الاشتقاق الكبير:
أما الاشتقاق الكبير: فهو عبارة عن ارتباط مطلق غير مقيد بترتيب بين مجموعات ثلاثية صوتية, ترجع تقاليبها الستة وما يتصرف من كلٍّ منها إلى مدلول واحد مهما يتغاير ترتيبها الصوتي, وقد أولع بهذا النوع من الاشتقاق ابن جني، وسماه: "بالاشتقاق الأكبر"، وعقد له فصلًا خاصًّا١ ذكر فيه عددًا من الأمثلة الموضحة, نورد الآن منها تقاليب هذه المادة الثلاثية "س م ل". فابن جني يرى أن "س م ل" "م س ل" "س ل م" "م ل س" "ل س م" "ل م س" مهما تقلبت واختلف ترتيبها الصوتي كما رأيت, فإن "المعنى الجامع لها المشتمل عليها الإصحاب والملاينة؛ منها الثوب "السَّمَلُ" وهو الخلق، وذلك لأنه ليس عليه من الوبر والزئبر٢ ما على الجديد، فاليد إذا مرت عليها للمس لم
стр. 177
يستوقفها عنه حِدَّة المنسج، ولا خشنة الملمس؛ "والسَّمل" الماء القليل: كأنه شيء قد أخلق وضعف عن قوة المضطرب، وجمة المرتكض، ولذلك قال:
حوضًا كأنَّ ماءه إذا عَسَلْ ... مِنْ آخر الليل رُوَيْزَيٌّ سَمَلْ
وقال آخر:
ورَّادُ أسماء المياه السُّدْمِ ... في أُخْرَيَاتِ الغَبَشِ المغمِّ
ومنها "السلامة" وذلك أنّ السليم ليس فيه عيب تقف النفس عليه، ولا يُعْتَرَضُ عليها به، ومنها "المَسَلُ" و"المَسيلُ" كله واحد, وذلك أن الماء لا يجري إلّا في مذهب له, وإمام منقاد به، ولو صادف حاجزًا لاعتاقه فلم يجد متسربًا معه، ومنها "الأملس" و"الملساء"، وذلك أنه لا اعتراض على الناظر فيه والمتصفح له، ومنها "اللمس" وذلك أنه إن عارض اليد شيء حائل بينها وبين الملموس لم يصحّ هناك لمس، وإنما هو إهواء باليد نحوه, ووصول منها إليه، ولو كان هناك حائل لاستوقف به ... فأما "ل س م" فمهمل، وعلى أنهم قد قالوا: نسمت الريح، إذا مرت مرًّا سهلًا ضعيفًا، والنون أخت اللام، وسترى نحو ذلك"١.
وواضح من تمثيله للتقليب الأخير "ل س م" المهمل بـ"ن س م" بإبدال اللام نونًا لتقارب صوتهما -وهو أدخل في باب الاشتقاق الأكبر كما سنرى- أن ابن جني كان يجعل الاشتقاق الكبير والأكبر واحدًا، وقد جرينا نحن -تبعًا للمحدثين من فقهاء اللغة- على التفرقة
стр. 178
بين نوعي الاشتقاق المذكورين زيادة في التفصيل والإيضاح.
وقد فطن الخليل بن أحمد الفراهيدي "المتوفى سنة ١٧٥هـ" إلى هذه الروابط المعنوية في الاشتقاق الكبير كما فطن إليها قبل ابن جني أستاذه أبو علي الفارسي "المتوفي سنة ٣٧٧هـ" إلّا أن الذي توسَّع فيها وفي ضرب الأمثلة الموضحة لها هو ابن جني نفسه، وإن كان لم يزعم اطراد هذا النوع من الاشتقاق في جميع مواد اللغة، بل صرَّح باستحالة الاطراد والإحاطة فقال: "واعلم أنا لا ندَّعي أن هذا مستمر في جميع اللغة، كما لا ندعي للاشتقاق الأصغر أنه في جميع اللغة، بل إذا كان ذلك "الذي هو في القسمة سُدُسُ هذا أو خُمُسَه" متعذرًا ٢ صعبًا، كان تطبيق هذا وإحاطته أصعب مذهبًا، وأعزّ ملتمسًا"١.
وإذا كان ابن جني -على ولوعه بهذا الاشتقاق الكبير- "أو الأكبر كما يسميه" يترفق فيه ولا يبالغ، فقد تكلف بعضهم فيه وفي غيره تكلفًا لا يطاق، فخرجوا على مدلول اللفظ الأصلي، وتعسَّفُوا في التعليل والتفسير؛ فهذا حمزة بن الحسن الأصبهاني يقول في كتاب "الموازنة": "كان الزجاج يزعم أن كل لفظتين اتفقتا ببعض الحروف، وإن نقصت حروف إحداهما عن حروف الأخرى، فإن إحداهما مشتقة من الأخرى؛ فتقول: الرَّحْل مشتق من الرَّحيل، والثور إنما سمي ثورًا لأنه يثير الأرض، والثوب إنما سمي ثوبًا لأنه ثاب "أي رجع" لباسًا بعد أن كان غزلًا، حسيبه الله! "٢.
وأمثال هذه المبالغات التي يظهر عليها التكلف حملت السيوطي على أن يقول عن هذا الاشتقاق الكبير: "إنه ليس متعمدًا في اللغة، ولا يصح أن يستنبط به اشتقاق في لغة العرب"٣، بل نجد ابن جني نفسه
стр. 179
لا يسلم -رغم اعتداله وترفقه- من نقد السيوطي له في هذا الموضوع، إذ يتهمه بأنه توسَّعَ في هذا الاشتقاق "بيانًا لقوة ساعده, وردّه المختلفات إلى قدر مشترك، مع اعترافه وعلمه بأنه ليس موضوع تلك الصيغ، وأن تراكيبها تفيد أجناسًا من المعاني مغايرة للقدر المشترك"؛ وأخيرًا يفصل السيوطي هذا الباب برأيٍ معتدلٍ سديدٍ فيقول: "وسبب إهمال العرب له, وعدم التفات المتقدمين إلى معانيه, أن الحروف قليلة، وأنواع المعاني المتفاهمة لا تكاد تتناهى؛ فخصوا كل تركيب بنوع منها، ليفيدوا بالتراكيب والهيئات أنواعًا كثيرة؛ ولو اقتصروا على تغاير المواد، حتى لا يدلوا على معنى الإكرام والتعظيم إلّا بما ليس فيه شيء من حروف الإيلام والضرب -لمنافاتها لهما- لضاق الأمر جدًّا، ولاحتاجوا إلى ألوف حروف لا يجدونها" إلى أن يقول: "ففي اعتباره المادة دون هيئة التركيب من فساد اللغة ما بينت لك، ولا يُنْكَرُ مع ذلك أن يكون بين التراكيب المتحدة المادة معنًى مشتركٌ بينها, هو جنس لأنواع موضوعاتها؛ ولكن التحيّل على ذلك في جميع مواد التركيبات كطلبٍ لعنقاء مغرب"١.
ويميل بعض الباحثين المعاصرين إلى القول بأن أصحاب الاشتقاق الكبير "اقتبسوا فكرة تقليب الأصول من معجم العين "للخليل" وأمثاله؛ فقد سلك صاحب العين, وصاحب الجمهرة "ابن دريد", وغيرهما, مسلكًا عجبيًا في ترتيب الكلمات، فكان كلٌّ منهم حين يعرض لشرح كلمة من الكلمات يذكر معها تقلباتها، ويذكر معنى كل صورة من صورها دون التعرّض للربط بين دلالات تلك الصور, فهي طريقة إحصائية أو قسمة عقلية لجأ إليها أصحاب هذه المعاجم بغية حصر كل المستعمل من كلمات اللغة، وخشية أن يند بعضها عن أذهانهم, فلما جاء أصحاب الاشتقاق من أمثال
стр. 180
ابن جني وابن فارس, ربطوا أيضًا بين دلالات تلك الصور، واستنبطوا معاني عامة مشتركة بينها، وسمي هذا بالاشتقاق الكبير"١.
وإذا كنا اليوم -في سبيل تأييد هذه الحقيقة- لا نملك من الوثائق العلمية عن معجم "العين" إلّا قيلًا، لا يبل ظمأ ولا يشفي غليلًا٢، فإن بين أيدينا معجم "الجمهرة" الذي سار فيه ابن دريد على هدي الخليل، واتبعه فيما شاع عنه من تقليب الأصول، وإن كان لابن دريد نظام خاصّ في سرد المواد لا مكان هنا للحديث عنه ولا للخوض فيه.
فمن "الجمهرة" سنلخص أهم ما جاء في مادة "ب ج ر" وتقاليبها، ونقارنها بما ورد في "الخصائص" حول تقليب "ج ب ر", ولن يصعب علينا أن نرى حينئذ أن ابن جني أوضح الرابط المشترك بين التقاليب المستعملة لهذه المادة, بينما اكتفى ابن دريد بعرض تلك التقاليب, وأهمل المعنى الذي اشتركت فيه.
