تشابه علينا", ومن قصد الجماعة أنّث بصيغة المضارع "تَشَابَهُ" بعد حذف إحدى التائين تخفيفًا إذ أصله "تتشابه"٦, وصح أيضًا أن تقول: "البلدة" فتريد البقعة، و"البلد" فتريد المكان ٧.
وابن سيده في كتابه "المخصص" قد لاحظ تردد جمع الجنس بين التذكير والتأنيث في كلام العرب وفي التنزيل، فنبه عليه وقال: "فمن
стр. 81
التذكير قوله تعالى: ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ ١, و ﴿جَرَادٌ مُنْتَشِر﴾ , و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر﴾ ٣؛ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَة﴾ ٤, وقوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ ٥, في حين أن السحاب مذكر في قوله تعالى: ﴿يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ ٦. والأمر أهون من هذا، فما زاد القرآن في تلك الألفاظ المترجحة بين التذكير والتأنيث على أن أظهرنا على عدم استقرار هذه الألفاظ لدى فصحاء العرب، ونزوله بالأمرين جميعًا يحفظ لغير لهجة قريش اعتبارها, مؤكدًا في الوقت نفسه ضرورة التساهل في قضية لغوية لا تمت إلى المنطق العقلي بصلة، فليس القول بتأنيث جمع الجنس, أو المؤنث المجازي بأولى من تذكيرهم، ولا هناك اعتبارات حقيقية لدى بعض القبائل دون بعض تحمل على تقديم مذهبها، وتصويب طريقتها، ويمكن أن يقال هذا في عدد لا يستهان به من الفروق بين لهجتي الحجاز وتميم, وردت في القرآن بكَلَا الأمرين.
ج- وفي أصوات الحروف اختلاف بين تميم والحجاز، فالثاء عند تميم تقابل الفاء عند الحجازيين، فتميم: لثام، والحجاز لفام٧.
قال أبو زيد: "وبنو تميم في هذا المعنى: تلثمت تلثمًا٨".
ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَفُومِهَا﴾ بالفاء على لغة أهل الحجاز، وهو الثوم عند تميم٩.
стр. 82
وقد نسبت إلى تميم ظاهرة صوتية تسمى: "بالعنعنة", هو قلب الهمزة المبدوء بها "عينًا", ومنها قول ذي الرمة:
أعَنْ ترسّمتَ من خرقاء منزلةً ... ماء الصبابة من عينيك مسجومُ
أراد "أأن ترسمت".
ومنها ما أنشده يعقوب:
فلا تُهْلِكَ الدنيا عن الدنيا واعتملْ ... لآخرة لا بد عن ستصيرها
أراد "لا بد أن".
ومن الظواهر الصوتية الغريبة، الاختلاف بين الصوت الرخو "الظاء", ونظيره الشديد وهو "الضاد"، فإننا نسنتج من كتب الرواية أن الظاء حجازية، والضاد تميمية, قال ابن سيده في "المخصص": "فاضت نفسه، خرجت, تميمية"١. وقال في موضوع آخر في غضون حديث عن "اضروري" بمعنى: أنه انتفخ بطنه من الطعام: إنه قد حكي عن أبي عمرو: "اطْرَوْرَى" بالطاء، ورواية أبي زيد "اظرورى" بالظاء، وأبو عمرو ثقة وأبو زيد أوثق منه، وقد
سألت عنه بعض فصحاء الحجاز فوافقوا أبا زيد"٢. على أن النحاة واللغويين ينظرون إلى الموضوع نظرة أخرى، فلا يبالون بهذا الاختلاف بين لهجتي تميم والحجاز، وإنما يأخذون بعين الاعتبار ما استقرت عليه الأصوات المنقطوق بها في لغة العرب الأدبية المثالية، ففي بعض الألفاظ تتعين الظاء, وفي بعضها تتعين الضاد، كما أن الصوتين يشتركان أحيانًا في عدد لا يستهان به من الألفاظ. من ذلك
стр. 83
ما ذكره ابن مالك١ في كتابه: "الاعتضاد في معرفة الظاء والضاد"٢, فهو يجزم بتعين الظاء في الظُرْبَغَانة "الحية" والمماظ "المؤذي جيرانه", والمظّة "الرمانة", وحَبَظَ "امتلأ", وحَمَظَ "عصر", بينما لا يرى غضاضة في مشارة الظاء والضاد في فيض النفس، ومضاض الحسام، وإنضاج السنبل، وإعضآلّ المكان "كثرة شجره". ولكي يهوّن الحريري٣ صاحب المقامات على الطالب تمييز هذين الصوتين نطقًا، نظم من المقامة الحلبية شعرًا تعليميًّا جاء فيه:
أيها السائلي عن الضاد والظا ... ء لكيلا تضله الألفاظ
إن حفظ الظاءات يغنيك فاسمعـ ... ـها استماع امرىء له استيقاظ
هي ظمياء والمظالم والإظلام ... والظلم والظبي واللحاظ
إلى آخر الأبيات٤.
ويقرب من الاختلاف بين الضاء والظاء ظاهرة الاختلاف بين الطاء والتاء، والصاد والسين، والقاف والكاف، فكما آثر التميميون الصوت الأشد -وهو الضاد- على الأخف -وهو الظاء- ظلوا على عادة
стр. 84
البدو يجنحون إلى التفخيم، ففضلوا الطاء على التاء, فقالوا: أفلطني لرجل إفلاطًا، عوضًا عن: "أفلتني إفلاتًا". وفي هذا يقول صاحب المخصص: "وقد أبدلت الطاء من التاء في "فعلت", إذا كانت بعد حروف من حروف الإطباق". قال: "وهي لغة تميم، قالوا: فَحَصْطَ برجلك، يريدون فحصت١، وحِصْطَ, يريدون حصت" وفضلوا الصاد على السين فقالوا: "شمر عن صاقه" عوضًا عن "ساقه".
