الإبل: البيض اللواتي قد فارقت الكوم١.
والياء أبدلوها ميمًا، فكان في هذا الإبدال تجانس؛ كقولهم: هو يرمي من كثب ومن كثم, أي: من قرب وتمكُّن. وضربة لازم ولازب, وأدهقت الكأس إلى أصبارها وأصمارها: إذا ملأتها إلى رأسها٢.
وأبدلوا الباء حاءً وفاءًَ، فكان في هذا الإبدال تباعد, يقال للناس والدواب إذا مروا يمشون مشيًا ضعيفًا: مروا يدبون دبيبًا, ويدحون دحيحًا٣. وجب القلب ووجف: خفق واضطرب. هبت الريح وهفت: ثارت وهاجت٤.
والتاء أبدلوها دالًا وطاءً، فتجانس المبدل والمبدل منه, نحو: قرت الدم وقرد الإثمد إذا جمدا٥، والأقطار والأقتار: النواحي٦.
لكنهم أبدلوها على تباعد في المخارج والصفات سينًا وفاء وواوًا, فقالوا: النات والناس والأكياس والأكيات٧، وقالوا: محتد كل شيء ومحفدة: أصله٨، وقالوا: التكلان، والتراث، والتخمة، والتقوى وتترى، والتليد، والتلاد؛ أصلها من وكلت، وورثت، والوخامة، والوقاية، والمواترة، والولادة ٩.
стр. 212
والثاء أبدلوهها ذالًا، فتجانس الحرفان، نحو: ثروة وذورة: مال١، وأبدلوها فاء، فتقارب صفة وتباعدا مخرجًا، نحو: ثلغ رأسه وفلغه: إذا شدخه، والحُثَالة والحُفَالة: الرديء من كل شيء، والثوم والقوم، واللثام واللفام، والأثاثي والأثافي٢. وقد سبق أن نبهنا على أن هذا الاختلاف في نطق الثاء والفاء يرتَّد إلى ضربٍ من تباين اللهجات، ولا سيما بين الحجاز وتميم٣. وسنرى تقاربها مع السين ولو تباعدا مخرجًا.
والجيم الشَّجْرية أبدلوها على تجانس بالشين والياء الشجريتين، وعلى تقارب في الصفة وتباعد في المخرج بالكاف والميم، وعلى تباعدٍ مخرجًا وصفة بالحاء.
فمن التجانس بين الجيم والشين: الأجدر والأشدر٤، وبين الجيم والياء: شجرة وشيرة٥.
ومن التقارب بين الجيم والكاف: جمل وكمل٦، وبين الجيم والميم: جرن على الأمر جرنًا, ومرن عليه مرونًا ومرانة: تعوده٧.
ومن التباعد بين الجيم والحاء قول الأصمعي: تركت فلانًا يجوس بني فلان ويحوسهم: إذا كان يدوسهم ويطلب فيهم, وقد سمع المازني أبا سرار الغَنَويّ يقرأ: "فحاسوا خلال الديار" فقال له: إنما هو
стр. 213
جاسوا، قال الغنوي: جاسوا وحاسوا واحد١. ويلاحظ في مثل هذا إمكان وقوع التصحيف، وإمكان القول بالترادف الحقيقي٢.
والحاء أبدلوها خاء وههاء وكافًا على تقارب، وأبدلوها عينًا على تجانس، ولامًا على تباعد، ورأينا آنفًا الإبدال بينها وبين الباء والجيم على تباعد أيضًا.
فمن التقارب بين الحاء والخاء: الطحرور والطخرور للسحابة، واطمحرّ واطمخرّ: امتلأ وروي٣، وبين الحاء والهاء: مدحت الرجل ومدهته.
قال النعمان بن المنذر لرجل ذكر عنده رجلًا: "أردت كيما تذيمه فمدهته" أي: تعيبه فمدحته٤، وبين الحاء والكاف: سفح ما في إنائه وسفكه، وسفح دمه وسفكه٥.
ومن التجانس بين الحاء والعين أنهم قالوا: تجعَّد كما قالوا: شحط، وذلك أن الشيء إذا تجعد وتقبض عن غيره شحط وبعد عنه, ومنه قول الأعشى:
إذا نزل الحيّ حلَّ الجحيـ ... ـش شقيًّا غويًّا مبينًا غيورًا
وذاك من تركيب " ج ع د", وهذا من تركيب "ش ح ط", والعين أخت الحاء٦.
стр. 214
ومن التباعد بين الحاء واللام قولهم: انداح بطنه واندال: عظم واسترسل١.
والحاء أبدلوها هاء على تقارب، وجيمًا على تباعد، فقالوا: اطرخم واطرهم: إذا كان طويلًا مشرفًا٢، وخلع وجلع: ذهب حياؤه٣.
والدال جانسوا في إبدالها تاء وطاء، وقاربوا في إبدالها باء وذالًا، وباعدوا في إبدالها لامًا.
فمن التجانس بين الدال والتاء ما سبق ذكره من قرد الإثمد وقرت الدم ذا جمدا٤، وبين الدال والطاء قولهم: مد الحرف ومطه بمعنى واحد٥، والإبعاد والإبعاط، وما له عليَّ إلا هذا فَقَدْ، وإلا هذا فقط٦.
ومن المقارنة بين الدال والباء: قاد قوسين وقاب قوسين٧، وبين الدال والذال: ادرعفَّت الإبل واذرعفت: إذا أسرعت، والدحداح والذحذاح: القصير٨.
أما المباعدة بين الدال واللام ففي مثل قولهم: معده ومعله: إذا
стр. 215
اختلسه١، قال الشاعر:
إني إذا ما الأمر كان معلًا ... وأوخفت أيدي الرجال الغسلا٢
وقال الآخر:
أخشى عليها طيئًا وأسدًا ... وخاربين خربا ومعدا٣
والذال جانسوا في إبدالها ثاء كما رأينا في الثروة والذروة، وجانسوا أيضًا في إبدالها ظاء في قولهم: تركته وقيذًا ووقيظًا٤، وقاربوا في إبدالها دالًا، على نحو ما استشهدنا بالذحذاح والدحداح، والأمثلة الأخرى.
والراء قاربوا في إبدالها لامًا وميمًا ونونًا، وباعدوا في إبدالها دالًا وسينًا.
فمن تقاربها مع اللام: جبر وجبل، وكلاهما يفيد الالتئام والتماسك، ومنه جبرت العظم ونحوه: قويته٥، والجبل لشدته وقوته٦.
ومن تقاربها مع الميم وصفهم الشيخ المسن بالقحر والقحم٧.
ومن تقاربها مع النون جرف وجنف، وفي كليهما معنى الميل إلى الشيء٨.
стр. 216
ومن التباعد في إبدال الراء دالًا عَكَدة اللسان وعكرته، وفي إبدالها سينًا الانغمار في الشيء، والانغماس في الماء١.
والزاي تجانست مع السين في المكان الشأز والشأس: الغليظ، وفي تزلع الجلد وتسلعه: تشققه٢، ومع الصاد في "العلز" الذي هو خفة وطيش وقلق يعرض للإنسان، "والعلوص" الذي هو وجع في الجوف يلتوي له الإنسان ويقلق منه، فذاك من "ع ل ز" وهذا من "ع ل ص"، والزاي أخت الصاد٣.
ولم يكن بين الزاي والذال إلا تقارب، في وصف الماء المالح بالزُّعاق والذُّعاق، ووصف السم بالزعاف والذعاف٤. ومن الواضح أن يبنهما تباعدًا في المخرج وإن تقاربا في الصفة.
والسين تجانست مع الزاي كما في المكان الشأس والشأز -وقد مر- ومع الصاد كما في قولهم: السحيل والصهيل. قال زهير:
كأن سحيله في كل فجر ... على أحساء يمؤود دعاء
وذاك من "س ح ل" وهذا من "ص هـ ل" والصاد أخت السين كما أن الهاء أخت الحاء٥.