لقد رتَّبَ ابن دريد "تقاليب هذه المادة على هذا النحو: "ج ب ر", "ب ر ج", "ر ج ب", "ج ر ب", "ب ج ر", "ر ب ج"٣, ومن الشواهد التي أتى بها على كل تقليب، يستنبط الباحث أن المادة مستعملة كيفما تقلبت وجوهها، وأنه ليس فيها مهمل أو ممات، إلّا أن شواهد بعض التقاليب أغنى من شواهد بعضها الآخر، كما أن ما تصرَّفت العرب باستعماله منها اسمًا أو فعلًا أو مصدرًا، أو صفةً, تفاوت بين تقليب وتقليب، فليست التقاليب جميعًا متساوية في جريان الاستعمال بها، ولا في كثرة الاشتقاق والتصريف منها.
стр. 181
وللقارئ أن يتساءل: ما بال ابن دريد يسمي مادته هذه "ب ج ر" مع أنه أدرجها بين التقاليب الخامسة في الترتيب، وبدأ بتقليب "ج ب ر"؟
أما تسميته المادة "ب ج ر" فلما أخذ به نفسه من ترتيب مواد جمهرته حسب الترتيب الهجائي لحروف أصولها، مع مراعاة أوائل هذه الأصول.
ولا ريب في أن "ب ج ر" تقدم حينئذ على "ج ب ر", كما تقدم على بقية التقاليب، فإنها جميعًا مادة ثلاثية واحدة, أولها الباء وآخرها الراء وأوسطها الجيم.
وأما ابتداؤه بتتقليب "ج ب ر" فربما كان السر فيه ما غلب على ظنه من أن العرب أكثرت من استعماله، وتصرفت في معانيه، ووفّرت الشواهد عليه, وإلا فهو أمر هكذا وقع لابن دريد، ومن العبث التساؤل عن تقديم ما قُدِّمَ، وتأخير ما أُخِّرَ.
أ - وأهم ما ورد في تقليب "ج ب ر" جبور العظم١، والجبارة الخشب الذي يشد على العضو المكسور، وأجبرت الرجل على كذا فهو مجبر، والجبر الملك٢، والجبار: للنخل الذي قد فات اليد.
ب- وفي تقليب "ب ر ج" يذكر ابن دريد البُرْج من بروج الحصن أو القصر، ويرى أنه عربي معروف، أما البرج من بروج السماء فلم تعرفه العرب، إنما كانت تعرف منازل القمر٣, ثم يذكر "البَرَجَ" وهو نقاء بياض العين وصفاء سوادها، ويربط بين تبرج المرأة وبَرَجَ
стр. 182
العين، إذ يقول: وتبرَّجَت المرأة إذا أظهرت محاسنها، وكأني به يقول بعبارة أصرح، إذا أطهرت بَرَجَ عينيها وجمالها زهوًا واختيالًا١.
ج- وفي تقليب "ر ج ب" يتحدث عن رَجْبَ الرجل: إكرامه وتعظيمه، ويرى أن شهر رجب سمي بهذا الاسم لتعظيمهم إياه، ويذكر أن ما تسند به النخلة إذا مالت وكرُمت على أهلها يسمى "الرجبة"، وأن النخلة توصف حينئذ بأنها "مرجَّبَة"، وأن أحد فصوص الأصابع يسمى "الراجبة"، والجمع "رواجب".
د- أما تقليب "ج ر ب" فيذكر منه الجرب: وهو الداء المعروف، والجرْبَة: القرَاح، والجَرْبَاء: السماء، والجَرَبَّة: العانة من الحمير، وكذلك الجَرَبَّة: للأقوياء من الناس إذا اجتمعوا, والتجارب، والرجل المجرّب. والجِرْبياء: ريح الشمال. وجُرُبَّان السيف: قرابه٢.
هـ- وأما تقليب "ب ج ر" الذي سمى به المادة، فلا يجد فيه إلّا البَجْرَة أو البُجْرَة أو البَجَرَة وهي السرة الناتئة٣، وقولهم: هذا أمر بُجْريّ أي عظيم، والجمع البَجَاري وهي الدواهي العظام.
و وفي التقليب الأخير "ر ب ج" لم يذكر إلّا الرجل الرِّبَّاجي: إذا كان يفخر بأكثر من فعله, ويستشهد بقول الشاعر: وتلقاه رِبَاجيًّا فجورًا٤.
فإذا استطلعنا رأي ابن جني في تقاليب هذه المادة، وجدناه قد نفذ
стр. 183
خلالها بفكره الثاقب، ونظره البعيد، وأيقنَّا من شروحه لمفرداتها أنه حفظها من "الجمهرة" في لوح قلبه، أو من كتاب آخر نقل منه صاحب الجمهرة، حفظه ابن جني وضيعناه، ولا يبعد أن يكون معجم "العين" نفسه أو واحدًا من تلك المعاجم القديمة الأُوَل.
وقبل أن نُقِرَّ لابن جني بحدَّة الذكاء، وخصب الخيال، لدى استنتاجه الرابط المشترك بين تقاليب هذه المادة، نرى لزامًا علينا أن نعترف له بمقدرة الساحر الذي يظهر لك شيئًا بينما يخفي أشياء، ولكن براعته وخفة يده تبهران بصرك، فلا أنت تتبعه فيما أظهره، ولا أنت تلاحقه فيما أخفاه!
لقد جمع ابن جني تقاليب هذه المادة وما علم أنه متصرف منها، فأهمل بلطف ورشاقة ما لم ينسجم مع المعنى العام الذي استنبطه، وسدَّ الثغرات فيما كان عليه شيء من الغموض، وأسهب العبارة وأطال النفس فيما بدا له متناسقًا مع المعنى الذي غاص عليه. وإذا هو يرى أن تقاليب "ج ب ر" إن وقعت، فهي للقوة والشدة١.
أ- منها "جبرت" العظم والفقير: إذا قويتهما وشددت منهما، و"الجبر" الملك لقوته وتقويته لغيره.
ب- ومنها "رجل مجرب" إذا جربته الأمور ونَجَدَتْه، فقويت مُنّته واشتدت شكيمته, ومنه "الجراب" لأنه يحفظ مال فيه، وإذا حفظ الشيء ورُوعِيَ اشتد وقوي، وإذا أغفل وأهمل تساقط ورَدِيَ.
ج- ومنها "الأبجر والبجرة" وهو القوي السُّرّة، ومنه قول علي ﵁: "إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري" تأويله: همومي وأحزاني٢.
стр. 184
د- ومنه "البُرْج" لقوته في نفسه وقوة ما يليه به، وكذلك "البَرَج" لنقاء بياض العين، وصفاء سوادها١ هو قوة أمرها، وأنه ليس بلون مستضعف.
هـ- ومنها "رجبت الرجل" إذا عظمته وقويت أمره, ومنه "رَجَب" لتعيظيمهم إياه عن القتال فيه؛ وإذا كرمت النخلة على أهلها فمالت دعَّمُوها بـ"الرجبة"، وهو شيء تسند إليه لتقوى به٢.
و"الراجبة" أحد فصوص الأصابع، وهي مقوية.
و ومنها "الرباجيّ" وهو الرجل يفخر بأكثر من فعله, قال: وتلقها رِبَاجيًّا فخورًا٣.
تأويله: أنه يعظِّمُ نفسه ويقوي أمره!
إن النظرة الأولى إلى صنيع ابن جني في هذه التقاليب لا تخطئ التكلف البعيد وقع فيه، وهو يلتمس الطريق نحو الرابط السحري العجيب الذي يَرُدُّ هذه التقاليب جميعًا إلى أصل واحد، وإمام منقاد، ولكن الرابط الذي اهتدى إليه ابن جني ليس عامًّا وحسب، بل هو شديد العموم؛ وبلغت شدة عمومه حَدَّ الإبهام والغموض، فهل ترى أعجب من أن تفسر هذه التقاليب كلها، وجميع الصور المتفرعة عنها، رغم ما لكلٍّ منها من مفهوم دقيقٍ وإيحاء خاصٍّ، بهاتين الكلمتين العامتين الموغلتين في العموم: "القوة والشدة؟ وهما كلمتان مبتذلتان من
стр. 185
كثرة الاستعمال، تتردافان وتتعاقبان حين لا يجد المتلكم سبيلًا لتحديد المعنى وتفصيله، فلا تُنُمَّان إلى عن مقابلة حالٍ بحال، فحال القوة تقابل حال الضعف، وحال الشدة تقابل حال الوهن، ولا ضير أن يكون مبلغ القوة والشدة في البروج والحصون، كمبلغ القوة والشدة في بَرَج العيون!!
لو قارنّا صنيع ابن جني في هذه التقاليب بصنيع ابن فارس المعاصر له الذي كان لا يؤمن بهذا الاشتقاق الكبير، لرأينا ابن فارس في هذا الموضع١ أكثر اعتدالًا وأهدى سبيلًا, فما من ريب عندنا في أنه اطلع على ما جاء في الجمهرة، إن لم نقل إنه حفظ جُلَّهُ في لوح قلبه، ولكنه حين ذكر في "المقاييس" صور هذه التقاليب في المواضع المناسبة لها، تبعًا لمنهه في معجمه، لم يفسّرها جميعًا بالقوة والشدة جملة واحدة، بل رَدَّ بعضها إلى أصل، وبعضها إلى أصلين؛ وتخرج مقتنعًا إذا تَلَبَّثْتَ في قراءة الأصول التي أوردها أن لا جامع يربط بين بعضها وبعض، وأن هذا الجامع -إن أدركه النظر الثاقب- ضعيف أوهن من خيط العنكبوت.