وقد أشار إلى هذا ابن منظور في مادة "سمخ" فقال: "السماخ الثقب الذي بين الدُّجْرَيْن من آلة الفدان. والسماخ لغة في الصماخ، وهو والج الأذن عند الدماغ, وسمخه يسمخه سمخًا, أصاب سماخه فعقره.. ولغة تميم الصمخ"٢. وابن جني يسلك هذا في باب الإدغام، إذ لا يراه -كما أوضحنا- إلّا تقريب الصوت من الصوت، ويعد منه تقريب الصاد من الزاي؛ لأن كليهما أسَليّ مخرجًا, صفيري صفة، نحو: مصدر ومزدر، والتصدير والتزدير, وعليه قول العرب في المثل: "لم يُحْرَم مَنْ فَزْدَله" أصله: فصد له، ثم أسكنت العين على قولهم في ضُرِبَ: ضُرْب، وقوله٣:
ونفخوا في مدائنهم فطاروا
فصار تقديره: فصد له، فلما سكنت الصاد فضعفت به, وجاورت الصاد "وهي مهموسة" الدال "وهي مجهورة"، قربت منها بأن أُشمت شيئًا من لفظ الزاي المقاربة للدال بالجهر"٤. وإذا تذكرنا أن
стр. 85
تميمًا تجنح كثيرًا إلى إدغام المثلين، وضممنا إله ما سوف نذكره من تسكينها عين الفعل الماضي, وأواسط بعض الكلمات، لم نجد مشقة في رد هذا المثل إلى أصحابه من بني تميم١.
وفضَّلَ التميميون القاف على الكاف فقالوا: "قشطت الجُلّ عن الفرس" بدلًا من "كشطته". قال أبو عبيدة٢: "وقريش تقول: كشطت، وتميم وأسد وقيس تقول: قشطت, وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "قشطت"٣، ومن هذا الباب، بلا ريب إلحاقهم القاف باللهاة حتى تغلظ جدًّا فيقولون: "الكوم" بدلًا من "القوم", فيكون بين الكاف والقاف.
قال الشاعر من تميم:
ولا أكول لِكدْر الكَوْم: كَدْ نضجت ... ولا أكول لباب الدار: مكفولُ٤
ولئن عرفنا عن فُقَيْم من تميم إبدال الياء جيمًا مطلقًا، فإن عامة
стр. 86
تميم ترى العكس صحيحًا أيضًا, فتبدل الجيم ياء، فتقول: صهريٌّ وهي تريد "صهريج": نبه على ذلك ابن سيده في "باب الإتباع" لدى تعليله ما في قولهم: "حار يار، وحران يران، وحارّ جارّ" من الإتباع فقال: "ويمكن أن يكون بارّ لغة في جارّ, كما قالوا: الصهاريج والصهاري، وصهريج وصهري, وصهري لغة تميم؛ وكما قالوا: شِيرَة لشجرة, وحقَّروه فقالوا: شِيَيْرَة"١.
ولقد أدرك العلماء ما في ضروب الإبدال هذه من تنوع اللهجات, فلم يفسرها المحققون منهم بالمصادفة والاتفاق، ولا بتعمد العرب تعويض حرف من حرف, "وإنما هي -كما قال أبو الطيب اللغوي٢- لغات مختلفة لمعانٍ متفقة: تتقارب الفلظتان في لغتين لمعنًى واحد، حتى لا تختلفا إلّا في حرف واحد, قال: والدليل على ذلك أن قبيلةً واحدةً لا تتكلم بكلمة طورًا مهمزة, وطورًا غير مهموزة، ولا بالصاد مرة وبالسين أخرى، وكذلك إبدال لام التعريف ميمًا، والهمزة المصدرة عينًا؛ كقولهم في نحو: أن: عن، لا تشترك العرب في شيء من ذلك، إنما يقول هذا قوم وذاك آخرون"٣. على أننا -بصورة عامة - لاحظنا في الشواهد على تخالف العرب في نطق الأصوات، أن تميمًا تجنح إلى الأشد الأفخم؛ لأنها بدوية، وأن قريشًا تختار الأرق
стр. 87
الأنعم؛ لأنها حضرية.
وفي وسعنا أن نلحق بهذه الظاهرة الأخيرة ما لوحظ من حرص التميميين على الضم -لخشونته- حين يحرص الحجازيون على الكسر لرقته.
فتميم: القُنْوَة "الكسبة"، والحجاز: القِنْيَة؛ وتميم: رُضوان, والحجاز: رِضْوَان. وتميم: مُرية؛ والحجاز: مِرية وتميم: أُسوة وقُدوة؛ والحجاز: إِسوة وقِدوة١. وجمهور تميم: "ما رأيته أمسُ" بالتزام ضم السين، والحجاز: "أمسِ" بالبناء على الكسر٢.
ولعلنا لا نجد عناءً -بعد هذا- في ربط المعاقبة الحجازية بالميل إلى الكسر في مثل "صيّام ونيّام"؛ إذ تعتبر الياء امتدادًا للكسر، على حين تقول تميم: صوَّام ونوَّام"، بالواو امتدادًا للضم. قال ابن السكيت ٣: "أهل الحجاز يسمون الصواغ: الصياغ. قال: ويقولون: المياثر والمواثر، والمواثق والمياثق, وأنشد لأعرابي:
حِمًى لا يَحلّ الدهر إلا بإذننا ... ولا نسأل الأقوام عقد المياثق٤
ويزداد هذا وضوحًا بمقارنة "اللذون" التميمية بـ"الذين" الحجازية٥ "وحوث" التميمية بـ"حيث" الحجازية٦.
стр. 88
ومع ورود أمثلة كافية للاستدلال على أن المعاقبة لغة لأهل الحجاز ينفردون بها دون سائر اللهجات العربية، أبى بعض العلماء أن يفسروا كل ما سمع من هذا الباب بمثل هذه المعاقبة الحجازية؛ إذ بدا لهم أنها ليست مطردة في لغتهم، فدخول الياء على الواو، والواو على الياء من غير علة, لا ينبغي أن يبحث دائمًا عن سببه في افتراق القبيلتين في اللغتين، بل قد تحدث المعاقبة عند القبيلة الواحدة من العرب١. قال الأصمعي: سألت المفضل٢ عن قول الأعشى:
لعمري، لمَنْ أمسى من القوم شاخصًا ... لقد نال خيصًا من عُفَيْرَة خائصا
فقلت: ما معنى خَيْصًا خائصًا؟ فقال: أراه من قولهم: فلان يخوص العطاء في بني فلان: أي: يقلّله، فكأن "خيصًا" شيء يسير, ثم بالغ بقوله "خائصا "، كما قالوا: موت مائت. قلت له: فكان يجب أن يقول: لقد نال خوصًا؛ إذ هو من قولهم: يخوص العطاء. فقال: "هو على المعاقبة، وهي لغة لأهل الحجاز، وليست بمطردة في لغتهم! "٣.