وتباعدت السين عن الثاء والشين مخرجًا وإن قاربتهما صفة، في مثل قولهم: ساخت رجله في الأرض وثاخت: إذا دخلت، والوطس
стр. 217
والوطث: الضرب الشديد بالخف١، وفي مثل قولهم: حمس الشر وحمش: إذا اشتد، وسَئِفت يده وشئفت: إذا تشققت أصول أظفارها٢.
وتباعدت السين عن التاء مخرجًا وصفة كما رأينا في الناس والنات٣.
وقد نبهوا في إبدال السين صادًا على أنه موقوف على السماع، فكل سين وقعت بعدها عين أو غين أو خاء أو قاف أو طاء جاز فيها صادًا، مثل: يساقون ويصاقون، وصقر وسقر، وصخر وسخر: مصدر سخرت منه إذا هزأت، فأما الحجارة فبالصاد لا غير.
واشترطوا أن تكون السين متقدمة على هذه الحروف لا متأخرة بعدها، وأن تكون هذه الحروف مقاربة لها لا متباعدة عنها، وأن تكون السين هي الأصل، فإن كانت الصاد هي الأصل لم يجز قلبها سينًا؛ لأن الأضعف يقلب إلى الأقوى، ولا يقلب الأقوى إلى الأضعف٤.
والشين تقاربت مع الثاء والسين صفة، فأبدلوها بهما ولو تباعدت منهما مخرجًا. قالوا: نثر الحب: رمى به متفرقًا، ونشر الراعي غنمه: بثها٥. وقالوا: الغبش والغبس: السواد، ومنه: غبش الليل وأغبش، وغبس وأغبس٦. وقد نبهنا على تجانس الشين والجيم في مثل الأجدر والأشدر.
والصاد أبدلوها سينًا وزايًا على تجانس، نحو: ما كدت أتملص منه وأتملس وأتلمز٧: بمعنى أتحلص. لكنهم باعدوا في إبدالها تاء في مثل
стр. 218
اللص واللصت١، وطاء في مثل الناقة المملص والمملط٢، وضادًا في قولهم: رجع إلى صئصئه وضئضئه: وهو أصله٣، وياء في وصفهم الحجر الصلب بالأصر والأير٤.
والضاد أبدلوها ظاء على تقارب، ودالًا وذالًا على تباعد. فمن التقارب: فاضت نفسه وفاظت، وإن كان الخلاف في هذا يرتد غالبًا إلى اختلاف اللهجات٥. ومن التباعد: ربض في المكان وربد: أقام، ونبض العرق ونبذ: ضرب، وغمضه وغمطه: احتقره وازدراه٦. وعرفنا ما في تعاقبها مع الصاد من تباعد.
والطاء تجانست مع التاء والدال، وقد استشهدنا على ذلك، وتقاربت مع الظاء، وتباعدت عن الجيم والصاد. فمن التقارب: اطرورى واظرورى: انتفخ بطنه٧. ومن التباعد: بط فلان جرحه وبجه: شقه٨. وتباعدها عن الصاد عرفناه.
والظاء تجانست مع الذال، وتقاربت مع الضاد والطاء، وقد مثلنا لهذا كله.
стр. 219
والعين تقاربت مع الغين والهاء، ورأينا تقاربها مع الهمزة، وتجانسها مع الحاء.
ومن تقاربها مع الغين: نُشعت بالشيء ونشغث به: أولعت١، ومن تقاربها مع الهاء قولهم: عاث في الأرض فسادًا وهاث٢.
والغين عرفنا تقاربها مع العين، وتجانسها مع الحاء. إلا أنها متباعدة مخرجًا وصفة عن الهمزة، وإن كانت كلتاهما من أحرف الحلق٣.
والفاء أبدلوها ثاء على تقارب -كما رأينا- وأبدلوها قافًا وكافًا على تباعد. فمن تباعدها عن القاف قولهم: الزحاليف والزحاليق٤، وعن الكاف قولهم: في صدره عليَّ حيفة وحسيكة: غل وعداوة٥. ولاحظنا ما بينها وبين الباء والتاء من التباعد.
والقاف أبدلوها على تقارب جيمًا وكافًا، فقالوا: عانقت الرجل وعانجته٦، وقالوا: إنا قربان وكربان: إذا دنا أن يمتلئ، وقهرت الرجل أقهره، وكهرته أكهره٧. وأبدلوها على تقارب أيضًا همزة وعلى تباعد فاء كما علمنا.
والكاف تقاربت مع الجيم في مثل قولهم: مر يرتك ويرتج: إذا
стр. 220
ترجرج١. ولا حاجة للتمثيل على تقاربها مع القاف، وتباعدها عن الفاء، فقد استشهدنا على هذين الأمرين.
واللام أبدلوها راء ونونًا على تقارب، وحاء ودالًا على تباعد. وتعاقبها مع الراء، وتباعدها عن الحاء والدال، سبق الاستشهاد عليهما٢. أما تقاربها مع النون فمنه قول الأصمعي: رأيت في أرض بني فلان لعاعة حسنة ونعاعة: وهو نبت ناعم في أول ما يبدو رقيق ثم يغلظ٣.
والميم أبدلوها فاء على تقارب، وقافًا ونونًا على تباعد، وواوًا على تجانس، ورأيناهم يبدلونها باء على تجانس، وجيمًا وراء على تقارب.
وتقاربها مع الفاء واضح، فهما على تباعدهما في المخرج متقاربان صفة٤؛ وأوضح منه تباعدها عن القاف، فلا اتفاق بينهما في المخرج ولا الصفة٥. وتجانسها مع الواو أيضًا لا يوقع في اللبس. ولكن الغريب تباعدها عن النون، على ما اشتهر لدى أكثر العلماء من أنهما خيشوميتان، وإن كان لتلقيبهما بهذا اللقب شروط سنعرفها قريبًا.
وقد أكثروا من إبدالهما حتى خيلوا إلى الباحين أنهما متقاربتان، فقالوا لما غلظ من الأرض: حزن وحزم٦، وقالوا للسحاب: الغيم والغين، وللغاية: المدى والندى، وللون المتغير: امتُقع وانتُقع٧.
стр. 221
وفي بعض الصور التي أبدلت فيها الميم باء لاحظ العلماء إمكان القول بالإتباع، كما في قولك: مهلًا وبهلًا، فإنها بمعنى واحد، وأتبع ثانيها أولهما١. وسنرى أن كثيرًا من صور الإبدال ينبغي أن يسلك في باب الإتباع، لا في باب الاشتقاق الأكبر.
والنون أبدلوها على تقارب باء وراء ولامًا، وعلى تباعد جيمًا، وأوضحنا قصة تباعدهما عن الميم.
أما تقاربها مع الباء فمنه قولهم: بأرض فلان نُعاعة حسنة وبعاعة٢. ومر أمثلة على تقاربها مع الراء واللام. وأما تباعدها عن الجيم فمنه قولهم: استَوثَنَ من المال واستوثج: استكبر منه٣.
والهاء أبدلوها على تباعد ثاء٤ ونونًا ولامًا٥، ورأينا تجانسها مع الهمزة، وتقاربها مع الحاء والخاء والغين، ومثلوا على تقاربها صفة مع الفاء وإن تباعدت عنها مخرجًا بالهودج والفودج: وهو مركب النساء٦.
والواو أبدلوها على تقارب همزة، وعلى تباعد تاء، وعلى تجانس ميمًا. وقد سبق التمثيل على كل ذلك.
ومن تقاربها مع الهمزة: ذأى البقل يذأى، وذوى يذوي٧، وإن كان مثله أقرب إلى أن يكون من تباين اللهجات.
стр. 222
والياء أبدلوها على تقارب همزة، وعلى تجانس جيمًا، وقد مثلنا لذلك. وأبدلوها على تباعد لامًا، كما في قولهم: وصلت الشيء ووصيته١.