أ- أما تقليب "ج ب ر" فيرى أنه أصل واحد، وهو جنس من العظمة والعلو والاستقامة٢. ويفسر به "الجبار" الذي طال وفات اليد؛
стр. 186
ومنه الفرس "الجبار"، والنخلة "الجبّارة", وذو الجُبّورة, وذو الجبروت: الله -جلَّ ثناؤه.
فإذا عرض لجبور العظم، وللجبارة التي يضم بها العظم الكسير، كاد يفهمك أنه يقصد من هذا الأصل معنى "الاستقامة", وهكذا يبدو الأصل الذي ذكره ذا شعبتين؛ في أولاهما: العظمة والعلوّ، وفي الثانية الاستقامة١.
فهل هذا الأصل من العظمة والعلو والاستقامة, يرادف أصل ابن جني العام في "القوة والشدة"؟ وهل نعصب عيوننا فلا نرى في الشيء العظيم العالي, أو المستقيم, إلّا أنه قوي شديد؟
ب- ووجد ابن فارس في مادة "ب ر ج" أصلين، أحدهما البروز والظهور، والآخر الوَزَر والملجأ؛ فردَّ إلى الأول بَرَج العيون الجميلة، وتبرج المرأة الحسناء؛ كأنها تحرص على إظهار محاسنها، ورَدَّ إلى الثاني بروج السماء والحصون والقصور، ولاحظ أنهم يسمون الثوب الذي صوروا عليه رسم البروج "ثوبًا مبرَّجًا"٢.
فإن يك بين الوَزَر والملجأ وبين القوة والشدة علاقة، فأيّ علاقة بين القوة والشدة وبين البروز والظهور؟
ألم يبرأ ابن فارس من التكلف والتصنعه حين رَدَّ برج العيون إلى البروز والظهور؟ أو لم يتكلف ابن جني تكلفًا لا يطاق حين أبى أن يرى في بَرَج العيون إلّا قوة أمرها، وأنه ليس بلون مستضعف؟ إن عجبي لا ينقضي من ذكر القوة في معرض الجمال، وذكر الاستضعاف لدى الحديث عن الألوان!!
стр. 187
ج- في مادة "ر ج ب" تجد ابن فارس يتلاقى مع ابن جني في ملاحظة معنى القوة، إلّا أن ابن فارس أدق تعبيرًا، فهو يرى أن الراء والجيم والباء أصلٌ يدل على دعم شيء بشيء وتقويته١, ومن الواضح أنه يقصد من القوة أحد معانيها الدقيقة وهو الدعم، ونبَّه عليه في أصل المادة الحسّيّ, كما نبه عليه فيما تطور عنه من معانٍ، بطريق الكناية والمجاز.
فالأصل في الباب كله ترجيب الشجرة إذا دعمت بالرجبة، لئلَّا تنكسر أغصانها حين يكثر حملها٢, أما قولك: "رجبت الشيء" أي: عظَّمته، فكأنك جعلته عمدة لأمرك، ومن الباب "رَجَب" لأنهم كانوا يعظمونه.
د- وفي ماد "ج ر ب" يسلك ابن فارس مسلكًا عجيبًا، فلا يذكر شيئًا مما ذكره ابن جني ولا ابن دريد؛ من وصف الرجل بالمجرب إذا جربته الأمور ونجدته، ولا يعرض لتجارب الدهر وأثرها في الإنسان، بل يردد الجيم والراء والباء بين أصلين: أحدهما الشيء البسيط يعلوه؛ كالنبات من جنسه، والآخر شيء يحوي شيئًا٣.
ولا يعلم إلّا الله وحده كم تكلَّف ابن فارس حتى وجد لهذه المادة أصلها الأول، ظنًّا منه أن لا شيء كهذا الأصل يطوي مفهوم "الجَرَب" وهو الداء المعروف، فلا بدَّ من أن ينبت على الشيء نبات بسيط من
стр. 188
جنسة أو شيء يشبه هذا النبات حتى يتم تصور الجرب, مع أن فكرة النبات هنا ليست من الوضوح بحيث تؤدي ما تؤديه فكرة الحكّ والتحكك مثلًا في الجُرْب من الإبل والناس.
وإنك لتجد ابن فارس "كالذي يحاول إقناع نفسه بصلاح هذا الأصل للإيحاء بمفهوم "الجرب" حين يطير على جناح التشبيه من وصف الناقة بالجرباء إلى وصف السماء بالجرباء، فيقول: "ومما يحمل على هذا تشبيهًا تسميتهم السماء جبرباء، شبهت كواكبها بجرَب الأجراب" ويستشهد على هذا بقول أسامة بن الحارث:
أرته من الجرباء في كل منظر ... طبابًا، فمثواه النهار المراكد١
وإذا لم يزد ابن فارس هنا على أن تكلف فأسرف، فلم يزد ابن جني على أن هرب فولى، فما عسى أن يقول في الجرب؟ وأيّ علاقة له بالقوة والشدة؟ وهل كان لأحد أن يستنبط من ضعف الداء قوة، ومن وهن المرض شدة؟!
ترى، أمل يك ممكنًا أن يسلك ابن جني تقليب "ج ر ب" في باب التضاد الذي هو ضرب من المشترك، فيكون في الرجل المجرب معنى القوة، وفي الرجل الأجرب معنى الضعف؟
لا نستبعد أن يكون شيء من هذا دار في خلده، ولكن له الحق كل الحق إذا صرفه عنه ولم يأنس به، فإن فكرته التي نادى بها في "الاشتقاق الكبير" تملي عليه أن يستنبط بين التقاليب الستة كلها، أو بين صورها المستعملة على الأقل، جامعًا مشتركًا واضحًا صريحًا, وآية
стр. 189
وضوحه وصراحته أن يكون إيجابيًّا لا سلبيًّا، وتثبيتيًا لا تعكيسيًّا.
أما في الأصل الآخر لمادة "ج ر ب" وهو الشيء يحوي شيئًا، فقد أدرج فيه ابن فارس الجراب المعروف، وربط هذا بجراب البئر، وهو جوفها من أعلاها إلى أسفلها؛ لأن جوف البئر كالجراب الذي يحوي ماءها وغيره.
ونقل معنى الاحتواء، بلطف الصنعة، إلى معنى التجمع، فرأى العانة من الحمير إذا تجمعت سميت "جَرَبّة"، ورأى الأقوياء من الناس إذا اجتمعوا سموا "جَرَبّة" أيضًا١. ولقد ذكر هذا ابن دريد في تقالبيه, ولكن ابن جني فاته أن يوميء إليه مع أنه أدنى إلى تحقيق معنى القوة والشدة من كثير من الأمثلة الأخرى التي أتى بها, ولعله أدرك مثلًا أن "الجربة" ليسوا أقوياء الناس في كل حال، بل في حال التجمع, فلم يشأ تأويل اللفظ على غير وجهه، أو حمله على غير محمله.
هـ- وعندما نقرأ في "المقاييس" أن الباء والجيم والراء في "ب ج ر" أصل واحد, وهو تعقّد الشيء وتجمعه٢, نشعر أن ابن فارس وقع على المعنى الأصوب والمفهوم الأدق للرجل الأبجر؛ فما هو بالقوي السرة كما أبى ابن جني إلّا أن يزعم، بل الذي تخرج سُرّتُه وتتجمع عندها العروق, وأصل ذلك كله البُجْرَة: وهي السرة الناتئة، فأين تجد بربك معنى القوة والشدة في مثل هذا؟ أو ليس هذا إلى العيب أقرب، وبالقبح ألصق؟
ومفهوم التعقد واضح هنا عند ابن فارس, حتى في وصف الدواهي
стр. 190
بـ"البَجَاري " إذ يعلل وصفها بأنها "أمور متعقدة مشتبهة".
و أما في التقليب الأخير "ر ب ج" فقد ذكر ابن فارس كلمة واحدة هي "التربج" بمعنى التحيّر، وأبدى شيئًا من الارتياب في صحتها، ولكنه مع ذلك نسب إلى الخليل نفسه تفسيرها بالتحيّر٢, ثم ذكر أن الرباجة بمعنى الفَدامة, قريبة من ذلك.
ومع أن ابن دريد يقتفي أثر الخليل، وينقل كثيرًا من أقواله، لم يورد في "جمهرته" شيئًا من الرباجة، فلعله لاحظ معناها في "الرباجيّ" فهو فَدْم أحمق؛ لأنه لا يعول على ما فعل، بل يفخر بأكثر من فعله.
وأيًّا كان، فمن أين طلع علينا ابن جني بمفهوم القوة والشدة حتى في هذا الرباجيّ الأحمق المغرور؟ وأي تكلف أبعد من أن نتصور هذا الفَخُور بنفسه يحسب أنه يحسن صنعًا، وهو -كما قال ابن جني- "يعظم نفسه ويقوي أمره"؟ قد يكون بين الرباجة والتعاظم الكاذب علاقة، ولكنّ كلّ رابط بينها وبين القوة مفقود، وكل سبب بينها وبين الشدة مبتوت!