وسواء أأقَرَّ العلماء بردِّ صور المعاقبة جميعًا إلى الحجاز, أم ترددوا في بعضها، لا يسع أحدًا منهم الشك في أن أمثلة المعاقبة مسموعة من
стр. 89
العرب، محفوظة في كلامها؛ فقد روى أبو عبيد١ أن العُجاوة والعجاية لغتان٢، وأن الطَّيْع لغة من الطّوْع٣، وقال: طغوت يا رجل وطغيت، وهذوت وهذيت، وطهوت اللحم وطهيته، ولحوت العصا ولحيتها, إذا قشرتها، ولحيت الرجل من اللوم لا غير ... "٤.
وزعم الكسائي٥ أنه سمع بعض أهل العالية يقول: لا ينفعني ذلك ولا يضورني، بدلًا من "يضيرني"٦، وقال: "لم أسمع ينمو -بالواو- إلّا من أخوين من بني سليم", قال: "ثم سألت عنه جماعة من بني سليم فلم يعرفوه بالواو"٧.
وقال ابن السكيت: عزيته إلى أبيه, نسبته إليه أشد العزي، وبنو أسد يقولون: "عزوته إلى أبيه"٨.
وجاء في الحديث النبوي: "إذا تَبَيَّغَ الدم بصاحبه فليحتجم" يعني: إذا هاج فكاد يقهره، مع أنه يقال أيضًا: "تبوغ الدم بصاحبه
стр. 90
إذا قتله"١. وحين روى الصحابي الجليل أبو هريرة عن النبي ﷺ قوله: "إذا قلت لأخيك يوم الجمعة والإمام يخطب: "أنصت" فقد لغيت" بالياء، قال أبو الزناد -من رجال الإسناد في هذا الحديث: "وهذه لغة أبي هريرة، إنما هو لغوت"٢.
وبدا للعلماء في باب المعاقبة -كما بدا لهم في باب الهمز- أن يخضعوا دخول الياء في الواو, أو الواو في الياء, لما سمع عن فصحاء العرب، فإن يعترفوا بجواز اللغتين فقد نبهوا إلى الفصحى فيهما، فأنت تقول: ينمي وينمو, ولكن الفصحى ينمي بالياء٣، وتقول عن الحدقة: حِنْدَيرة وحِنْدَوْرَة، والحنديرة أجود٤، وزعم الكسائي أنه سمع في تثنية الرضا والحمى: رِضَوَان وحِمَوَان، والوجه: رِضْيَان وحِمْيَان٥.
ولم يكن بد من أن يستثنوا في مثل هذا التداخل الصوتي حالات يخصونها بالواو وأخرى بالياء، فيقال: إن بينهما لبونًا في الفضل وبينًا، فأما في البعد فيقال: إن بينهما لبينًا لا غير٦, وتقول: قلوت البر، وبعضهم يقول: قليت، ولا يكون في البغض إلّا قليت، كما رأينا٧, وتقول: قد غلوت في القول فأنا أغلو غلوًّا، وقد غلوت بالسهم لا غير، وقد خلوت به بالواو لا غير، وقد
стр. 91
خَلَيْتُ دابتي خليًا, إذا جززت لها الخلا، وهو الرطب١.
والأمثلة التي ذكرناها عن المعاقبة قليل من كثير مما انطوت عليه بطون المعجمات والقواميس، فلا سبيل إلى إنكار ما تنطق به من ميل بعض العرب إلى الكسر، وبعضهم إلى الضم، ولا مفر من الاعتراف بتفضيل الحجازيين الكسر على الضم.
وقد يبدو غريبًا لأول وهلة أن يجنح التميميون إلى الإمالة -وهي صوت مائل إلى الكسرة- بينما يحتفظ الحجازيون بالفتح. إلّا أن بعض النظر كافٍ في أظهار الفرق بن الموضوعين، فالمقابلة بين الضم والكسر مقابلة بين صوتين متشابهين؛ لأنهما كليهما من أصوات اللين الضيقة، غير أن أحدهما -مع ذلك- أشد من الآخر وأفخم، وهو الضم طبعًا. فأما بين الإمالة والفتح، فالأخف هو الفتح، ولا سيما لأنّ الإمالة ليست كسرة خالصة، فضلًا على أن من الإمالة ما يكون ميلًا إلى الضم، كقولهم: بُوعَ, بإشمام الياء صوت الواو عوضًا عن بيع٢.
وفي الإمالة بنوعيها -الجانح إلى الكسر والجانح إلى الضم- ضرب من الاشتراك الصوتي لا يُعْطَى به اللفظ الممال حقه من النغم الخاص به, ومثل هذا الاشتراك في النطق بالأصوات لا يستغرب من قبيلة بدوية كتميم، وإنما يستغرب منها العكس؛ لأن تحقيق جميع أصوات اللفظ وإعطاءها حقها من النغم طور نهائي في صقل اللغة واستكمال أدواتها، فهو أجدر أن يكون وظيفة اللغة الأدبية المصطفاة، لا وظيفة من البدو الرحَّل, قابلة للتغير والتأثير والعدوى تبعًا لتنقلات أصحابها الذين لا
стр. 92
يستقرون في مكان١.