وفي الياء صور من الإبدال يستبعد الباحث كل ارتباط بينها وبين الاشتقاق الأكبر، فهي إلى الإبدال الصرفي أقرب منها إلى اللغوي. وأوضح ما يكون ذلك في المحول من المضاعف عندما يبدل مكان لامه ياء كراهة التضعيف، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ وهو من دسست، وقوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّه﴾ من مسنون، وقولهم: سُرِّيَّة من تسررت، وتلعيت من اللعاعة٢.
وتحويل المضاعف على هذا النحو لم يطرد عند العلماء، بل سلكه بعضهم في باب الشذوذ، ومنهم سيبويه٣، وآثر بعضهم أن يعده مما يجري مجرى البدل، كأنه يرتاب في أن يكون من البدل حقيقة، حتى زعم ابن سيده أن أبا عبيد أدخل في هذا الحيز ألفاظًا ليست جارية على أحكام البدل، وأكد ابن سيده أنه لم ينقل تلك الألفاظ ولم يسمح لنفسه بذكرها إلا مخافة أن يظن به إغفال٤.
ومن صور الإبدال الصرفي في الياء تناوبها مع الواو، نحو ميقات فإن أصلها مِوْقات، وميعاد فإن أصلها موعاد، فهما من أحرف العلة التي هي أحق بالإبدال من كل ما عداها من الحروف لخفتها وكثرتها في اللسان العربي ومناسبة بعضها لبعض، واتساع مخرجها، ولما فيها من
стр. 223
المد واللين، وما تكسب الشعر من النغم والتلحين١. ولكن هذه الصور من الإبدال -على خفتها وكثرتها وجريان اللسان بها- ولا ترتبط بالاشتقاق الأكبر من قريب ولا من بعيد، ولا يرضاها اللغويون شواهد على الإبدال الذي أخذوا به، وفرقوا بينه وبين الإعلال، وإنما يرضاها ويكثير منها الصرفيون الذين لم يروا بأسًا في عد الإعلال تابعًا للإبدال٢.
ولم يفت الصرفيين أن يفرقوا في الإبدال بين شائع مشهور ونادر لا ينقاس، فقد رأوا الشائع يكثر وقوعه في حروف لا تزيد على اثني عشر كالتي جمعها أبو علي القالي في قوله: "طال يوم أنجدته"٣.وجعلها بعضهم أربعة عشر حرفًا، وبلغ بها ابن مالك اثنين وعشرين٤، وأراد ابن يعيش٥ أن يعلل حصرها في واحد من تلك الأعداد المذكورة، فرأى أن مراد الصرفيين استقراء الحروف التي كثر إبدالها واشتدت واشتهرت بذلك، ولم يريدوا أنه لم يقع البدل في شيء من الحروف سوى ما ذكر٦. أما النادر الذي لا ينقاس، فقد لاحظ الصرفيون إمكان وقوعه في جميع حروف الهجاء. ولعلهم بإدراكهم هذه الحقيقة فتحوا الباب للغويين على مصراعيه حتى استكثروا في الإبدال من الغرائب
стр. 224
والنوادر، وطلعوا على الباحثين بأحرف وقع فيها الإبدال على الرغم من تباعدها صفة ومخرجًا. وقد تكون شواهدهم التي أتوا بها تقريرًا لهذه الظاهرة اللغوية المدهشة أقل وأندر من أن يبالي بها أو يقام لها وزن أو يستنتج منها قانون، وربما لا تجاوز شواهدهم على الحرف الواحد المبدل أحيانًا أصابع اليد الواحدة، وقد تكون صور كثيرة مما استشهدوا به مهجورة في لغة العرب، أو نادرة الاستعمال فيها، أو لم يستعملها العرب قط وإن جاءت على النسيج العربي وكانت جائزة الاستعمال.
ولكن اللغويين في هذا كله لم يعرفوا أنفسهم إلا نقلة أمناء، فرووا القيل النادر مثلما رووا الكثير الشائع، وحرصوا على أن يعرضوا هذا وذاك كما سمعوهما دون زيادة ولا نقصان١.
وكنا نحسب لغويي العرب قد مضوا جميعًا يحاكي بعضهم بعضًا في قصة الإبدال، فيقلبون دون نقاش ما ترامى إليهم من صور هذا الإبدال ولو تباعدت الأحرف المبدلة والمبدل منها صفة ومخرجًا، ويسلمون بها تسليمًا ولو وقعوا فيها على تسوية تامة بين تباعد الصفة وتباعد المخرج، فما أنقذنا من هذا الظن وما أخرجنا من هذا الوهم إلا نص في "المخصص" صرح فيه ابن سيده بما نميل إليه من أن "ما لم يتقارب مخرجاه البتة فقيل على حرفين غير متقاربين فلا يسمى بدلا، وذلك كإبدال حرف من حروف الفم من حروف الحلق"٢. فلو استندنا إلى هذا النص الصريح القاطع لحكمنا بتناقض الذين لاحظوا في مسوغات الإبدال إمكان التباعد التام بين الحروف المبدلة، كما في حال التباعد صفة ومخرجًا، وحكمنا أيضًا بتناقض الذين لاحظوا في مفهوم التقارب إمكان
стр. 225
تباعد المخرج شريطة تقارب الصفة١. فالمعول في باب الإبدال -كما قلنا- على المخرج لا على الصفة، ولو تقيد اللغويون بهذا الشرط الهام لجاءت شواهدهم على الإبدال اللغوي قليلة في العدد ثقيلة في الميزان، ولكانت مثل أكثر الشواهد التي ذكرها ابن جني في "الخصائص" أقوى من أن ترد وأمتن من أن تنقض!
ذلك بأن ابن جني -على ولوعه بتصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني- لم يذكر من صور الإبدال إلا ما تقارب مخرجًا، بل ما تآخى مخرجًا، حتى كان يعلل هذا التقارب بقوله في الأحرف المبدل منها: "إنها أخوات الأحرف المبدلة"، ولم يكد ينسى هذه العبارة التقليدية في شيء مما أورده من صور الإبدال. وما رأيناه يجري مجرى البدل مثل يدب ويدح؛ لأن الحاء ليست أخت الباء، ولا مثل جاسوا وحاسوا؛ لأن الجيم ليست أخت الحاء، ولا انداح بطنه واندال؛ لأن الحاء ليست أخت اللام، ولا معده ومعله؛ لأن الدال ليست أخت اللام، وإنما أجري مجرى البدل مثل الأز والهز، والهمزة أخت الهاء، ومثل العسف والأسف، والعين أخت الهمزة٢، والحمس والحبس، والعلم والعلب، والميم أخت الباء٣.
стр. 226
ولكي يتصاقب المعنيان في الاشتقاق الأكبر، لا بد أن يتصاقب اللفظان تصاقبًا حقيقيًّا لا تجوز فيه. ولا يظهر التصاقب اللفظي على حقيقته إلا استعماله فما وضع له، فإن استعمل في غير ما وضعته العرب عُدَّ خطأ ولم يكن من الإبدال في شيء.
إن بعض العرب يقول مثلًا: جَمَسَ الوَدَك وجمد الماء، ولا يقال: جمس الماء ولا جمد الودك، وقد خطَّأ الأصمعي ذا الرمة في وصفه الماء الجامد بالجامس في قوله:
ونقري سديف الشحم والماء جامس
فإذا ادعى بعضهم -مع ذلك- أن السين أبدلت دالًا في قولهم: جمس الودك وجمد، ردت عليه دعواه، ولم يكن هذا بدلًا قط١، فليس بين الحرفين تصاقب ولا تقارب، بل بينهما تباعد في المخرج لا يسمح لمعنييهما أن يتصاقبا إلا بضرب من التجوز والاتساع في التعبير.