والحقّ أن ابن جني -في باب الاشتقاق الكبير- لو اكتفى بإحراج نفسه فيما قصر عنه علمه من إدراك الجامع المشترك بين بعض التقاليب، لقلنا: رجل حاول، وهذا مبلغ علمه، وحسبه شرفًا أن قد حاول التنقيب عن خفيّ الروابط ودقيق المعاني، ولكنه أحرج اللغة التي يعضّها ويؤمن بسحر ألفاظها؛ إذ أجاءها إلى مضيق كبح فيه أنفاسها، وحبس
стр. 191
قواها عن التفلت والانطلاق، ألا وهو مضيق الاشتقاق الكبير الذي سماه هو "الاشتقاق الأكبر".
ففي هذه المضيق يأبى ابن جني على كل تقليب أن يصرخ بأعلى صوته بالمدلول الدقيق الذي تنطوي فيه روحه، ويريده لينطق بالمدلول العام الذي تخضع له سائر التقاليب, وإن الكلمة التي تظل حبيسة في القلب، أو مكبوتة في الحنجرة، لا تجاوز عقدة اللسان، ولا تنفذ إلى الآذان، إلّا لتعبر عن معنًى غير معناه، وتوحي بمدلول عامٍّ يباين مدلولها الذاتي الخاصّ، لهي كلمة ميتة في صورة حية، وما أسرع ما تذهب كأنفاس المحتضر؟
ويبد لنا أن طبيعة الاشتقاق الكبير تقضي بالتجوز في التعبير والإكثار من إخراج الكلام عن ظاهره، والحرص على تلمس الألفاظ العامة، بل الشديدة العموم، لكي تصلح للربط بين صور متعددة, ربما تتلاقى في أشياء، ولكنها أيضًا تتباين في أشياء, وعذر ابن جني وأمثاله من أصحاب هذا الاشتقاق أن ألفاظ اللغة ليست إلّا رموزًا للتفكير، فما أعياها عن تبيان الفروق الدقيقة، وعن مسابقة الشعور!
وعذر آخر لآصحاب الاشتقاق، وهو أنهم كانوا يخلدون أحيانًا إلى هذا الاشتقاق الكبير إذا أشكل عليهم الحرف: الفاء أو العين أو اللام، فيستعينون بتقليب أصول المثال الذي ذلك الحرف فيه, وقد شاهد ابن جني غير مرة شيخه أبا علي الفارسي١ يقلب الأصول لمعرفة بعض المواد،
стр. 192
فيعينه هذا التقليب ويأخذ بيده، ويفتح عليه من آفاق البحث ما لم يكن يحتسب: "ألا ترى أن أبا عليٍّ ﵀ كان يقوي كون لام "أثفية" فيمن جعلها "أفعولة" واوًا بقولهم: جاء يَثفِه؟ ويقول: من الواو لا محالة؛ كيعده, فترجح بذلك الواو على الياء التي ساوقتها في يَثْفوه ويَثْفيه. أفلا تراه كيف استعان على لام ثفا بفاء وثف؟ وإنما ذلك لأنها مادة واحدة شكلت على صور مختلفة, فكأنها لفظة واحدة"١.
لذلك افتتح ابن جني "خصائصه" بتقليب حروف القول والكلام، كأنهما أراد أن يرسم للقارئ منهجه وهو بعد في أول الطريق، وصرَّح بأنه إنما رسم له من منهجه رسمًا ليحتذيه ويتقبله فيحظى به، ويكثر إعظام هذه اللغة الكريمة من أجله٢, فإن هذا "أغرب مأخذًا مما تقتضيه صناعة الاشتقاق٣، لأن ذلك إنما يلتزم فيه شرح واحد من تتالي الحروف من غير تقليب لها ولا تحريف٤.
بيد أن ابن جني -على استعانته بهذا الاشتقاق الكبير واسترفاده أياه- ما كان لينخدع بما وراء تقليب الأصول فيه من نتائج وأحكام، وما كان ليعمم هذه النتائج والأحكام على جميع المواد والأصول, فقد يتقارب أصلًا في التركيب بالتقديم والتأخير من غير أن يكون أحدهما مقلوبًا عن صاحبه، كقولهم: "جذب، وجبذ، ليس أحدهما مقلوبًا عن صاحبه، وذلك أنهما جميعًا يتصرفان تصرفًا واحدًا نحو:
جذب يجذب جذبًا, فهو جاذب, والمفعول مجذوب، وجبذ يجبذ جبذًا, فهو جابذ, والمفعول مجبوذ؛ فإن جعلت مع هذا أحدهم أصلًا لصاحبه فسد
стр. 193
ذلك، لأنك لو فعلته لم يكن أحدهما أسعد بهذه الحال من الآخر"١.
وما نسحب ابن جني إلّا مقتنعًا في هذا الموطن بأن كلًّا من جبذ وجذب لغة مستقلة من لغات العرب، حتى عَدَّ كلًا منهما أصلًا بنفسه, ونفى أن يكون أحدهما أصلًا لصاحبه، ولو لم يكن مقتنعًا بهذه الحقيقة لوجب عليه أن يعد أحدهما أصلًا، والآخر مقلوبًا عنه، ولكان له ولغيره أن يقلب أحد الأصلين على جهاته الست, فيكون بين يديه، في كلتا الحالتين، هذه التقاليب: "ج ذ ب", "ج ب ذ", "ب ج ذ", "ب ذ ج", "ذ ج ب", "ذ ب ج".
وابن جني لا يمنع تقليب أحد الأصلين "جذب أو جبذ" على جهاته الست التي رأيت، ولكنه يشترط أن يعلم مقلب هذه الوجوه أنه ينبغي تقاليب "جذب" دون سواها، أو "جبذ" دون غيرها؛ إذ لا يفوته أن كلًّا منهما أصل مستقلٌّ قائم بذاته, ولعل هذا ما استنتجه ابن منظور حين قال في "اللسان": "جبذ جبذًا, لغة في جذب. وفي الحديث: "فجبذني رجل من خلفي". وظنه أبو عبيد مقلوبًا عنه, قال ابن سيده: وليس ذلك بشيء، وقال: قال ابن جني: ليس أحدهما مقلوبًا عن صاحبه، وذلك أنهما جميعًا يتصرفان تصرفًا واحدًا"٢ ...
وأقل ما توحي به هذه التفرقة في الألفاظ المتقاربة بين الأصول وتقاليبها: الغلوّ في الحيطة والحذر عند تقليب المادة على وجوهما الممكنة، على لهجة، ولا تتداخل لغات العرب في ألفاظ شاع بينها اختلاف عليها، أو تباين في أسلوب أدائها, أو طريق استعمالها٣.
стр. 194
وفي هذه التفرقة بين الأصول وتقاليبها، نجد أيضًا شيئًا من التضييق على المكثرين من الاشتقاق الكبير، المتطفلين عليه، المتكلفين فيه، المولعين بتقليب المواد على وجوها المختلفة تلذذًا بهذا التقليب, وفي أمثالهم يقول ابن جني نفسه متبرمًا ضجرًا: " ... فأما أن يتكلف تقليب الأصل ووضع كل واحد من أحنائه موضع صاحبه، فشيء لم يعرض له١, ولا تَضَمَّنَ عهدته. وقد قال أبو بكر٢: "من عرف أنس، ومن جهل استوحش! ". وإذا قام الشاهد والدليل، وضح المنهج والسبيل"٣.
وللولوع بالاشتقاق الكبير ارتباط وثيق بمذهب المؤمنين بدلالة الحرف السحرية، وقيمته التبعبرية الموحية، عند أولئك الذي مالوا إلى الاقتناع بموجود التناسب بين اللفظ ومدلوله، في حالتي البساطة والتركيب، حتى رأوا إثبات القيمة التعبيرية للصوت البسيط, وهو حرف واحد في كلمة؛ كإثبات هذه القيمة نفسها للصوت المركب، كيفما كانت صورة تركيبه.
ولقد رأينا ابن جني في طليعة القائلين بهذه القميمة التعبيرية، للحرف العربي، ورأيناه يخلط أحرفَ مادةٍ ما, ويمزج بعضها ببعض، ويقلبها في تركيبٍ ثلاثيٍّ على جهاتها الست المحتملة، ثم ينظر إلى الحرف الواحد من أحرفها، حيثما كان موضعها منها، على أنه صوت ما يزال بسيطًا, له دلالته التعبيرية الخاصة٤. ورأيناه ورأينا غيره أيضًا عندما جنحوا إلى القول بثنائية اللفظ العربي في نشأته الأولى، يردون المواد المزيدة إلى
стр. 195
الصورة الثنائية، ويكتشفون الحرف الذي ثلث أصلها قيمة بيانية خاصة١.
فإذا كان حرفٍ في كلِّ مادةٍ يتمتع بهذه الدلالة السحرية الذاتية، فلا ضير في تقليب كل مادة على وجوها المحتملة، ولا ضير أن تأتي فاء الكلمة في موضع العين أو اللام، ولا أن تأتي اللام في موضع الفاء أو العين، ولا أن تحلَّ العين محل اللام أو الفاء، فإن كل حرف منها -قُدِّمَ أو أُخِّرَ- يوحي بمدلوله الذاتي الخاص، والفروق الدقيقة التي قد تنشأ أحيانًا عن هذا التقديم أو ذاك التأخير، إنما تنبيء عن أسرار هذه اللغة العجيبة المعجزة، من غير أن تؤثر في المعنى العام الذي تدل عليه المادة بمجموع حروفها المعبرة.