وبسبب هذا الاشتراك الصوتي الناجم عن الغموض في أداء النغم حقه، جرى على لسان تميم أحيانًا كَتْبَ بدلًا من كَتَبَ، فاستعاضت عن فتح عين الماضي بتسكينها, ومن هذا النوع بلا ريب ما يؤثر عن كثير من بني تميم٢ من تسكين الكلمات الآتية: فَخْذ، كَبْد، في الإفراد، ورُسْل، وخمُرْ، وفُرْش، في الجمع، بينما يتوالى تحقيق المتحركات جميعًا عند الحجازين، فيقولون على التعاقب: فَخِذَ، كَبِدَ، رُسُلُ، خُمُر، فُرُش؛ وهكذا دواليك٣. ولا شك أن هذا التخفيف، عند الآخذين به، ليس بواجب، ولا هو بناء بُنِيَ اللفظ عليه في الأصل، وإنما هو عارض, ولقد نبه إلى هذا سيبويه حين ردَّ مثل: عَلْمَ وكَرْمَ إلى عَلِمَ وكَرُمَ، إذ جعل المتكلم الفعل لنفسه فقال: عَلِمْتُ وكَرُمْتُ٤.
ولا يختلف كثيرًا عما نحن بصدده من الاشتراك الصوتي ما تمتاز به تميم من الإنباع الصوتي في مثل: "ضَحِكَ ضِحِكًا" عوضًا عن "ضَحِكَ ضَحِكًا" فقد أثَّرَ صوت الحاء المكسور -وهو عين هذه الكملة- على الضاد المفتوحة في أولها، فلم تُعَنَّ تميم نفسها في تحقيق صوتين متعاقبين متنافرين، واستسهلت إتباع أولهما ثانيهما بسبب القرب والجوار٥.
стр. 93
على إن للإتباع صورًا تطَّرِدُ في اللغة من غير أن توحي بشيء من اختلاف اللهجات, من ذلك "لِهِمٌ" للشخص الذي يلتهم كل شيء، "إنما هو إتباع ومضارعة؛ لأن كل ما كان على فعل ثانيه حرف من حروف الحلق, ففيه أربع لغات مطردة: فعل وفعل وفعل"١.
وفي هذا الجو الغامض من تأثر بعض الأصوات ببعض -وهو نتيجة حتمية لنطق قبيلة بدوية لم يتم صقل لغتها- لم تستنكف تميم عن تقديم الحروف وتأخيرها في ألفاظ معينة, فهي تقول في القسم: "رَعَمْلي" عوضًا عن لعمري٢، كما تقول: "جَبَذَ" بدلًا من جذب.
ولعل الباحث اللغوي يرى في هذه المسألة نوعًا من القلب المعروف في الصرف، ولكنه مضطر إلى الرجوع عن رأيه إذا قرأ في "باب ما الهمزة فيه موضع اللام" من كتاب سيبويه: "وأما جَذَبْتُ وجَبَذْتُ ونحوه, فليس فيه قلب، وكل واحد منهما على حدته؛ لأن ذلك يطَّرد فيهما في كل معنًى، ويتصرف الفعل فيه، وليس هذا بمنزلة ما لا يطرد"٣.
هذه خلاصة الفوارق الرئيسية بين لهجتي تميم والحجاز، رأينا من خلال عرضها أننا من تميم أمام لهجة خاصة قائمة بذاتها، لها خصائصه ومميزاتها، وعسى أن نكون قد استنتجنا من معرفتنا لذلك أن لهجة تميم قد أمدت العربية الفصحى بروافد غنية غزيرة، ساعدت على استقرار نحوها وصرفها، وسعة اشتقاقها، وبعد دلالتها، وانبساط
стр. 94
مدرجها الصوتي، وحياة عدد كبير من مفرداتها، فإذا أردنا أن ننتقل إلى دراسة خصائص العربية ومميزاتها كان لزامًا علينا أن نفهم لدى أول خطوة نخطوها حتى آخر نتيجة نعطيها, أن تميمًا تشارك قريشًا بنصيب كبير من هذه الخصائص، وأن إغفال دور تميم في هذا إنما هو تهاون بجزء لا يتجزأ من لغتنا العربية الفصحى.
ولقد سبق أن نبهنا على أن للعربية الشمالية الباقية لهجات مختلفة، كلها جدير أن يدرس، غيبر أن أقصى ما يغتفر لنا الاقتصار عليها منها إبراز الفروق في مجموعة اللهجات النجدية الشرقية, ومجموعة اللهجات الحجازية الغربية، ونحن قد اقتصرنا على هذا لضيق المقام، وإن كنا نعتقد أن التوسع في دراسة سائر اللهجات العربية يزيد لغتنا ثروة، ويمنحها قوة، ويفسر كثيرًا من خصائصها التي لم تنفرد بها لهجة, بل أسهمت في تكوينها هذه اللهجات قاطبة.
ولسوف يبدو لنا -حين نأخذ في الباب التالي بدراسة خصائص العربية- أن ظاهرة التأثر بين اللهجات الصحيحة المسموعة من العرب آلت بالفصحى إلى ضرب من التوحد في الخصائص، والتماثل في السمات والملامح، فلم يخف على المحققين من علمائنا القدامى ما تجاور هذه اللهجات وتلاقيها من ملاحظ نفسية واعتبارات اجتماعية, مذ غدوا يتساءلون: إذا سمع العربي لغة غيره فهل يراعيها ويعتمدها، أم يلغيها ويطرح حكمها١؟
ففي تعليل هذه الظاهرة لم يقتنع هؤلاء المحققون بالإحالة على ما اطرد من مقاييسهم، بل نظروا نظرة موضوعية هدتهم إلى مواطن التأثر والعدوى، وإلى الاعتراف بحاجة العرب إلى أن يراعي بعضهم لغة بعض،
стр. 95
وأن يأخذ بعضهم عن بعض: "وذلك لأن العرب وإن كانوا كثيرًا منتشرين، وخلقًا عظيمًا في أرض الله غير متحجرين ولا متضاغطين، فإنهم بتجاورهم وتلاقيهم وتزاورهم يجرون مجرى الجماعة في دار واحدة، فبعضهم يلاحظ ويراعي أمر لغته، كما يراعي ذلك من مهم أمره"١.
لكأن هاتيك اللهجات، وهي في طريقها إلى التلاقي والتقارب، لم تك إلّا جداول تجري رخاء في مسالكها، ثم تنتهي باطمئنانٍ إلى الانصباب في نهرٍ واحدٍ غزيرٍ قادها نحوه دليل لا يضل ولا ينسى!