ولا يتم تصاقب المعنين إلا إذا أمن التصحيف في اللفظين ليعلم أن كلا منهما مادة مستقلة. وأصل التصحيف "أن قومًا كانوا أخذوا العلم عن الصحف من غير أن يلقوا فيه العلماء، فكان يقع فيما يروونه التغيير"٢. وهذا التصحيف عند اللغويين على قسمين: تصحيف نظر وتصحيف سمع، وإن كان أصله الأول من أخطاء النظر في الصحف. وأكثر ما يقع تصحيف النظر في الأحرف المتشابهة رسمًا إذا لم تعجم، كالباء والتاء والثاء والنون، والجيم والحاء والخاء، والدال والذال، والراء
стр. 227
والزاي، والسين والشين، والصاد والضاد، والطاء والظاء، والعين والغين، والفاء والقاف، وأكثره هذه الأحرف متباعدة المخارج، وبعضها متقارب في الصفات.
أما تصحيف السمع فأكثر ما يقع في الأحرف المتقاربة صفة أو مخرجًا، وهي غالبًا لا تتشابه رسمًا عند إهمال نقطها: كالهمزة، والهاء، والباء والميم، والتاء والطاء، والثاء والفاء والسين، والجيم والشين، والدال والضاد، والذال والزاي والظاء، والسين والصاد، والقاف والكاف.
فمما ورد بوجهين وأمن فيه تصحيف النظر قولهم في وصف الشيء الذي يذاق: عَدوف وعذوف، بالدال والذال، فهما لغتان، والإبدال فيها محتمل لولا تباعد مخرجيهما.١ قال أبو حسان: "سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: ما ذقت عدوقًا ولا عدوفة. قال: وكنت عند يزيد بن مزيد الشيباني فأنشدته بيت قيس بن زهير:
ومجنَّبات ما يذقن عذوقة ... يقذفن بالمهرات والأمهار
بالدال، فقال لي يزيد: صحفت أبا عمرو! قال: فقلت له: لم أصحف أنا ولا أنت، تقول ربيعة هذا الحرف بالذال، وسائر العرب بالدال". وفي رواية "المزهر": لغتكم عذوف ولغة غيركم عدوف! ٢
ويتسرع بعض الباحثين برمي الأئمة الأجلاء بتصحيف النظر، فيما شكوا بروايته بأحد الحرفين، وغالبًا ما يرتد هذا الشك إلى الورع الزائد والحيطة البالغة في نقل الأخبار، فإن يكن أبو عمر بن العلاء شك في الدحداح "الرجل القصير" بالدال أو بذال؟ فقد رجع فقال: بالدال.
стр. 228
وقال أبو عبيد: "والصواب عندنا بالدال"١.
فمثل هذا اللفظ الذي صوب فيه أحد الوجهين وخطئ الآخر لا يلتمس فيه إبدال، وإنما يلتمس في مثل العدوف والعذوف مما ورد بوجهين، وأما فيه التصحيف، بيد أن الذال ليست أخت الدال، فلم يصح القول بالإبدال هنا لاختلاف المخرجين.
ومن العسير الوقوع على صورتين مبدلتين فما يتوهم فيه تصحيف النظر؛ إذ لا تتشابه فيه الحروف إلا برسمها، أما تقارب المخارج والصفات فليس شرطًا في مثله.
لكن صور الإبدال فيما توهم فيه تصحيف السمع أكثر شيوعًا وانتشارًا؛ لأن تقارب الأصوات فيها هو الذي أوقع الباحث في اللبس، فلولا ما نعرفه من ورود اتمأل واتمهل، ومن كثب ومن كثم، والأقطار والأقتار، واللثام واللفام، والوقيذ والوقيظ، والوطس والوطث٢، لاختلط علينا أكثرها٣، وحسبناه لفظًا واحدًا ولم نمز الأصل من الفرع، فأنى لنا إذن أن نقول بالإبدال؟ فلما ورد كل لفظ مما ذكر بوجهين وأمن فيه التصحيف، وظن في بعضه تباين اللهجات، أيقنا من تجاوره الصوتي أن فيه إبدالًا لا ريب فيه.
ومقياسنا فيما ورد بوجهين؛ لتمييز الأصل من الفرع، هو كثرة الشواهد المتعلقة بأحد الوجهين٤: فما أكثر الأمثلة على كثب، والأقطار،
стр. 229
واللثام، وما أقلها في كثم، والأقتار، واللفام. وارتداد بعض هذه الألفاظ إلى قبيلة وبعضها الآخر إلى قبيلة أخرى لا ينبغي أن يقلل من قيمة المقياس الذي ذكرناه؛ لأنه لم يقطع برأي حاسم في قضية اختلاف اللهجات، وما تزال أدلتنا عليها أضعف من أن يفسر في ضوئها كل هذه الظواهر اللغوية النادرة.
ومن صور الإبدال ما يمكن إدراجه في باب الإتباع، لكن للقول بذلك قيودًا لا بد من التنبه إليها وإدراكها على وجهها الصحيح، فالإتباع على ضربين: فضرب يكون فيه الثاني بمعنى الأول فيؤتى به توكيدًا؛ لأن لفظه مخالف للفظ الأول، وضرب فيه معنى الثاني غير معنى الأول١. فمن الأول قولهم: رجل قسيم وسيم، وكلاهما بمعنى الجميل، وضئيل بئيل بمعنى واحد، وجديد قشيب، ومضيع مسيع٢. ومن الثاني حار يار، وعطشان نطشان، وجائع نائع، وحسن بسن، والكلمة الثانية في هذا الضرب الثاني إنما هي تابعة للأولى على وجه التوكيد لها، وليس يتكلم بالثانية منفردة، فلهذا قيل إتباع٣.
وقد لاحظ ابن فارس كلا هذين الضربين حين عرف الإتباع بقوله: "وهو أن تتبع الكلمةُ الكلمةَ على وزنها أو رويها إشباعًا وتأكيدًا"؛ وأراد أن ينبه على الضرب الثاني تنبيهًا خاصًّا فحكي عن بعض العرب أنه سئل عن حكمة هذا الإتباع، فقال: "هو شيء نتدبه كلامنا"٤. وفي هذا المعنى ما حكاه ابن دريد من أنه سأل أبا حاتم السجستاني عن بسن من قولهم "حسن بسن" فقال: لا أدري ما هو٥.
стр. 230
فلو كان أحد يجهل هذا الإتباع بكلا ضربيه، وسمع قول النبي ﷺ في الشبرم١: "إنه حار يار" لظن الياء بدلًا من الحاء، مع إنهم نبهوا على أن هذا من الإتباع٢، ويكون الإبدال في زعمه حينئذ واقعًا بين حرفين متباعدين. فإن صحف الحديث وقرأ الحاء جيمًا فقال: "إنه جار يار" فرك يدًا بيد فرحًا مسرورًا؛ لأن الجيم أخت الياء، فكلتاهما شجرية، وقد فاته أن العلماء نبهوا أيضا على أن هذا من الإتباع، وفسروا الجار بالذي يجر الشيء الذي يصيبه من شدة حرارته كأنه ينزعه ويسلخه مثل اللحم إذا أصابه، أو ما أشبهه٣.
وقس على ذلك لفظ وسيم في قولهم "قسيم وسيم" فهذا إتباع، وليست الواو بدلًا من القاف. ولفظ بئيل من قولهم: "ضئيل بئيل" فليس الباء بدلًا من الضاد، ولفظ جديد من قولهم "جديد قشيب" فليست القاف بدلًا من الجيم، وهكذا دواليك.
ولعلنا نجرؤ على أن نستنتج من هذه المقدمات المتعاقبة أن الصور المترجحة في نظر العلماء بين الإبدال والإتباع ينبغي أن تكون شواهدها من النوع الذي يتجانس فيه -بين اللفظين- الحرف المظنون إبداله؛ لأن فرص القول بالإبدال تنقل عند التباعد، أو قل: إنها حينئذ تصبح نادرة جدًّا.