وأكثر الأمثلة التي قُلِبَت هذا القَلْب اللغوي على طريقة الاشتقاق الكبير ثلاثية الأحرف, والقائلون بثنائية اللفظ العربي يوفرون شواهد القلب اللغوي من الثلاثي المضعَّف قبل سواه؛ لأن صورته أقرب إلى صورة الثنائية، ولأن جريان القلب فيه أيسر من جريانه في غيره, فما يتصور فيه عقلًا إلّا تقليبان فقط، نحو: جَرَّ - رَجَّ، ففي كليهما معنى التحرك والاهتزاز٢؛ دقَّ - قدَّ, وفي كليهما معنى فصل أجزاء الشيء بعضها عن بعض٣، تلَّ -لتَّ، وفي كليهما معنى البل والصبّ٤.
ويلي هذا القلب في اليسر والسهولة التقاليب العقلية المحتملة في الثلاثي غير المضعف، وجميع ما نقلناه عن ابن جني صورة واضحة عنها يحتذى على مثالها.
стр. 196
على أنهما لاحظوا صورًا من القلب اللغوي فيما كان فوق الثلاثي، سواء أكان ثلاثيًّا مزيدًا، أم رباعيًّا مجردًا أو مزيدًا، أم خماسيًّا مما جرى على ألسنة العرب.
فمن القلب في مزيد الثلاثي: أذهب في مشيئته وأهبذ، وكلَّب الأسير وكبله، وأشفى على الأمر وأشاف عليه١.
ومن القلب في الرباعي ما لا يتصور فيه عقلًا إلّا تقلبيان فقط، وهو الرباعي المكرر أو المضاعف٢، ونحو: هجهجت السبع وجهجهت: صحت به وزجرته, دهدهت الشيء وهدهدته: حدرته من علو إلى سفل٤. بكبكت الشيء وكبكبته: طرحت بعضه على بعض٥.
ومن الرباعي المقلوب ما يتصور تقليبه على عشرين وجهًا كلها محتملة عقلًا, ولكن السماع فيه لم يرد إلّا في تقليبين شائعين, كثيرًا ما يرتدان إلى اختلاف اللهجات العربية، أو إلى تضارب الأخبار، وأحيانًا إلى تصحيف السمع، ونادرًا إلى تصحيف النظر.
فلو راجعت في اللسام مادة "رهسم" لرأيتها كمادة "رهمس", تفيد الإتيان بطرف من الحديث، دون الإفصاح بجميعه, ولكن إحدى المادتين -واختر أيتهما شئت- يمكن أن تنقسم عقلًا إلى هذه التقاليب العشرين التي ينقلب عن كلِّ حرف من حروفها الأربعة خمسة أوجه:
أ- فعن الراء تنقلب هذه الأوجه الخمسة: "ر س م هـ", "ر س هـ م", "ر م س هـ", "ر هـ س م", "ر هـ م س".
стр. 197
ب- وعن السين تنقلب هذه الأوجه الخمسة: "س ر م هـ", "س م هـ ر", "س ر هـ م", "س هـ م ر", "س هـ ر م".
ج- وعن الميم تنقلب هذه الأوجه الخمسة: "م ر س هـ", "م س ر هـ", "م ر هـ س", "م هـ ر س", "م هـ س ر".
د- وعن الهاء تنقلب أخيرًا هذه الأوجه الخمسة: "هـ ر س م", "هـ س ر م", "هـ م س ر", "هـ ر م س".
ولقد يدهشك ألا يتوارد في هذه التقاليب العشريين على معنًى مشترك إلّا التقليبان اللذان ذكرهما ابن منظور، ثم تزداد دهشتك إلّا إذا لم تستطع أن تضم منها إلى ثروتك اللغوية إلّا تقليبًا ثالثًا جرى به الاستعمال في غير المعنى العام الملموح في التقليبين السابقين: ألا وهو تقليب "س م هـ ر" ومنه الرماح السمهرية١.
ولكن القسمة العقليلة لمعرفة التقاليب المحتملة لمادة ما, ليست إلّا لغوًا وعبثًا، ولولا الرغبة في تبيان مفاسدها لما سوّدنا بياض هذا القرطاس بهذه التقاليب التي تشبه رموز الحساب, أو اصطلاحات المنطق، فهي بهذه كله أبعد المباحث عن منهج فقه اللغة الذي لا تدرس فيه إلا الحقائق والظواهر، لمعرفة ما وراءها من الخصائص والأسرار. ولقد قال مييه "Meillet" في أمثال هذه المباحث وأصاب: "إنها من بين أبحاث علم اللسان كافة أدقها وأقلها يقينًا، ومن ثَمَّ كثير فيها عبث الهواة"٢.
ومن التقليب في مزيد الرباعي: اضمحلَّ الشي وامضحلَّ، والسحاب المكفهر والمكرهف، وتبرقط الرجل على قفاه وتقرطب٣.
стр. 198
أما القلب في الخماسي فلَم تعرفه العرب إلّا على ندرة، كما ورد في الشعر خاصة "زبردج" بدلًا من "زبرجد"١.
وفي جميع أنواع القلب التي رأيناها، توشك التقاليب الثنائية أن تستأثر بالنصيب الأكبر من المواد ثلاثية ورباعية، مجردة ومزيدة، وخماسية أيضًا. ففي كلٍّ من الثلاثي والرباعي المضعَّفين لا يتصور عقلًا إلّا تقليبان، وفي الرباعي غير المضاعف قلَّمَا يستعمل في تقاليبه العشرين المحتملة أكثر من تقليبين، أما الثلاثي غير المضعف، فعلى أنه كثيرًا ما يقلب على وجه الستة كما فعل ابن جني، لا تكفي الشواهد التي مثَّل بها عليه للقطع باستعمال وجوهه جميعًا، ولا لاستنباطٍ جامعٍ واحد مشترك بينها لو كتب لها جميعًا أن تستعمل, وما أكثر ما يقلب الاشتقايون مادة ثلاثية على وجوهها العقلية الستة، ثم يستثنون وجهًا واحدًا منها, ويقولون: مهمل أو ممات, وقد يستعيضون عنه بوجه يقاربه بعد إبدال حرف فيه أو أكثر بما يماثله صفة أو مخرجًا، وأقرب مثال يشهد لهذا, ما ذكره ابن جني في تقليب "س م م" من استبدال "ن س م" بـ"ل س م"، والنون أخت اللام كما قال٢.
وربما استثنتوا من الوجوه الستة أكثر من تقليب، فلا يذكر لنا الاشتقاقيون في المادة الثلاثية إلّا أربعة تقاليب مستعملة, وأحيانًا ثلاثة فقط؛ وأكثر صنعيهم على الاكتفاء بتقليبين لم يجر الاستعمال بغيرهما إذا لوحظ وقوعهما على مدلول واحد مشترك, ولا بأس في أن نمثَّل لهذه الحال الأخيرة، لأهميتها وقيمتها الخاصة، بالشواهد التالية:
يقولون: طمس الطريق وطسم: درس، مَحُتَ يومنا وحَمُت: اشتد حره, تَبَلْتُ الشيء وبَلَتُّه: قطعته, شاءني الأمر وشآني: حزنني.
стр. 199
غرس الشيء ورغسه: زرعه, وما أكثر ما يقال في طائفة من هذه الأمثلة: هذه اللفظة لغة لقبيلة من العرب، وتلك لغة١، كأنما يود اللغويون لو يردون هذه التقليبات الثنائية إلى اختلاف لهجات العرب.
فإن يك في وسعنا أن نرجع بالكثير من هذه التقاليب إلى ضربٍ من اختلاف اللهجات، وقد تحدثنا عنها فأطلنا الحديث٢، فهل نحكم على القلب اللغوي بقلة الجدوى؟ وهل نرى كل ما في الاشتقاق الكبير من عبث الهواة؟ وهل نعرض عن هذا اللون من البحث اللغوي الممتنع؛ لأنه لا يطَّرِد ولا ينقاد؟
لقد تساءل ابن جني هذا التساؤل كله، وأجاب عنه فأحسن الجواب إذ قال: "على أن هذا وإن لم يطرد ويَنْقَدْ في كل أصل، فالعذر على كل حال فيه أبين منه في الأصل الواحد من غير تقيلب لشيء من حروفه، فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد من أن تنظمه قضية الاشتقاق، كان فيما تقلبت أصوله "فاؤه وعينه ولامه" أسهل، والمعذرة فيه أوضح.
وعلى أنك إن أنعمت النظر ولاطفته، وتركت الضجر وتحاميته، لم تكد تعدم قرب بعض من بعض، وإذا تأملت ذاك وجدته بإذن الله! "٣.
فمع هذا التحفظ, ومع هذا الحذر من الوقوع في التكلف, يظل بحث الاشتقاق الكبير -كما قال آدم متز: يؤتي ثمره إلى اليوم، حتى ليمكن القول: إن لغويي العرب لم يعرفوا إنتاجًا أعظم منه٤!