стр. 96
الباب الثالث: خصائص العربية الفصحى
الفصل الأول: مقاييس اللغة الفصحى
بعد أن عرضنا للفروق بين لهجتي تميم وقريش -وهما اللهجتان الرئيستان بين لهجات العربية- أصبح يسيرًا علينا أن نتصور نوع الخصائص التي تمتاز بها لغتنا الأدبية المثالية عن أخواتها من اللغات السامية بوجه خاص، وعن كثير من اللغات الأجنبية بوجه عام؛ فإن هذه الخصائص لا تميز لغة قريش لذاتها، بل لتمثلها خير ما في اللهجات العربية الصحيحة بالتوليد والاشتقاق, وخير ما في اللغات الأجنبية بالنقل والتعريف.
ذلك بأن العرب حين استصفوا لهجة قريش وجعلوها لغتهم الأدبية المشتركة أثَّروا فيها مثلما تأثروا بها؛ فصدَقَ على لهجة قريش ما يصدق على كل اللغات من قوانين التأثر والتأثير، وهي قوانين لا تكاد تتخلف إذا درسنا اللغة على أنها ظاهرة إنسانية١.
стр. 97
وينبغي ألّا ننسى أن لغة قريش كانت -كما قال ابن خلدون: "بعيدة عن بلاد العجم من جميع جهاتها"١، وإن كنا نعترف بأن بعدها عنها لم يحل دون تسرب الألفاظ الفارسية والرومية إليها.
ولكننا عند الحديث عن التعريب، سنرى أن مقدرة لغةٍ ما على تمثل الكلام الأجنبي، تعد مزية وخصيصة لها إذا هي صاغته على أوزانها، وصبّته في قوالبها، ونفخت فيه من روحها.
وكما رَدَدْنَا إلى تميم اعتبارها بدراسة أبرز خصائصها، لن نستنكف عن رد الاعتبار إلى لهجة كل قبيلة لم تطرأ العجمة على ألسنتها، ولم تلابس اللكنة الدخيلة ملاحنها، فمثل هذه اللهجات جديرة أن تستنبط منها مزايا لغتنا، وأن يكتشف لديها مدلول مفرداتنا وتراكيبنا.
ومنهج الأقدمين في جمع اللغة علميّ دقيق, يعول على الملاحظة والاستقراء، والإفراط في الحيطة أحيانًا، حتى لنستطيع أن نكون مطمئنين إلى أكثر ما استنتجوه من خصائص لغتنا التي تجنبوا أخذها عَمَّن تشوب عربيتهم أية شائبة؛ فقد اقتصر أخذهم اللغة على عرب البادية، وعلى فصحائهم بشكل خاصٍ. وكثيرًا ما كان سيبويه يشير إلى تشدده في تصويب الاستعمال اللغوي بردّه إلى العرب الذين تُرْضَى عربيتهم٣، أو العرب الموثوق بهم٤، أو بعربيتهم٥, ولكن سيبويه نفسه كان يرى أن هؤلاء العرب الموثوق بعربيتهم هم عرب الحجاز، فيجنح غالبًا إلى ترجيح لغة الحجاز إذا اختلف اللهجات٦.
стр. 98
ولِمَ لا تكون لغة الحجاز مقياسًا للفصاحة وقد بلغت من الرقي داخل الجزيرة العربية ما أوضحناه في الفصل السابق، حين خلت من مستقبح اللغات ومستهجن الألفاظ؟
إن الباحث يكاد يرى هذا المقياس صحيحًا لا مغمز فيه، بل بديهيًا لا مسوّغ لرده؛ ثم يبدو له أن يتساءل: إن كان الأقدمون قد اقتصروا في شواهدهم على عرب البادية، فلماذا رجحوا لغة قريش وما هي من البداوة في شيء؟ إنها على العكس من ذلك، لغة الحضارة بين العرب قاطبة!
نحسب أننا لا يسعنا، للإجابة عن هذه الشبهة، أن ننكر حضرية قريش, ولا أن نجحد تأثرها بفارس والروم أمتي الحضارة في تلك الحقبة من التاريخ, ونحسب أنه ليس من البحث الموضوعي في شيء أن نرى في استصفاء لغة قريش أن القرآن نزل بها، ففي القرآن من لهجات العرب الأخرى ألفاظ غير قليلة١, ولغة القرآن بعد هذا، حين يقال: إنها لغة الحجاز أو قريش، هي اللغة نفسها التي نقلت بها إلينا أشعار العرب وخطبهم وأسجاعهم, ولقد صادق القرآن هذه اللغة الراقية المهذبة، فزاد من ترقيتها وتهذيبها, فهذا معنى نزوله بلغة قريش.
لكن الناس -في أكثر بقاع الأرض- يملأ القديم قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فيحيطونه بهالة من التقديس: وذلك كان موقف العرب من لهجة قريش؛ فقد تقادم عهدها وهم يعظمونها ويعظمون أهلها، ويعرفون لهم فضلهم، إذ جعل الله قريشًا "قُطّانَ حرمه، وجيرانَ
стр. 99
بيته الحرام، وولاته, فكانت وفودج العرب من حجّاجها, وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم١".
ومن السنن الاجتماعية المسلّمة أن اللغة إذا تقادم عهدها بالغ الناس في تقديسها, فلا تعجب إذا رأيت في آثار الباحثين في القرن الماضي، أن مقياس الكمال في اللغات ارتدادها إلى ماضٍ أشد إيغالًا في القدم، حتى ليمكن القول -في ضوء المقياس: إن اللغة الكاملة المطردة النقية لم تعرف إلّا في العصر البدائي، وإن لغاتنا الحديثة المتطورة عن تلك الأصول البدائية ليست إلّا تحريفًا وفسادًا٢.