وقد رأينا في الإتباع أنه على ضربين، تكون الكلمة الثانية في أحدهما غير واضحة المعنى ولا بينة الاشتقاق٤، فلا تفيد وحدها شيئًا، وإنما
стр. 231
تفيد بتقدم الأولى عليها، فلا سبيل إلى الظن بأنها مرادفة للأولى، وإن أوهمت الترادف وبدت كأنها من قبيله١، أما الإبدال فيحتمل كثيرًا في لفظتيه أن تكونا مترادفتين، تفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت؛ بل ربما كان أنصار تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني يشترطون هذا الضرب من الترادف بين اللفظتين المبدلة والمبدل منها، وإلا لتصاقبت الألفاظ من غير أن تتصاقب معانيها!
ومع أن العرب أمة حكيمة لا تضع شيئًا سدى -كما علمنا أسلافنا في آثارهم وكتبهم- ومع أنها قصدت من التابع أن يفيد التقوية، وجعلته أشبه شيء بأوتاد تَتِد به كلامها٢، لم يستنكف العلماء أن يعترفوا بجهلهم معناه، كما قال أبو حاتم السجستاني في بسن٣: لا أدري ما هو!
وإذا بطائفة من الباحثين لا يجدون في جهل معنى التابع بأسًا ولا ضررًا، حتى قال التاج السبكي: "وجهل أبي حاتم بمعناه لا يضر، بل مقتضى قوله: إنه لا يدري، معناه أن له معنى، هو لا يعرفه". ومضى التاج يفرق بين معنى التقوية في التابع ومعنى التقوية في التأكيد، فقال: "والفرق بينه وبين التأكيد أن التأكيد يفيد في التقوية نفي احتمال المجاز. وأيضًا فالتابع من شرطه أن يكون على زنة المتبوع، والتأكيد لا يكون كذلك"٤.
فإن يكن التابع -عند القائلين بأنه له معنى- لا يزيد معناه عن التقوية، مشابهة للتأكيد أو مختلفة عنه، فكيف بهم يخلطون بعض صور الإبدال ببعض صور الإتباع، على الرغم مما يشترط في الصورة المبدلة
стр. 232
من وضوح المعنى ودقته، فضلًا عن ترادفه مع الصورة المبدل منها؟!
أحسب أن الذين وقعوا في مثل هذا اللبس كانوا من غلاة الاشتقاقيين الذين لم يشف صدورهم ما في الإتباع من صور محكية مكرورة، فانطلقوا إلى الاشتقاق الأكبر يسترفدونه في ضروب "إبداله" المتنوعة التي تهيب بالباحث إلى إعمال فكره، وكد ذهنه، وابتكار ناردة أو غريبة من الغرائب!!
ألا تعجب منهم إذن إن تجاهلوا أن أسوان أتوان١، وعريض أريض، وفقير وقير، وخائب هائب٢، ولا تارك الله فيه ولا دارك، ويوم عك أك وعكيك أكيك: شديد الحر٣، وشيء فذ بذ٤، كلها من قبيل الإتباع، وودوا لو يجعلونها صورًا من الإبدال لما لاحظوه في بعضها من تقارب في المخارج والصفات؟!
وبعد، فإن غلو القوم في الاشتقاق الأكبر لا يستكثر عليهم، فإن حدوده غير واضحة المعالم، وإنه لمن الأبحاث البكر التي وجدت من فراغ الوقت ونعومة البال وترف الفكر عند بعض العلماء ما أغنى العربية بآراء إن يك فيها وهم كثير، ففيها أيضًا خيال خصيب!
стр. 233
الفصل الخامس: النحت أو "الاشتقاق الكبار ":
ها نحن أولاء أمام لون من الاشتقاق لم يعرفه العرب كثيرًا، ولم يغلوا فيه غلوهم في أنواع الاشتقاق الثلاثة الشائعة، ولعلهم لم يؤنسوا دافعًا للغلو فيه؛ لأن أنواع الاشتقاق أغنتهم عنه، فلم يخلفوا لنا من الشواهد عليه إلا النزر اليسير.
ولكن قلة النحت في لسان العرب لا تنفي الشواهد المحفوظة فيه ولا الصلة الوثيقة التي تربطه بالاشتقاق، فإن مراعاة معنى الاشتقاق تنصر جعل النحت نوعًا منه١، ففي كل منهما توليد شيء من شيء، وفي كل منهما فروع وأصل، ولا يتمثل الفرق بينهما إلا في اشتقاق كلمة من كلمتين أو أكثر على طريقة النحت، واشتقاق كلمة من كلمة في قياس
стр. 234
التصريف، قال ابن فارس: العرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة، وهو جنس من الاختصار١. وذلك "رجل عبشمي" منسوب إلى اسمين، وأنشد الخليل:
أقول لها ودمع العين جارٍ ... ألم تحزنك حيعلة المنادي
من قوله: حي على٢.
ويُعد ابن فارس إمام القائلين بالنحت بين اللغويين العرب المتقدمين، فلم يكتفِ بالاستشهاد على هذه الظاهرة اللغوية بالأمثلة القليلة الشائعة التي ربما لا تجاوز الستين عددًا، بل ابتدع لنفسه مذهبًا في القياس والاشتقاق حين رأى أن الأشياء الزائدة على ثلاثة أحرف فأكثرها منحوت، مثل قول العرب للرجل الشديد "ضبطر" من "ضبر"٣، وفي قولهم: "صهصلق" إنه من "صهل" و"صلق"٤، وفي "الصلدم"٥ إنه من "الصلد" و"الصدم"٦. وقد بنى معجمه "المقاييس" على هذا المذهب في كل مادة رباعية أو خماسية أمكنه أن يرى فيها شيئًا من النحت، حتى كثرت المواد المنحوتة على مذهبه لو استخرجت من مواطنها المتفرقة في "معجمه". وأراد أن يرسم للقارئ منهجه في النحت فقال: "اعلم أن للرباعي والخماسي مذهبًا في القياس، يستنبطه النظر الدقيق. وذلك أن أكثر ما تراه منه منحوت. ومعنى النحت: أن تؤخذ كلمتان
стр. 235
وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعًا بحظ"١.
وكما استشهد ابن فارس في "الصاحبي" بما أنشد الخليل٢؛ ليؤكد أن هذا النحت من سنن العرب في اشتقاق الكلام وتوليد بعضه من بعض، جاء في "المقاييس" يؤيد هذه السنة العربية، ويلتمس للنحت أصلًا أصَّله الخليل نفسه، فقال: والأصل في ذلك ما ذكره الخليل من قولهم: حيعل الرجل، إذا قال: "حي على"٣، فها هو ذا الخليل يذكر في النحت قول العرب ويحكيه، وينشد فيه الشعر ويرويه.
بيد أن ابن فارس يستشعر في نحت لفظ "الحيعلة" مولدًا إسلاميًّا ما عرفه فصحاء العرب في الجاهلية، فكيف يكون أصلًا في هذا الضرب من الاشتقاق الذي لم يشع في لسان العرب كثيرًا؟
فليحتج إذن بشاهد فصيح على النحت لا يسع أحدًا إنكاره، وليذكر العلماء بنوع من النحت كاد العرب الأقحاح ينفقون عليه، ولينشد فيه بيتًا للشاعر الجاهلي عبد يغوث بن وقاص الحارثي٤، وليقل: مطمئنًا إلى صواب رأيه: "ومن الشيء الذي كأنه متفق عليه قولهم: "عبشمي" وقوله:
[و]
تضحك مني شيخة عبشمية٥
стр. 236
ولسنا نرتاب في أن ابن فارس عند استشهاده بهذا البيت الفصيح علم أن الأمثلة التي تحاكيه قليلة نادرة، وأن النحاة لا يعدون نظائره مما يقاس، وأنه لا يقاس منه إلا ما قالته العرب: "والمحفوظ عبشمي في عبد شمس، وعبدري في عبد الدار، ومرقسي في امرئ القيس، وعبقسي في عبد القيس، وتيملي في تيم الله"١، فكيف تساهل ابن فارس في بناء مقاييس الرباعي على حكم لا يطرد، وأصل لا ينقاس؟
أكبر الظن أنه لم يبتدع مثل هذا المذهب -ودنيا النحاة ما تزال تضج في عهده بالقول المشهور: "القليل لا يقاس عليه"٢- إلا حين رأى رأي العين فساد الأدلة على أصالة الحروف في الأسماء الرباعية والخماسية، وإذا هو ينكر هذه الأصالة فيما نحت من كلمتين، أو زيد عليه حرف في أوله أو وسطه أو آخره، لا في الأسماء وحدها، بل في الأفعال والصفات أيضًا، معولًا في هذا الكتاب على ما سمع من العرب -وإن يكُ قليلًا- من النسب إلى اسم منحوت من اسمين٣.