стр. 200
الاشتقاق الأكبر:
إن كل تكلف ارتكبه اللغويون في باب الاشتقاق بقسيمه السابقين: الأصغر والكبير، لا يعد شيئًَا إذا قيس بما اضطروا إلى ارتكابه لدى كل خطوة فيما سموه بالاشتقاق الأكبر.
إنهم هنا لا يواجهون مادةً تدل بترتيبها نفسه على معنًى، ولا يخالفون في ترتيبها فيقلبونها على وجوهها المحتملة, وتظل مع ذلك هي بأحرفها وأصواتها، فيعتقدون باتحاد مدلولها أو تقاربه؛ وإنما يواجهون أول الأمر مادة، ويلاقون آخر الأمر مادةً جديدة، فيستبدلون الثانية بالأولى، ويستعيضون بأصوات الثانية عن أصوات الأولى، لأن المخارج متقاربة، أو الصفات متماثلة، ولأن أخا الصوت كأنه الصوت نفسه، فلا فرق بين الأصل والفرع، ولا بين الصوت وصداه، فلك أن تتصور مدى التكلف الذي يقع فيه الاشتقاقيون عندما يؤكدون في مثل هذا الاشتقاق الأكبر أن الصورة "البدلية" لا بد أن تعوض الصورة "الأصلية" في مدلولها وإيحائها، مثلما عوضتها في صوتها وصداها؛ لأن المناسبة الطبيعية التي حملت الواضع على أن يضع لفظة "ع ص ر" لإفادة معنى الحبس، هي التي حملته أيضًا على أن يعبر عن المدلول نفسه بلفظ "أزل"، فالعين أخت الهمزة، والصاد أخت الزاي، والراء أخت اللام١.
ولقد اصطلحوا على أن الاشتقاق هو ارتباط بعض المجموعات الثلاثية الصوتية ببعض المعاني ارتباطًا عامًّا لا يتقيد بالأصوات نفسها, بل بترتبيها الأصلي والنوع الذي تندرج تحته, وحينئذ، متى وردت إحدى تلك المجموعات الصوتية على ترتيبها الأصلي فلا بد أن تفيد الرابطة
стр. 201
المعنوية المشتركة، سواء أحتفظت بأصواتها نفسها أم استعاضت عن هذه الأصوات أو بعضها بحروف أخر تقارب مخرجها الصوتي, أو تتحد معها في جميع الصفات.
من ذلك تناوب اللام والراء في هديل الحمام وهديره، والقاف والكاف في كشط الجلد وقشطته، والباء والميم في كبحت الفرس وكمحته.. وهذه الأمثلة كلها في تقارب المخرج الصوتي.
ومن الأمثلة على الاتفاق في الصفات: تناوب الصاد والسين في سقر وصقر، وسراط وصراط، وساطع، وصاطع، ومسقع ومصقع، وهكذا.
وابن جني قد أورد في باب "تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني" كثيرًا من الأمثلة المتلعقة بهذا الضرب من الاشتقاق, وقال فيه: "وهذا باب واسع، من ذلك قوله الله سبحانه: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ أي: تزعجهم وتقلقهم، فهذا في معنى تهزهم هزًّا، والهمزة أخت الهاء, فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين، وكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة لأنها أقوى من الهاء، وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهز؛ لأنك قد تهزّ ما لا بال له؛ كالجذع وساق الشجرة ونحو ذلك، ومنه العسف والأسف، والعين أخت الهمزة؛ فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين, ومنه القَرْمة وهي الفقرة تُحز على أنف البعير، وقريب منه قلمت أظفاري؛ لأن هذا انتقاص للظفر، وذلك انتقاص للجلد، فالراء أخت اللام، والعملان متقاربان، وعليه قالوا فيه الجَرْفَة وهي من "ج ر ف", وقريب منه الجَنَفَ وهو الميل، وإذا جلفت الشيء أو جرفته, فقد أملته عما كان عليه، وهذا من "ج ن ف"١.
стр. 202
وربما لا يكون في هذه الأمثلة تعسف في التطبيق وإيغالٌ في التعليل، ولكن التعسف يظهر أشد ما يكون بعدًا عن المنطق في مثل قول ابن جني: "نعم وتجاوزوا ذلك إلى أن ضارعوا بالأصول الثلاثة الفاء والعين واللام، فقالوا: عصر الشيء، وقالوا: أزاله إذا حبسه، والعصر ضرب من الحبس، وذلك من "ع ص ر", وهذا من "أزل" والعين أخت الهمزة، والصاد أخت الزاي, والراء أخت اللام، وقالوا: الأزم: المنع، والعصب: الشد، فالمعنيان متقاربان، والهمزة أخت العين، والزاي أخت الصاد، والميم أخت الباء، وذاك من "أز م", وهذا من "ع ص ب", وقالوا: السلب والصرف، وإذا سلب الشيء فقد صرف عن وجهه، فذاك من " س ل ب", وهذا من "ص ر ف", والسين أخت الصاد، واللام أخت الراء، والباء أخت الفاء، قالوا: الغدر كما قالوا: الخَتْل، والمعنيان متقاربان, واللفظان متراسلان، فذاك من "غ د ر" وهذا من "خ ت ل" فالغين أخت الخاء، والدال أخت التاء، والراء أخت اللام، وقالوا: زأر, كما قالوا: سعل، لتقارب اللفظ والمعنى.... إلخ"١
وإذا كان الاشتقاق الكبير يقوم على القلب، فمن الواضح أن الاشتقاق الأكبر يقوم على الإبدال، ولقد أدرك لغويو العرب إمكان وقوع الإبدال مثلما تصوروا إمكان وقوع القلب، وأنشئوا يلتمسون الشواهد على تماثل المعنى بين الصورتين المبدلة والمبدل منها، وانطلقوا يؤكدون أن "من سنن العرب إبدال الحروف وإقامة بعضها مقام بعض، ويقولون: مدحه ومدهه، وفرس رفل ورفن، وهو ثكير مشهور قد ألَّفَ فيه العلماء"٢.
وإن أدنى ملابسة لتكفي ليربط القدماء بين الصورتين، إذا بدل لهم أنهما اشتركتا في معنى متقارب، مع أن كثيرًا من هذا التقارب لا يزيد
стр. 203
عن الترادف تارةً، والاشتراك تارةً أخرى, ومن العجيب أن ابن السكيت مثلًا في "القلب والإبدال" لم يذكر في الثلاث مئة كلمة التي اشتملت عليها رسالته إلّا القليل مما يكمن أن يُفَسَّر بظاهرة الإبدال تفسيرًا صريحًا، وسائر ما استشهد به بعد ذلك لم يختلف لفظه إلّا في حرف واحد، كالنون واللام في "التهتان" و"التهتال" وكلاهما يعين سقوط المطر.
أما المحدثون فلهم في هذا الاشتقاق الأكبر رأي جريء يردّون في ضوئه أكثر صور الإبدال إلى ضرب من التطور الصوتي الذي يدخل أحيانًا في اختلاف اللهجات, قال الدكتور إبراهيم أنيس: "حين نستعرض تلك الكلمات التي فسرت على أنها من الإبدال حينًا، أو من تباين اللهجات حينًا آخر، لا نشك لحظة في أنها جميعًا نتيجة التطور الصوتي، أي: أن الكلمة ذات المعنى الواحد حين تروي لها المعاجم صورتين أو نطقين، ويكون الاختلاف بين الصورتين لا يجاوز حرفًا من حروفها, نستطيع أن نفسِّرَها على أن إحدى الصورتين هي الأصل, والأخرى فرع لها أو تطور عنها, غير أنه في كل حالة يشترط أن نلحظ العلاقة الصوتية بين الحرفين المبدل والمبدل منه"١.
ورأي المحدثين -على جراءته- أسلم اتجاهًا، وأصحُّ نتيجة، من رأي تلك الطائفة من المتقدمين الذين ذهبوا إلى إكثار العرب من الإبدال كأنه سنة أو عادة، وكأن النطقين المختلفين عندهم متساويان يوضع أحدهما مكان الآخر، وكأنهم يتعمدون هذا الإبدال إعجابًا به، وتفننا فيه.
على أننا لم نعدم بين المتقدمين من كان يرد كثيرًا من صور الإبدال إلى اختلاف اللهجات، مؤكدًا أن العرب لا تتعمد تعويض حرف من
стр. 204
حرف، "وإنما هي لغات مختلفة لمعانٍ متفقة؛ تتقارب اللفظتان في حرفٍ لمعنًى واحد، حتى لا يختلفا إلّا في حرف واحد"١.
وعندما تحدثنا عن اختلاف اللهجات، ذكرنا كثيرًا من الأصوات التي تباين أداؤها بين قبائل العرب ولا سيما قريش وتميم؛ كالثاء والفاء في لثام ولفام، والظاء والضاد, في فاضت نفسه وفاظت، والسين والصاد في السمخ والصمخ، والقاف والكاف في قشطت وكشطت، والجيم والياء في صهريج وصهريّ٢، فلا يعقل أن يشترك العرب في شيء من ذلك؛ إنما يقول هذا قوم وذاك آخرون٣.