ولهجة قريش -فوق الذي أحيطت به من مظاهر التقديس- انفردت حقًّا بمزايا حفظت لها شخصيتها، وأتاحت لها من أسباب التكامل ما لم يتح لغيره، فبعدها الذي وصفه ابن خلدون عن بلاد العجم من جميع جهاتها, كان حاجزًا طبيعيًّا دون كثرة اتصالها بالأجانب، فلم يدخلها من لكنة الأعاجم ما داخل القبائل المتطرفة التي كانت على اتصال وثيق بمن حولها من غير العرب. قال أبو نصر الفارابي٣ في أول كتابه المسمى "بالألفاظ والحروف": "كانت قريش أجود العرب انتقاءً للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا، وأبينها إبانة عمَّا في النفس.
والذين عنهم نُقِلَتِ اللغة العربية، وبهم اقْتُدِيَ، وعنهم أُخِذَ
стр. 100
اللسان العربي من قبائل العرب هم: قيس وتميم وأسد؛ فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أُخِذَ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف؛ ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائين, ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم.
وبالجملة، فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاروة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنه لم يؤخذ لا من لَخْمِ، ولا من جذام, لمجاورتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن، فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر، لمجاورتهم للنبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عمان؛ لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف، لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب, قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم ... "١.
وليس لهذه الحَيْطة في أخذ اللغة، على النحو الذي وصفه أبونصر الفارابي، إلّا تفسير واحد, هو الحيلولة دون تسرب الدخيل إلى العربية, ما لم يطبع بطابع الفصحى تبعًا لأساليب تعريبها؛ لأن مثل هذا التسرب غير الإرادي وغير المقصود يفسد على الباحثين فهمهم أصالة اللغة وشخصيتها، فقد يستنبط منه خطأ أن من خصائصها أوجهًا لا تلزمها، أو صيغًا لم تجيء على أبينيتها؛ لأنه لما تنبثق عنها، وإنما انتقلت إليها
стр. 101
عن طريق العدوى اللغوية بسبب القرب والجوار, وما أكثر صورها، وأشد أخطارها!
ولذلك عَدَّل ابن جني امتناعهم من الأخذ عن أهل المدر -كما أخذوا عن أهل الوبر- بـ"ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل". ولو عُلِمَ أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم، لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر"١.
على أن فرض ابن جني هذا كتب عليه أن يظل فرضًا، لا يزيد على ذلك شيئًا، فما علمنا بأهل مدينة باقين على فصاحتهم، بل رأينا أهل المدن أكثر تعرضًا للحن وفساد اللغة من البدو، ورأينا من البدو الفصحاء أنفسم من ينتقل لسانه إلى لغة فاسدة؛ فينكر العلماء عليه لغته ولا يأخذون بها, ومن ذلك ما يُحْكَى من أن أبا عمرو استضعف فصاحة أبي خَيْرَةَ، لما سأله فقال: كيف تقول: استأصل الله عِرْقَاتِهِمْ"؟ ففتح أبو خيرة التاء، فقال له أبو عمرو: هيهات أبا خيرة لان جِلْدُكَ٢"!
ومذ شاع في البدو اضطراب الألسنة وخبالها, أصبح العلماء يتوجسون خيفة من الذين يدعون الفصاحة، فلا ينخدعون بالبدوي فيحكموا له بالفصاحة إذا آنسوها منه في وضوح نطقه ورشاقة لفظه فقط، وما كان للبيان وحده أن يكون مقياس الفصاحة, إن لم يرتد إلى أصل ينمّ عليه، أو قياس يسوغه, وهل تظن ادعاء الفصاحة البدوية والتباعد عن الضعفة الحضرية، أمرين عسيرين على رجل يقضي معظم وقته في البادية، ولا يأتي الحاضرة إلّا لمامًا؟
стр. 102
لم يكن العلماء -مع ذلك- لينخدعوا بمثل هذا البدوي، أو يظلوا عاكفين على كلامه يتلقونه بالقبول، فما أسرع ما كان يفجؤهم منه ما ينال من فصاحته، ويغض من بيانه ويقدح فيه، فإذا هم يرفضون لغته ويمتنعون من التلقي عنه.
ولقد طرأ على ابن جني أحد من يدعي هذه الفصاحة، فميّزَ كلامه أول الأمر تمييزًا حَسَّنَ موقعه في نفسه، إلى أن أنشده يومًا شعرًا له يقول في بعض قوافيه "أشأؤها وأد أوها"١ فجمع بين الهمزتين، واستأنف من ذلك ما لا أصل له، ولا قياس يسوغه، وأبدل إلى الهمز حرفًا لا حظَّ في الهمز له، مع أنه "لو التقت همزتان عن وجوب صنعة للزم تغير إحداهما، فكيف أن يقلب إلى الهمز قلبًا ساذجًا عن غير صنعة ما لا حظَّ له في الهمز، ثم يحقق الهمزتين جميعًا؟! هذا ما لا يبيحه قياس، ولا ورد بمثله سماع! "٢.
ومع هذا التشدد في مقياس الفصاحة، واصطنع العرب لغة قريش للتفنن في القول، والإبانة في التعبير، فدلّ استصفاؤهم أياها على أنها اختارت من كلام العرب أبينه، وراعت أرشقه، واعتمدت أصفاه؛ فكان حقًّا ما ذهب إليه الباحثون من المستشرقين وغيرهم, من أن أهم مزية للعربية حفظت لها شخصيتها بين أخواتها الساميات إنما هي عزلتها عن الشعوب الأعجمية، واكتفاؤها بمقدرتها الذاتية على التعبير، وعلى التمثل والتوليد، وعلى التخير والانتفاء، في موطنها عينه، وبيئتها نفسها، وبين شقيقاتها اللهجات الفصحى التي تبادلت معها التأثر والتأثير، بينما كانت الساميات يتفرقن عن موطن السامية الأم، ويبتعدون في الوقت
стр. 103
نفسه عن الأصالة والصفاء.
ولقد كان لتلك الغزلة نتائج حسنة في محافظة العربية على ظاهرة الإعراب الكامل، ومناسبة حروفها لمعانيها، وثبات أصواتها مع سعة مدرجها، وتنوع صرفها واشتقاقها، وتعدد أبنيتها وصيغها، وكثيرة مصادرها، وغنى مفرداتها بالاشتراك والترادف والتضاد، واستعدادها الذاتي للنحت والتوليد والتعريب.