ولقد كان بعيد النظر ثاقب الفكر حين نبه على أن الرباعي لا يفسر دائمًا بظاهرة النحت؛ لأنه على ضربين: "أحدهما: المنحوت الذي
стр. 237
ذكره، والضرب الآخر: الموضوع وضعًا لا مجال له في طريق القياس١".
وابن فارس لا يعنيه كثيرًا أن يستشهد على ذلك الرباعي الموضوع وضعًا، فإنه معلوم مشهور، وإنما يريد أن يلفت الأنظار إلى كثير مما يحسبه الناس أصيلًا منذ وضع، إلا أنه عند التحقيق يتبين ما فيه من ضروب الزيادة التي تلحقه بالاشتقاق، وهو -رغم الزيادة فيه- صورة من الاخترال، أو "جنس من الاختصار" كما قال٢.
ولا تناقض في شيء مما رآه ابن فارس، فإن الأمثلة التي قفى بها على تعريفه للنحت، والأمثلة التي فرقها على مواد معجمه تبعًا لمذهبه في مزيد الثلاثي، كلها تؤكد اعتقاده بأن السوابق والأواسط واللواحق، أو كما اصطلح عليها بعض العصريين: التصدير والحشو والكسع٣، بقايا كلمات قديمة مستعملة٤ تناسب ما يلح في الحرف العربي من قيمة تعبيرية، فكأن المزيد بحرف في أوله أو وسطه أو آخره إنما نحت من كلمتين اختزلتا على سواء، أو اختصرت إحداهما أكثر من الأخرى، أو ظلت إحداهما على حالها بينما رمز للأخرى بحرف منها يغلب أن يكون أوضح حروفها بيانًا وتعبيرًا.
ونكاد لا نرتاب في أن ابن فارس آنس في الحرف العربي قيمة بيانية تعبيرية حتى اجتزأ بحرف من الكلمة عن الكلمة كلها، وأطلق القول في "الصلدم" مثلًا وصفًا للناقة بأنه منحوت: أصله "صلد"٥، ثم رأى في موطن آخر أنه منحوت من "الصلد" و"الصدم"٦
стр. 238
فكأن الميم المزيدة في "الصلدم" إنما أخذت من "الصدم" وهي فيه الحرف الأخير، ولعلها أقوى أحرفه وأشفاها بيانًا؛ لذلك رُمز بها إليه واستعيض بها عنه، وألصقت "بالصلد"، فتألفت كلمة جديدة من كلمتين اختزلت إحداهما وظلت الأخرى على حالها.
وابن فارس نفسه حين أنشأ يذكر في "المقاييس" أمثلته على نحت الرباعي من كلمتين ثلاثيتين، إنما استهل هذه الأمثلة بلفظ "البلعوم"، وجعله وما أشبهه توطئة لما بعده، مع أنه أوضح أن أصله "بلع" ولم يذكر الثلاثي الآخر الذي فيه الميم، بل اكتفى بملاحظة أن لفظ "بلع" زيد عليه ما زيد لجنس من المبالغة في معناه، فكأن الميم الزائدة هي الحرف التعبيري البارز في الثلاثي الآخر الذي قدره بعض العلماء "طعم"، وقد اجترئ بها عنه وألصقت ببلع، مع الواو تارة كما في بلعوم، ودونها تارة أخرى كما في "بلعم"١.
وقياسًا على هذا، لا فرق عند ابن فارس بين رباعي كان في الأصل ثلاثيًّا ثم زيد عليه حرف في آخره أو أوله أو وسطه، ورباعي آخر مستخرج على طريق النحت من ثلاثيين اختزلا معًا، أو اختزال أحدهما دون الآخر، أو أحدهما أكثر من الآخر، فهذا وذاك إنما تم الأمر فيهما بهذه الوسيلة الرائعة من وسائل الاشتقاق، وهي النحت الذي يزيد صورة الكلمة ظاهرًا، ولكنه يختصرها في الحقيقة لتعبيره بها عن كلمتين
стр. 239
أو كلمات التصقت أركانها الأساسية وما زال في الكلمة الجديدة حظ من معنى كل منها مثلما أن فيه حظا من حروفها وأصواتها.
ولقد اتفق أن استشهدنا بالسلدم والبلعوم، فكان الحرف المزيد تذييلًا في آخر الكلمتين، أو كانت أولاهما صفة والأخرى اسمًا، ولكن الحرف المزيد يقع أولًا ووسطًا، مثلما رأيناه يقع آخرًا، ثم يزاد بطريق النحت في الفعل، مثلما رأيناه مزيدًا في الصفة والاسم. وإذا ضممنا ما عرفناه من النحت بالنسب إلى اسمين كعبدري وعبقسي، إلى النحت في الاسم والصفة والفعل، كانت أنواع النحت الرئيسة لا تخرج عن هذه المصطلحات: نحت فعلي، ووصفي، واسمي، ونسبي١؛ وكأنما قسم ابن فارس النحت في رأيه هذه القسمة الرباعية حين استشهد في "المقاييس" و"الصاحبي" بمثال أو أكثر على كل واحد من هذه الأقسام الأربعة، وكأنه أيضًا لاحظ وظيفة الحرف المزيد المعبر تصديرًا وحشوًا وكسعًا، أو سبقًا وتوسطًا وإلحاقًا، حين قال في "المقاييس" خاصة: "ومن هذا الباب ما يجيء على الرباعي وهو من الثلاثي على ما ذكرناه، لكنهم يزيدون فيه حرفًا لمعنى يريدونه من مبالغة، كما يفعلون في زرقم٢ وخلبن٣. ولكن هذه الزيادة تقع أولًا وغير أول٤. ومن ذلك "البحظلة" ... ومن ذلك "البرشاع" ... " إلخ٥.
стр. 240
وإن قليلًا من الترتيب المنطقي لهذه النماذج التي أيد بها ابن فارس مذهبه في النحت، ليرسم لنا في خطوط بيانية دقيقة جميع الصور المنحوتة: فعلية واسمية ووصفية١؛ ويومئ إلى الحرف المعبر الموحي الذي رمز به إلى المادة المختزلة ثم ألصق بالمادة المزيد عليها، سواء أبقيت على حالها بجميع أحرفها، أم اختزلت هي الأخرى قليلًا أو كثيرًا.
فمن الأفعال المنحوتة تصديرًا بزيادة حرف معبر في أولها "بحظل الرجل بحظلة" قفز قفزان اليربوع. فالباء زيادئة على "حظل"، قال الخليل: الحاظل الذي يمشي في شقه. يقال: مر بنا يحظل ظالعًا٢.
ومن ذلك "بَلْذَم": إذا فرق فسكت٣ والباء زائدة، وإنما هو لذم، إذا لزم بمكانه فرقًا لا يتحرك٤.
ومن ذلك "بركل يبركل بركلة": إذا مشى في الماء والطين٥. فالباء زائدة "ب + ركل"، والتركل معروف، وهو ضرب الرجل
стр. 241
بإحدى رجليه وإدخالها في الأرض عند الحفر١.