ومما يدل على أن هذه الأحرف لهجات مختلفة ما رواه اللحياني ٤ قال: قلت لأعرابيّ: أتقول مثل حَنَك الغراب أو مثل حلَكه؟ فقال: لا أقول مثل حَلَكه! ٥
وقال البَطَلْيَوْسي٦ في شرح الفصيح: قال أبو بكر بن دريد، قال أبو حاتم٧: قلت لأم الهيثم: كيف تقولين؟ أشد سوادًا مماذا؟
قالت: من حلََك الغراب, قلت: أفتقولينها من حنك الغراب؟
فقالت: لا أقولها أبدًا٨!
стр. 205
وليست قصة الاختلاف في الصقر والسقر والزقر عنا ببعيد١, ولا تقل عنها طرافة قصة إمام الصرفيين أبي عثمان المازني٢ مع الخليفة الواثق بالله حين غَنَّت جارية بحضرته بقول العَرْجِيّ:
أظلومُ إن مُصابكم رجلًا ... أهدى السلام تحيةً ظلمُ
فاختلف من كان بالحضرة في إعراب "رجلًا" فمنهم من نصبه ومنهم من رفعه، والجارية مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب, فأمر الواثق بإشخاصه. وقال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن, قال: أي الموازن؛ أمازن تميم, أم مازن قيس, أم مازن ربيعة؟ قلت: مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي, وقال: "با اسمك"؟ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميمًا! قال: فكرهت أن أجيبه على لغة قومي كيلا أواجهه بالمكر! فقلت: بكر يا أمير المؤمنين, ففطن لما قصدته وأعجب به٣.
فهذه الأمثلة كلها -على أنها من تنوع اللهجات- مرَّت بمراحل طويلة حتى تطورت فيها الأصوات، وتأثر بعضها ببعض، بسبب التجاور والتقارب في صفاتها ومخارجها.
لكن الطريف في الأمر أنّ في الأمثلة المحفوظة عن الإبدال اللغوي ما تباعدت فيه الأحرف المبدلة صفة ومخرجًا، حتى قال العلماء: "قَلَّمَا تجد حرفًا إلّا وقد وقع فيه البدل، ولو نادرًا"٤.
стр. 206
ولذلك حرص العلماء على التفرقة بين الإبدال اللغوي والإبدال الصرفيّ، ففي الصرف حروف معينة يقع فيها الإبدال، لكن اللغة حين استقرئت وجمعت نصوها وأخبارها لم يقتصر الإبدال فيها على ما سنَّه الصرفيون فيما بعد من قواعد التبديل والتعويض، بل اشتملت على ظواهر مدهشة, أحيانًا أبدل فيها حرف من حرف من غير أن يتماثلا أو يتقاربا في الصفة أو المخرج، قال أبو علي القالي: "اللغويون يذهبون إلى أن جميع ما أمليناه إبدال، وليس هو كذلك عند علماء أهل النحو، وإنما حروف الإبدال عندهم اثنا عشر حرفًا، تسعة من الزوائد، وثلاثة من غيرها.
فأما حروف الزوائد فيجمعها قولنا: "اليوم تنساه" وهذا عمله أبو عثمان المازني، وأما حروف البدل فيجمعها قولنا: "طال يوم أنجدته" وهذا أنا علمته١.
ولقد لخص بعض العلماء المحدثين العلاقات التي تسوغ الإبدال اللغوي بين الحروف، على طريقة الاشتقاق الأكبر، فرآها لا تخرج عَمَّا يلي:
١- التماثل: وهو أن يتحد الحرفان مخرجًا وصفة؛ كالبائين، والتائين، والثائين.
٢- التجانس: وهو أن يتفق الحرفان مخرجًا ويختلفا صفة؛ كالدال، والطاء٢.
٣ التقارب.
أ- أن يتقارب الحرفان مخرجًا ويتحدا صفة؛ كالحاء والهاء.
стр. 207
ب- أن يتقارب الحرفان مخرجًا وصفة؛ كاللام والراء.
ج- أن يتقارب الحرفان مخرجًا، ويتباعدا صفة؛ كالدال والسين.
د- أن يتقارب الحرفان صفة ويتباعدا مخرجًا؛ كالشين والسين.
٤- التباعد:
أ- أن يتباعد الحرفان مخرجًا ويتحدا صفة؛ كالنون والميم.
ب- أن يتباعد الحرفان مخرجًا وصفة؛ كالميم والضاد١.
وكان لزامًا على العلماء أن يضعوا حدودًا فاصلة بين التقارب والتباعد لأنهما ضدان متقابلان، مع أن الإبدال يقع فيهما كليهما على سواء, فلاحظوا أن التقارب في المخرج لا يكون إلّا في عضو واحد من أعضاء النطق، من غير أن يكون بين الحرفين فاصل؛ كالهمزة من أقصى الحلق، والعين من وسطه, أما التباعد في المخرج فيكون على حالتين:
إحداهما خروج الحرفين من عضو واحد، مع أن بينهم فاصلًا؛ كالهمزة من أقصى الحلق، والخاء من أدناه، فالفاصل بينهما وسط الحلق؛ والثانية خروج الحرفين من عضوين مختلفين؛ كالعين من وسط الحلق؛ والثانية خروج الحرفين من عضوين مختلفين؛ كالعين من وسط الحلق، والجيم من وسط اللسان, ولم يشترطوا للتقارب في الصفة إلّا اتحاد الحرفين في أكثر الصفات؛ كالنون والراء, لذلك يقال في الحرفين اللذين لم يتحدا في أكثر الصفات: إنهما متباعدان صفة٢٢.
وبين هذه العلاقات الأربع التي تسوِّغ الإبدال ما يبدو بديهيًّا, حتى ليعجب الباحث من التصريح به، وذلك ما نجده في حال التماثل، فمن ذا الذي ينكر أن البائين مثلًا تحل إحداهما مكان الأخرى بعد أن اتحدتا صفة ومخرجًا؟
стр. 208
وبين هذه العلاقات ما يبدو منطقيًّا مقبولًا، كما في حال التجانس, فقد لوحظ فيها الأمر الأهم، وهو اتفاق المخرج، أما اختلاف الصفة فليس بذي بالٍ؛ لأن المعوّل في معرفة نوع الصوت ودرجة إيقاعه على العضو الذي خرج منه من بين أعضاء جهاز النطق، وليس على الطريقة أو الكيفية التي تَمَّ بها انطلاق هذا الصوت، فالدال والتاء حرفان نطيعان، كلاهما يخرج من سقف غار الحنك الأعلى, المسمى بـ"النطع", فهما إذًا متجانسان، وعلى هذا المعوّل، فلا ضير بعد هذا أن توصف الطاء بالإطباق والاستعلاء، وهما صفتان قويتان، بينما توصف الدال بالصفتين المضادتين الضعيفتين: الانفتاح والاستفال.
لكن بين هذه العلاقات المسوغة للإبدال ما لا يبدو منطقيًّا قط، بل يمكن القول فيه: إنه مضطرب تارةً، متناقض تارةً أخرى.
والاضطراب واضح في بعض حالات "التقارب"، حين يلحظ في هذا "التقارب" مفهوم التباعد, فإن لم يكن لنا مأخذ على الحالين الأولين من حالات التقارب, حين يتقارب الحرفان مخرجًا ويتحدان صفة، وحين يتقاربان مخرجًا وصفة، ليكوننَّ مأخذنا الأول على الحال الثالثة التي يتقارب فيها الحرفان مخرجًا، ولكن يتباعدان صفة؛ كالدال والسين، ومأخذنا على هذه الحال ليس بالشديد؛ لأن التباعد لم يكن في "المخرج" المعوّل عليه، بل في الصفة, ثم ليكوننَّ لنا مأخذ أشد على الحال الرابعة التي يتقارب فيها الحرفان صفة، ولكن يتباعدان في الأمر الأهم, وهو المخرج؛ كالشين والسين، فما ندري كيف أدرجوا مفهوم التباعد في مفهوم التقارب, وكيف جمعوا بين النقيضين وسموهما مع ذلك باسم واحد، وكيف طوّعت لهم أنفسهم أن يبدلوا حرفًا بحرف وقد اختلف مخرجاهما, فانطلق كلٌّ منهما من مكانٍ بعيد عن المكان الذي خرج منه الآخر!
أين تذهب إذن تلك القيمة التعبيرية والموحية للحرف العربي؟ وإذا
стр. 209
اكتشفت هذه القيمة في الصوتين "التوأمين" الخارجين من مكان واحد، فأنى تكشف في الصوتين "الغريبين" اللذين خرجا مخرجين متباعدين، ثم أحدثا إيقاعين متباينين؟!
وهذا الاضطراب فيما سموه علاقة "التقارب", ليس شيئًا يذكر إذا قارنه بالتناقض الصريح الذي لا سبيل إلى دفعه فيما سموه علاقة "التباعد"، وعدُّوه -رغم اسمه هذا- من مسوغات الإبدال بين الحروف!