стр. 104
الفصل الثاني: ظاهرة الإعراب
العرب ورثوا لغتهم معربة:
لم يرتب أحد من اللغويين القدامى في أنَّ الإعراب من خصائص العربية، بل من أشد هذه الخصائص وضوحًا؛ وأن مراعاته في الكلام هي الفارق الوحيد بين المعاني المتكافئة.
ولقد عبَّروا عن هذه الظاهرة بأساليب متنوعة تنطق جميعًا بحقيقة واحدة, ولعل أوفى خلاصة لتلك الآراء قول ابن فارس: "فأما الإعراب فبه تميَّزُ المعاني ويُوقَفُ على أغراض المتكلمين, وذلك أن قائلًا لو قال: "ما أَحْسَنْ زَيْدْ" غير معرب، أو "ضَرَبَ عَمْرْ زَيْدْ" غير معرب، لم يقف على مراده, فإذا قال: ما أَحْسَنَ زَيْدًا" أو "مَا أَحْسَنُ زَيْدٍ" أو "مَا أَحَسْنَ زَيْدٌ" أبان بالإعراب عن المعنى الذي أراده.
стр. 105
وللعرب في ذلك ما ليس لغيرها؛ فهم يَفْرُقون بالحركات وغيرها بين المعاني, يقولون: "مِفْتَح " للآلة التي يفتح بها، و"مَفْتَح" لموضوع الفتح، و"مِقَصٌّ" لآلة القص، و"مَقَصٌّ" للموضع الذي يكون فيه القص؛ و"مِحْلَبٌ" للقدح يُحْلَبُ فيه، و"مَحْلَبٌ" للمكان يحتلب فيه ذوت اللبن ... "١.
وزاد ابن فارس هذه الظاهرة تقريرًا وتوضيحًا بقوله في موضع آخر: "من العلوم الجليلة التي خصت بها العرب: الإعراب الذي هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ، وبه يعرف الخبر الذي هو أصل الكلام, ولولاه ما مُيِّزَ فاعل من مفعول؛ ولا مضاف من منعوت، ولا تعجُّب من استفهام، ولا صدر من مصدر؛ ولا نعت من تأكيد"٢.
ولما أصابت العربية حظًّا من التطور أضحى الإعراب أقوى عناصرها، وأبرز خصائصها، بل سر جمالها، وأمست قوانينه وضوابطه هي العاصمة من الزلل، المعوضة عن السليقة؛ لأن الناس أدركوا حين بدأ اختلاطهم بالأعاجم أنهم لولا خلاطهم لهم لما لحنوا في نطق، ولا شذّوا في تعبير، فقد كان يثقل على هؤلاء الأعاجم إخراج أحرف الحلق وأحرف الإطباق بوضوح أصواته في العربية، فإذا هم يحرفون مثلًا "عربي" إلى "أربي" و"طَرَقَ" إلى "تَرَكَ"، حتى شكا الناس من فساد الألسنة واضطرابها ٣.
стр. 106
ولم يكن بد من أن يتأثر العرب بأولئك الأعاجم, مع أنهم كانوا قد وثوا عربيتهم معربة، وقرءوا القرآن معربًا، وتناقلوا أحاديث نبيهم معربة.
وإنّ أدلة كثيرة لتقوم على شعور العرب بوراثتهم لغتهم معربة؛ فهذه أمارات الإعراب باطرادها وسلامتها، واضحة فيما صَحَّ من أشعار الجاهليين, وذلك هو التصرف الإعرابي ما فتئ يراعى بدقة بالغة حتى أوائل القرن الثالث الهجري، يوم كان الرواة والإخباريون يختلفون إلى الأعراب في البادية؛ ليأخذوا من أفواهم اللغة، ويعودوا ألسنتهم الفصاحة والبيان.
أما ترتيلهم القرآن معربًا فما نحسب عاقلًا في الدنيا يرتاب فيه، ولم يزعم أحد من العلماء في الشرق والغرب، قديمًا أو حديثًا، عامية الأسلوب القرآني، أو تجرده من ظاهرة الإعراب؛ لأن ما في القرآن من الألفاظ الصالحة لأن تقرأ رسمًا بأكثر من وجه كان السياق فيه غالبًا يعين قراءته المثلى، ويفرض وجهه الأفضل، ولا يعيِّنُ قراءةً ما إلّا تحريك الأواخر بالحركة الإعرابية المناسبة, ومن أوضح الأمثلة على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١، فالمعنى نفسه يفرض رفع العلماء، فاعلًا، ونصب اسم الجلالة مفعولًا؛ لأن المراد حصر الخوف من الله في العلماء، لا حصر الخوف من العلماء في الله: فإنما يخشى الله حق خشيته العلماء العارفون بجلاله.
وتناقل هذا الوجه المتواتر في قراءة الآية، بمراعاة حركات الإعراب مشافهةً وتلقينًا، هو الذي حمل القراء على الحكم بشذوذ القراءة الأخرى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ برفع "اسم
стр. 107
الجلالة" فاعلًا، ونصب "العلماء" مفعولًا، وعزو هذه القراءة إلى عمر بن عبد العزيز, وحكايتها عن الإمام أبي حنيفة لم يدفعا عنها حكم الشذوذ١.
ولولا الترف العلمي الذي أغرى العلماء بتوجيه القراءات الشاذة لتكون -بزعمهم- عونًا على صحة التأويل٢، لما تجشم بعضهم عناء تفسير الخشية هنا بمعنى الإجلال والتعظيم لا الخوف، فكأن هذه القراءة الشاذة بيَّنَت أن الغرض من تخصيص العلماء بالخشية إظهار مكانتهم ودرجتهم عند الله٣، وهذا من أعجب ما يجرؤ على قوله عبيد الله في حق الله!