ومن الأفعال المزيدة حشوًا بحرف في الوسط: "بَرجَم يبرجم برجمة" إذا أغلظ في الكلام، فالراء زائدة، وإنما الأصل: البجم٢. قال ابن دريد: بجم الرجل يبجم بجومًا: إذا سكت من عي أو هيبة فهو باجم٣.
ومن ذلك "تبعثرت نفسي": إذا غثث٤، فالعين زائدة وإنما هو من بثر في "الباء والثاء والراء" ومنه البثر الذي يظهر على البدن٥.
ومن الأفعال المزيدة كسعًا بحرف في آخرها: بَرْعم النبت: إذا استدارت رءوسه، والأصل "برع": إذا طال ٦. فالميم زائدة.
ومن ذلك: "بلسم" الرجل إذا كره وجهه٧، فالميم فيه زائدة وإنما هو من مادة "ب ل س" ومنه "الْمُبْلِس" وهو الكئيب الحزين المتندم٨. ومن الطريف أن ابن فارس لا يرى بأسًا في أن يكون اسم إبليس مشتقًا من ذلك٩.
ومن الأسماء المزيدة تصديرًا في أول الكلمة "البِرْقِع": وهو اسم سماء الدنيا١٠ فالباء زائدة، والأصل الراء والقاف والعين؛ لأن كل
стр. 242
سماء رقيع والسماوات أرقعة١.
ومن الأسماء المزيدة حشوًا "البِرْشاع": الذي لا فؤاد له. فالراء زائدة وإنما هو من بشع٢.
ومن الأسماء المزيدة كسعًا "البرزخ": الحائل بين الشيئين، كأن بينهما برازًا: أي متسعًا من الأرض. فالحاء زائدة في آخر الكلمة٣.
ومن الصفات المزيدة تصديرًا "بردس": الرجل الخبيث٤. والباء زائدة، وإنما هو من الردس، وذاك أن تقتحم الأمور٥.
ومن الصفات المزيدة حشوًا: ناقة "بَلْعك": مسترخية اللحم. واللام زائدة، وأصل المادة "بعك" تجمع٦.
ومن هذه الصفات المزيدة كسعًا ما رأيناه في مثل رعشن وخلبن وزرقم. ومنه: سِمْعَنة نِظْرَنة: للمرأة الكثيرة التسمع والنظر٧.
وهكذا صلحت الأمثلة التي أوردها ابن فارس للاستشهاد على نحت كلمة من كلمتين: إحداهما بقيت على حالها، واحتفظت بجميع أحرفها، فعلًا كانت أو اسمًا أو صفة، والأخرى اجتزئ عنها اختصارًا واختزالًا بحرف واحد معبر من أحرفها ألحق بالكلمة الأولى أولًا أو وسطًا أو آخرًا.
بيد أننا رأينا ابن فارس إنما ذكر هذا الضرب من المنحوت -بوساطة زيادة الحرف المعبر- توطئة لما يأتي بعده من الرباعي المنحوت من
стр. 243
ثلاثين، كل منهما معروف محفوظ، وإن اجتزئ بحرف من أحدهما عن المادة الثلاثية لم يتعذر على الملم بهذه اللغة تقدير أصل تلك المادة قبل أن تختصر ويستعاض عنها بحرف ما. فلو ارتاب الباحث في عد الأمثلة السابقة من قبيل النحت؛ لعجزه عن تعيين المادة الثلاثية التي استعيض عنها بحرف أول أو أوسط أو آخر، ولتوهمه أن مثل هذا أقرب إلى الزيادة الصرفية السماعية، لما وسعه أن يرتاب في الشواهد التي تم فيها النحت بتأليف كلمة رباعية واحدة من كلمتين ثلاثيتين معروفتين التصقت أركانهما وتعين في المختزلة منهما الحرف "الركن" الذي يقوم مقامها كلها بجميع حروفها.
وانظر مثلًا إلى هذه الأفعال المزيدة بحرف واحد في أولها: بخذع، بزمخ، بلخص، بزعر، فابن فارس يرجع أن كلا منها منحوت من فعلين ثلاثيين اشتركا في حرفين واختلفا في الحرف الثالث، فكان هذا الحرف المختلف فيه باء في أحدهما وغير الباء في الآخر، وكان علينا أن نستنتج أن الفعل الثلاثي الذي في أوله باء قد غلب ببائه وحدها الفعل الثلاثي الآخر الخالي من الباء رغم اجتماع حروفه كلها وبقائها كلها؛ لأن ابن فارس إنما عد هذه الأمثلة المذكورة "مما جاء منحوتًا من كلام العرب في الرباعي أوله باء"١. وهكذا كانت الباء في الأمثلة جميعًا، أفعالًا وأسماء وصفات، هي الحرف البارز المعبر الذي يقوم في العربية مقام "السابق prefixe" في اللغات الإلصاقية Agglomerantes٢.
ولنتابع الآن صنيع ابن فارس في هذه الأفعال الأربعة التي ذكرناها، لنرى كيف نشأت صيغها الرباعية بهذه الطريقة الإلصاقية: أما بخذع فقد استعملوه في قولهم "بخذعت الرجل": أفزعته، وقد نحت من
стр. 244
"بذع" بمعنى أفزع١، ومن "خذع" بمعنى قطع وحز.
ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:
فتناديا وتواقفت خيلاهما ... فكلاهما بطل اللقاء مخذع٢
فاشتراك هذين الفعلين في الذال والعين واضح، وإنما اختلفا في الباء والخاء، وقد اختزل "بذع" واستعيض عنه بأقوى أحرفه "الباء" التي غلبت وحدها "خذع" كلها، فألصقت بها ونشأت الكلمة الجديدة على هذا النحو "ب + خذع".
وقل مثل ذلك في "بزمخ" فقد نشأت على طريقة النحت من الباء في "بزخ" بعد إلصاقها بمادة "زمخ"، والبزخ هو خروج الصدر ودخول الظهر٣. أما الرجل "الزامخ" بأنفه فهو الشامخ تكبرًا٤. فلهذا رأى ابن فارس: أن "بزمخ " منحوتة من "زمخ" و"بزخ"، يقال: بزمخ الرجل: إذا تكبر٥.
وإذن يكون الفعل الثالث "بلخص" ومنه "تلبخص لحمه":
стр. 245
غلظ، منحوتًا من "بخص" و"لخص"١ بإلصاق باء "بخص" المختزلة بمادة "لخص" الباقية على صورتها الثلاثية. ويكون الفعل الرابع المستشهد به "بزعر" ومنه "تبزعر الرجل": ساء خلقه٢، منحوتًا من "بزع" و"زعر"٣ بإلصاق باء "بزع" المختصرة بمادة "زعر" التي لم يختصر منها شيء٤.
وعلى هذه الصورة أيضًا يتم نحت اسم رباعي من كلمتين ثلاثيتين، كالبِرْقش -وهو طائر- فإنه مأخوذ من "برش" التي عوضتها الباء و"رقش" الباقية على حالها٥، كما يتم نحت صفة رباعية من مادتين ثلاثيتين كوصفك الذي حرم الطول بـ"البُحتُر"؛ فإنه منحوت من "بتر" التي رمز إليها بأقوى أحرفها "الباء" بعد إلصاقها بمادة "حتر" التى حفظت أحرفها جميعًا٦.