وفي الحالتين اللتين أوضحوهما في علاقة "التباعد" يبدو التناقض صريحًا، وإن كان في الحال الثانية منهما بالغًا أشده، ففي الأولى يتحد الحرفان صفة، لكنهما يتباعدان مخرجًا؛ كالنون والميم، أما في الثانية فيتباعدان في كلا الأمرين: المخرج والصفة؛ كالميم والضاد، فأين مسوّغات الإبدال بعد هذا كله؟ ولم هذا التكلف كله في التماس الحالات النادرة التي لا يكاد العقل يتصور إمكان وقوعها في اللغة الواحدة، والبيئة الواحدة؟
إن لأنصار الاشتقاق الأكبر المولعين بصور الإبدال فيه, أن يدافعوا عن وجهة نظرهم بقولهم: إنهم في قضايا الإبدال ليسوا نقلةً أمناء، تقصوا الأحرف التي أبدل بعضها مكان بعض، فلم يجدوها متجانسة دائمًا، ولا متقاربة دائمًا، بل وقعوا فيها على أحرف محفوظ فيها الإبدال, وهي مع ذلك متباعدة المخارج حينًا، متباعدة الصفات حينًا آخر، فما كانوا ليكتموا ما عرفوه، وما زادوا على أن نقلوا هذا وبينوه, وإن الباحث ليميل إلى تَقَبُّل هذا الدفاع حين يرى طائفة من الشواهد المتضافرة على وقوع الإبدال حقًّا بين الأحرف المتباعدة صفة أو مخرجًا.
ولو تتبعنا مسوغات الإبدال في حروف المعجم العربي على ترتيبها لوجدنا علاقة التقارب أكثر من تلك المسوغات, أما التجانس والتباعد
стр. 210
فقليلان نادران، وإن كانا يتفاوتان بين حرف وآخر.
فمن أمثلة الإبدال المحفوظة في الهمزة أربع صور من التقارب: مع العين، والقاف، والواو، والياء؛ فقد عاقبت الهمزة العين في قولهم: آديته على كذا وأعديته: قويته وأعنته١, وموت ذؤاف وذعاف، وهو الذي يجعل القتل٢. وعاقبت الهمزة القاف في قولهم: القوم زهاق مئة وزهاء مئة، بضم الزاي وكسرها فيهما، بمعنى واحد٣. وعاقبت الهمزة الياء في الرجل الألمعي واليلمعي, وهو الظريف٥، وفي العود الألنجوج واليلنجوج, وهو الذي يُتَبَخَّرُ به٦, وفي أسنانة ألل ويلل, إذا كان فيها إقبال على باطن الفم٧.
أما التجانس فله في الهمزة صورة مع الهاء، فقد عاقبت الهمزة الهاء في أيا وهيا، واتمأل السنام واتمهل إذا انتصب، وأرقت الماء وهرقته٨.
وأما التباعد فله في الهمزة صورة مع الغين، مع أن كلًّا منهما حرف حلقي، لكنهما متباعدان مخرجًا وصفة٩، كالمأص والمغص من
стр. 211
الإبل: البيض اللواتي قد فارقت الكوم١.
والياء أبدلوها ميمًا، فكان في هذا الإبدال تجانس؛ كقولهم: هو يرمي من كثب ومن كثم, أي: من قرب وتمكُّن. وضربة لازم ولازب, وأدهقت الكأس إلى أصبارها وأصمارها: إذا ملأتها إلى رأسها٢.
وأبدلوا الباء حاءً وفاءًَ، فكان في هذا الإبدال تباعد, يقال للناس والدواب إذا مروا يمشون مشيًا ضعيفًا: مروا يدبون دبيبًا, ويدحون دحيحًا٣. وجب القلب ووجف: خفق واضطرب. هبت الريح وهفت: ثارت وهاجت٤.
والتاء أبدلوها دالًا وطاءً، فتجانس المبدل والمبدل منه, نحو: قرت الدم وقرد الإثمد إذا جمدا٥، والأقطار والأقتار: النواحي٦.
لكنهم أبدلوها على تباعد في المخارج والصفات سينًا وفاء وواوًا, فقالوا: النات والناس والأكياس والأكيات٧، وقالوا: محتد كل شيء ومحفدة: أصله٨، وقالوا: التكلان، والتراث، والتخمة، والتقوى وتترى، والتليد، والتلاد؛ أصلها من وكلت، وورثت، والوخامة، والوقاية، والمواترة، والولادة ٩.
стр. 212
والثاء أبدلوهها ذالًا، فتجانس الحرفان، نحو: ثروة وذورة: مال١، وأبدلوها فاء، فتقارب صفة وتباعدا مخرجًا، نحو: ثلغ رأسه وفلغه: إذا شدخه، والحُثَالة والحُفَالة: الرديء من كل شيء، والثوم والقوم، واللثام واللفام، والأثاثي والأثافي٢. وقد سبق أن نبهنا على أن هذا الاختلاف في نطق الثاء والفاء يرتَّد إلى ضربٍ من تباين اللهجات، ولا سيما بين الحجاز وتميم٣. وسنرى تقاربها مع السين ولو تباعدا مخرجًا.
والجيم الشَّجْرية أبدلوها على تجانس بالشين والياء الشجريتين، وعلى تقارب في الصفة وتباعد في المخرج بالكاف والميم، وعلى تباعدٍ مخرجًا وصفة بالحاء.
فمن التجانس بين الجيم والشين: الأجدر والأشدر٤، وبين الجيم والياء: شجرة وشيرة٥.
ومن التقارب بين الجيم والكاف: جمل وكمل٦، وبين الجيم والميم: جرن على الأمر جرنًا, ومرن عليه مرونًا ومرانة: تعوده٧.
ومن التباعد بين الجيم والحاء قول الأصمعي: تركت فلانًا يجوس بني فلان ويحوسهم: إذا كان يدوسهم ويطلب فيهم, وقد سمع المازني أبا سرار الغَنَويّ يقرأ: "فحاسوا خلال الديار" فقال له: إنما هو
стр. 213
جاسوا، قال الغنوي: جاسوا وحاسوا واحد١. ويلاحظ في مثل هذا إمكان وقوع التصحيف، وإمكان القول بالترادف الحقيقي٢.
والحاء أبدلوها خاء وههاء وكافًا على تقارب، وأبدلوها عينًا على تجانس، ولامًا على تباعد، ورأينا آنفًا الإبدال بينها وبين الباء والجيم على تباعد أيضًا.
فمن التقارب بين الحاء والخاء: الطحرور والطخرور للسحابة، واطمحرّ واطمخرّ: امتلأ وروي٣، وبين الحاء والهاء: مدحت الرجل ومدهته.
قال النعمان بن المنذر لرجل ذكر عنده رجلًا: "أردت كيما تذيمه فمدهته" أي: تعيبه فمدحته٤، وبين الحاء والكاف: سفح ما في إنائه وسفكه، وسفح دمه وسفكه٥.
ومن التجانس بين الحاء والعين أنهم قالوا: تجعَّد كما قالوا: شحط، وذلك أن الشيء إذا تجعد وتقبض عن غيره شحط وبعد عنه, ومنه قول الأعشى:
إذا نزل الحيّ حلَّ الجحيـ ... ـش شقيًّا غويًّا مبينًا غيورًا
وذاك من تركيب " ج ع د", وهذا من تركيب "ش ح ط", والعين أخت الحاء٦.
стр. 214
ومن التباعد بين الحاء واللام قولهم: انداح بطنه واندال: عظم واسترسل١.
والحاء أبدلوها هاء على تقارب، وجيمًا على تباعد، فقالوا: اطرخم واطرهم: إذا كان طويلًا مشرفًا٢، وخلع وجلع: ذهب حياؤه٣.
والدال جانسوا في إبدالها تاء وطاء، وقاربوا في إبدالها باء وذالًا، وباعدوا في إبدالها لامًا.
فمن التجانس بين الدال والتاء ما سبق ذكره من قرد الإثمد وقرت الدم ذا جمدا٤، وبين الدال والطاء قولهم: مد الحرف ومطه بمعنى واحد٥، والإبعاد والإبعاط، وما له عليَّ إلا هذا فَقَدْ، وإلا هذا فقط٦.
ومن المقارنة بين الدال والباء: قاد قوسين وقاب قوسين٧، وبين الدال والذال: ادرعفَّت الإبل واذرعفت: إذا أسرعت، والدحداح والذحذاح: القصير٨.
أما المباعدة بين الدال واللام ففي مثل قولهم: معده ومعله: إذا
стр. 215
اختلسه١، قال الشاعر:
إني إذا ما الأمر كان معلًا ... وأوخفت أيدي الرجال الغسلا٢
وقال الآخر:
أخشى عليها طيئًا وأسدًا ... وخاربين خربا ومعدا٣
والذال جانسوا في إبدالها ثاء كما رأينا في الثروة والذروة، وجانسوا أيضًا في إبدالها ظاء في قولهم: تركته وقيذًا ووقيظًا٤، وقاربوا في إبدالها دالًا، على نحو ما استشهدنا بالذحذاح والدحداح، والأمثلة الأخرى.
والراء قاربوا في إبدالها لامًا وميمًا ونونًا، وباعدوا في إبدالها دالًا وسينًا.
فمن تقاربها مع اللام: جبر وجبل، وكلاهما يفيد الالتئام والتماسك، ومنه جبرت العظم ونحوه: قويته٥، والجبل لشدته وقوته٦.
ومن تقاربها مع الميم وصفهم الشيخ المسن بالقحر والقحم٧.
ومن تقاربها مع النون جرف وجنف، وفي كليهما معنى الميل إلى الشيء٨.