وَلْنُلَاحِظْ في الآية السابقة أن الوقف بالسكون على آخر "العلماء" اختياري لا شيء يمنعه، أما نصب اسم الجلالة فلازم لا يجوز فيه الوقف العارض؛ إذ لا يتم المعنى بدون حركة النصب, وإن اللبس فيه ليمكن قبل التحريك؛ يناظره في هذا جميع التراكيب المجردة من ظاهرة الإعراب؛ وإذا حُرِّكَ لفظ واحد من تركيب الآية بحركةٍ لم يخف على أحد أن السكون في آخر كلمة من هذا التركيب ليس إلّا عارضًا بسبب الوقف.
وهذا السكون العارض يبدو أكثر وضوحًا في الفواصل القرآنية المرفوعة والمخفوضة، وما أكثر أمثلتها في القرآن, وقد يوقع في اللبس في الآيات التي تترجح فواصلها بين الرفع والخفض، كقوله تعالى:
стр. 108
﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ١، فهل القرآن المجيد محفوظ في لوحٍ، فتكون الفاصلة مرفوعة؟ أم القرآن المجيد كائن في اللوح المحفوظ، فتكون الفاصلة محفوضة؟
إن القارئ الذي يظن أنه وقع على المعنى الألطف من خلال الحركة الإعرابية المناسبة، لا يسمح لنفسه إلّا بخفض الفاصلة, فهي في نظره لازمة الحفض لا محال, وربما لا يغيب عنه أن ما ارتآه من الخفض يستلزم أن يكون قوله: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ بهذا التنوين الذي يفيد التنكير، مساويًا لقوله: "في اللوح المحفوظ" بالتعريف العهدي الذي يوحي بأن هذا اللوح هو "المحفوظ " المعروف في عالم الغيب, ولكنه يحسب قراءة الرفع أبعد عن سياق الآي، وأشدَّ مجافاةً للأسلوب العربيّ المبين٢!
وكثير من هذه المواقع الإعرابية المشكلة في فواصل القرآن قد خضع حتمًا لتنوع القراءات وتضارب بعضها مع بعض، وتَرَجُّحها بين صوتين متضادّين، وحركتين متقابلتين؛ كالضم والكسر مثلًا, ولكن اختلاف القراءات يرتَدُّ -في أكثر صوره- إلى نزول القرآن على سبعة أحرف٣، وأهم هذه الأحرف جميعًا هو اختلاف اللهجات٤؛ وقد رأينا القرآن حريصًا على ما فصح من لهجات العرب، رادًّا منها ما استقبحه واستهجنه٥, فليس في إيثاره لهجةً على لهجة، أو في نزوله بحرف دون حرف، خروج على قوانين الإعراب, كيف وهذه القوانين
стр. 109
لم توضع إلّا حفاظًا عليه، ولم تستنبط -أول ما استنبطت- إلّا من نصوصه الفصحى؟!
فهل سمعت بعد هذا البيان برأي أعجب، وخيال أخصب، وقول أدعى إلى الهزء والسخرية، مما ذهب إليه المستشرق فولرز K. Vollers من أن القرآن نزل أول الأمر بلهجة مكة المجردة من ظاهرة الإعراب؛ ثم نقَّحَه العلماء على ما ارتضوه من قواعد ومقاييس، حتى أضحى يقرأ بهذا البيان العذب الصافي، وغدا في الفصاحة مضرب الأمثال١؟!
ألَا وإن كبار المستشرقين لم يستسيغوا هذا الرأي العقيم, فلقد قَيَّضَ الله لكتابه مستشرقًا آخر أشهر من فولرز, وأكثر منه تحقيقًا وتدقيقًا, هو نولدكه Noldeke، كفانا مؤونة الرد على هذه الرأي الصبياني وسفهه, وفنَّدَه ونقده نقدًا علميًّا موضوعيًّا، أقام فيه الحجة على أن أغلب ما توهمه فولرز تجردًا من الإعراب إنما كان صورًا من تساهل الناس في القراءة بعد اختلاطهم بالأعاجم وشيوع اللحن والتحريف، فليس للنص القرآني صلة بشيء من هذه الملاحن من قريب أو من بعيد٢.
ودقة المقاييس التي وصلت بها احاديث النبي الكريم تنهض حجة دامغة على أن أقواله نقلت معربة أيضًا، فقد كان الرواة على نقل أحاديث النبي أحرص منهم على أشعار الجاهليين، وكانوا يعتقدون أن هذا الأمر دين٣، فبالغوا في رواية الحديث باللفظ، وشددوا
стр. 110
في روايته بالمعنى١؛ وأداء بعضهم شيئًا من الحديث بلهجتهم الخاصة لا يعني أداءهم إياه متجردًا من الإعراب، فهو على كل حالٍ نُطْقٌ عربيٌّ لا مطعن عليه ولا شبهة فيه، وظاهرة الإعراب واضحة فيه، إلّا أن الأمانة العلمية تقضي بذكر الراوي وذكر لهجته, لكيلا يخفى شيء من أحوال رجال السند.
وكذلك مَنْ لَحَنَ من المحدثين كما يلحن الرواة٢, ما كانوا يقصدون إلى التساهل في النحو، وإنما يريدون أن يتخففوا من كل عمل شخصي لهم في الرواية؛ لأنهم نقلة، وإنما يبلغ الناقل الشيء كما سمعه دون تغيير، ولا زيادة، ولا نقصان٣.
لا بدع إذا مال الكثير من العلماء المحققين -بعد الذي عرفوه واقتنعوا به من دقة المصطلحات في حديث النبي ﵇ إلى تقديم الاستشهاد به على شواهد البدو، فكان نحوي كبير؛ كابن مالك, يرى أن القرآن يستشهد به في الدرجة الأولى، ثم يليه حديث النبيّ، وأخيرًا يأتي كلام الأعراب٤.
وشعور العرب بوراثتهم لغتهم معربة هو الذي كان يحملهم على أن يجتنبوا اللحن فيما يكتبونه أو يقرءونه اجتنابهم بعض الذنوب٥, وهل أتيح للهجة قريش أن تكون أفصح لهجات العرب وأبينها لو لم تخل في فساد اللسان ولحن الإعراب؟ وهل كان للقرآن أن يمتن على العرب بنزوله بلسان عربيٍّ مبينٍ٦ لولا أنه يومئ بهذا الامتنان إلى انتفاء الفرق