ويلاحظ في جميع المواد التي اقتبسناها حتى الآن من "المقاييس" أنها تصلح شواهد على الاجتزاء -في الرباعي المنحوت- بحرف الباء وحده
стр. 246
اختزالًا لمادة ثلاثية تلصق بمادة ثلاثية أخرى وتقع صدرًا في أولها، ويكاد الباحث يحسب ابن فارس راميًا منذ البداية إلى تقرير هذه الظاهرة، تمشيًا مع عبارته الصريحة: "فمما جاء منحوتًا من كلام العرب في الرباعي أوله باء ... "١، إلا أن النظرة الفاحصة المدققة في بقية المواد الرباعية التي سردها مبتدأة بالباء تؤكد أن بعضها أجدر ألا تكون الباء فيه هي الحرف المعبر الرامز إلى المادة المختزلة، بل أحد الحرفين الآخرين المؤلفين لكل من المادتين؛ لأن أحدهما هو الحرف الذي لم يتكرر في كلتا المادتين، وإنه لأَوْلَى إذن من الباء المكررة فيهما٢ بأن يكون الحرف الأبرز الأقوى. ومن الطبيعي أن يلصق هذا الحرف ذيلًا في آخر الكلمة المنحوتة، أو حشوًا في وسطها، ما دامت الباء -كما رأينا- صدرًا في أولها.
تلك هي الراء الرامزة إلى فعل "بثر" المختزل، كسعت إلحاقًا "Suffixe" بآخر فعل "بحث" الباقي على صورته الثلاثية، فنشأ بهذا الكسع مثل الفعل الجديد "بحثر" بمعنى بدَّد٣.
وهذه اللام المتوسطة في مادة "بلط" هي حرفها المعبر الذي ألصق حشوًا بـ"بطح" فتكون بإقحامه فعل "بلطح": إذا ضرب بنفسه الأرض٤.
стр. 247
أما البُرْجُد "وهو اسم للكساء المخطط" فإنما اختيرت لنحته الجيم المتوسطة في "البجاد" حشوًا لكلمة "برد"١.
وأمثلة النحت الأخرى التي بثها ابن فارس في بعض مواد "مقاييسه" وذكر بعضها في "الصاحبي"، ليست إلا براهين جديدة تؤيد ما لمحه في الحرف العربي من قيمة تعبيرية "تعويضية" أعني أنها تعوض المادة المختزلة المنحوتة. فالعين من "صعب" ألفت وصف "الصقعب" للطويل من الرجال٢، عندما أضيفت إلى "الصقب" بمعنى الطويل؛ على طريقة الحشو والإقحام٣. والراء من "ضبر" أنشأت وصف "الضِّبَطْر" للرجل الشديد. حين ألحقت بـ"ضبط" على سبيل الكسع والتذييل٤. ومثلها الميم في "لقم" كونت وصف "الصلقم" للشديد العض، لدى إلصاقها بـ"صلق" على أسلوب الكسع والتذييل أيضًا٥.
وما يصدق على باب الرباعي المنحوت الذي أوله باء، "من أن الباء ليست فيه دائمًا الحرف "التعويضي" المعبر" يصدق كذلك على سائر الأبواب التي ختم بها ابن فارس أبحاث كل حرف من حروف المعجم على ترتيبها الهجائي، تبعًا للمنهج الذي رسمه لنفسه وبنى عليه
стр. 248
"مقاييسه". فإذا قال مثلًا: "باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أوله تاء"١ احتمل أن يكون الحرف التعويضي المزيد -فيما ذكره من الأمثلة- التاء وغير التاء، فلا شيء يعين حينئذ التاء دون سواها، وإن يقل: "على أكثر من ثلاثة أحرف أوله ثاء، أو جيم، أو حاء"٢ يحتمل غير الثاء، وغير الجيم، وغير الحاء، وهكذا حتى تنتهي حروف المعجم.
وما زال بنا هذا البحث يستهوينا حتى أغرانا بدراسة "المقاييس" دراسة إحصائية دقيقة، فاستخرجنا من أبواب مزيدات الثلاثي وحدها أكثر من ثلاثمائة كلمة منحوتة بين فعل وصفة، وهي جميعًا مما صرح ابن فارس بنحته بعبارة قاطعة، وكان لزامًا علينا أن نهمل في إحصائنا ما تردد فيه، ولقد تردد في كثير تواضعًا منه وحذرًا من أن يقول في لغة القرآن ما لا يعلم.
ولم يكن بد من أن يتردد صاحب "المقاييس" في بعض تلك المواد المزيدة؛ لأنه يعلم أن ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف لم يرد على صورة واحدة، بل تعددت أشكاله وضروبه؛ "فمنه ما نحت من كلمتين صحيحتي المعنى مطردتي القياس، ومنه ما أصله كلمة واحدة، وقد أحلق بالرباعي والخماسي بزيادة تدخله٣. ومنه ما يوضع
стр. 249
كذا وضعًا"١.
وهذا الضرب الأخير الذي وضع وضعًا يوقع أحيانًا في لبس شديد؛ إذ يخيل إلى الباحث فيه أن في وسعه إلحاقه بالنحت بتعيين الحرف التعويضي المزيد عليه وتقدير المادة المختزلة منه، ثم يتبين له أن العرب سمعته هكذا ووضعته على هذه الصورة، فلا سبيل إلى التنقيب فيه عن الزيادة ولا عن الاختزال، وفي مثله يؤثر ابن فارس أن يقول في حذر بالغ: "ومما وُضع وضعًا ولا أظن له قياسًا"٢، أو "لا يكاد يكون له قياس"٣، أو يقول مستشعرًا بعض النقص في استقرائه: "وهذا ما أمكن استخراج قياسه من هذا الباب. أما الذي هو عندنا موضوع وضعًا فقد يجوز أن يكون له قياس خفي علينا موضعه. والله أعلم بذلك"٤.
فإن تبلغ منحوتات ابن فارس في مزيدات الثلاثي وحدها ثلاثمائة كلمة، رغم إغفالنا ما أغفله منها مما تردد فيه، فإنى للعلماء القول بقلة النحت في كلام العرب؟ وما الذي طوع لهم أن يروا هذا المنحوت لا يجاوز الستين عددًا؟ ٥
إنما قللوا من شأن النحت، وحقروا من شواهده لتعويلهم فيه على ما سمعوه وحفظوه مما شاع وتناقلته الألسنة؛ فأما ما كان قياسيا مبنيا
стр. 250
على قواعد سليمة في الاشتقاق، فما كان ليكثر منه أحد إلا أن يكون ابن فارس الذي أصَّل أصوله، ورسم منهجه، وكان فيه كل من أتى بعده عالة عليه!
ويا ليت صنيعنا لا يوسم بالنقل الساذج لو عينَّا مواضع هذه المنحوتات كلها من "المقاييس"، وفصلنا المواد التي اختزلت فيها حتى نشأت بوساطتها هذه المئات الثلاث من الكلمات الجديدة، أو اكتفينا -على الأقل- بذكر عدد المنحوتات في كل باب من أبواب ما جاء فوق الثلاثي ... ١، إذن لبطلت تلك الخرافة الشائعة المتوارثة عن قلة النحت في لسان العرب!
على أن القارئ الآن بين أمرين: إما أن يثبت بنفسه ما ادعيناه بعد إحصائه ما أحصيناه؛ وإما أن يسلم بأننا كفيناه مؤونة هذا الاستقصاء فيتقبل نتائج دراستنا. وحسبنا حينئذ أن نستشهد له -على سبيل المثال- بشاهد واحد على كل حرف مزيد تعويضًا ونحتًا.
ونستهل شواهدنا بزيادة التاء، فلا حاجة للتمثيل على الباء، وقد بدأ بها ابن فارس، وأسهبنا في الحديث عنها في مطلع هذا البحث. وحين نمضي من التاء إلى آخر حروف المعجم، لن نعين من المواد المختزلة إلا ما قطع فيه ابن فارس، وإلا قنعنا بالحرف المعوض لها، الرامز إليها.
ولئن صرح بعض العلماء في بحث الإبدال اللغوي، على طريقة الاشتقاق الأكبر، بأنه ما من حرف إلا وقد وقع فيه البدل، ولو نادرًا٢، ومضينا نؤيد بالشواهد رأيهم هذا، لقد وجدنا في النحت