← Язык

Язык · id 9998

دراسات في فقه اللغة

صبحي الصالح

Полный текст (387 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

اختزالًا لمادة ثلاثية تلصق بمادة ثلاثية أخرى وتقع صدرًا في أولها، ويكاد الباحث يحسب ابن فارس راميًا منذ البداية إلى تقرير هذه الظاهرة، تمشيًا مع عبارته الصريحة: "فمما جاء منحوتًا من كلام العرب في الرباعي أوله باء ... "١، إلا أن النظرة الفاحصة المدققة في بقية المواد الرباعية التي سردها مبتدأة بالباء تؤكد أن بعضها أجدر ألا تكون الباء فيه هي الحرف المعبر الرامز إلى المادة المختزلة، بل أحد الحرفين الآخرين المؤلفين لكل من المادتين؛ لأن أحدهما هو الحرف الذي لم يتكرر في كلتا المادتين، وإنه لأَوْلَى إذن من الباء المكررة فيهما٢ بأن يكون الحرف الأبرز الأقوى. ومن الطبيعي أن يلصق هذا الحرف ذيلًا في آخر الكلمة المنحوتة، أو حشوًا في وسطها، ما دامت الباء -كما رأينا- صدرًا في أولها. تلك هي الراء الرامزة إلى فعل "بثر" المختزل، كسعت إلحاقًا "Suffixe" بآخر فعل "بحث" الباقي على صورته الثلاثية، فنشأ بهذا الكسع مثل الفعل الجديد "بحثر" بمعنى بدَّد٣. وهذه اللام المتوسطة في مادة "بلط" هي حرفها المعبر الذي ألصق حشوًا بـ"بطح" فتكون بإقحامه فعل "بلطح": إذا ضرب بنفسه الأرض٤.

стр. 247

أما البُرْجُد "وهو اسم للكساء المخطط" فإنما اختيرت لنحته الجيم المتوسطة في "البجاد" حشوًا لكلمة "برد"١. وأمثلة النحت الأخرى التي بثها ابن فارس في بعض مواد "مقاييسه" وذكر بعضها في "الصاحبي"، ليست إلا براهين جديدة تؤيد ما لمحه في الحرف العربي من قيمة تعبيرية "تعويضية" أعني أنها تعوض المادة المختزلة المنحوتة. فالعين من "صعب" ألفت وصف "الصقعب" للطويل من الرجال٢، عندما أضيفت إلى "الصقب" بمعنى الطويل؛ على طريقة الحشو والإقحام٣. والراء من "ضبر" أنشأت وصف "الضِّبَطْر" للرجل الشديد. حين ألحقت بـ"ضبط" على سبيل الكسع والتذييل٤. ومثلها الميم في "لقم" كونت وصف "الصلقم" للشديد العض، لدى إلصاقها بـ"صلق" على أسلوب الكسع والتذييل أيضًا٥. وما يصدق على باب الرباعي المنحوت الذي أوله باء، "من أن الباء ليست فيه دائمًا الحرف "التعويضي" المعبر" يصدق كذلك على سائر الأبواب التي ختم بها ابن فارس أبحاث كل حرف من حروف المعجم على ترتيبها الهجائي، تبعًا للمنهج الذي رسمه لنفسه وبنى عليه

стр. 248

"مقاييسه". فإذا قال مثلًا: "باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أوله تاء"١ احتمل أن يكون الحرف التعويضي المزيد -فيما ذكره من الأمثلة- التاء وغير التاء، فلا شيء يعين حينئذ التاء دون سواها، وإن يقل: "على أكثر من ثلاثة أحرف أوله ثاء، أو جيم، أو حاء"٢ يحتمل غير الثاء، وغير الجيم، وغير الحاء، وهكذا حتى تنتهي حروف المعجم. وما زال بنا هذا البحث يستهوينا حتى أغرانا بدراسة "المقاييس" دراسة إحصائية دقيقة، فاستخرجنا من أبواب مزيدات الثلاثي وحدها أكثر من ثلاثمائة كلمة منحوتة بين فعل وصفة، وهي جميعًا مما صرح ابن فارس بنحته بعبارة قاطعة، وكان لزامًا علينا أن نهمل في إحصائنا ما تردد فيه، ولقد تردد في كثير تواضعًا منه وحذرًا من أن يقول في لغة القرآن ما لا يعلم. ولم يكن بد من أن يتردد صاحب "المقاييس" في بعض تلك المواد المزيدة؛ لأنه يعلم أن ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف لم يرد على صورة واحدة، بل تعددت أشكاله وضروبه؛ "فمنه ما نحت من كلمتين صحيحتي المعنى مطردتي القياس، ومنه ما أصله كلمة واحدة، وقد أحلق بالرباعي والخماسي بزيادة تدخله٣. ومنه ما يوضع

стр. 249

كذا وضعًا"١. وهذا الضرب الأخير الذي وضع وضعًا يوقع أحيانًا في لبس شديد؛ إذ يخيل إلى الباحث فيه أن في وسعه إلحاقه بالنحت بتعيين الحرف التعويضي المزيد عليه وتقدير المادة المختزلة منه، ثم يتبين له أن العرب سمعته هكذا ووضعته على هذه الصورة، فلا سبيل إلى التنقيب فيه عن الزيادة ولا عن الاختزال، وفي مثله يؤثر ابن فارس أن يقول في حذر بالغ: "ومما وُضع وضعًا ولا أظن له قياسًا"٢، أو "لا يكاد يكون له قياس"٣، أو يقول مستشعرًا بعض النقص في استقرائه: "وهذا ما أمكن استخراج قياسه من هذا الباب. أما الذي هو عندنا موضوع وضعًا فقد يجوز أن يكون له قياس خفي علينا موضعه. والله أعلم بذلك"٤. فإن تبلغ منحوتات ابن فارس في مزيدات الثلاثي وحدها ثلاثمائة كلمة، رغم إغفالنا ما أغفله منها مما تردد فيه، فإنى للعلماء القول بقلة النحت في كلام العرب؟ وما الذي طوع لهم أن يروا هذا المنحوت لا يجاوز الستين عددًا؟ ٥ إنما قللوا من شأن النحت، وحقروا من شواهده لتعويلهم فيه على ما سمعوه وحفظوه مما شاع وتناقلته الألسنة؛ فأما ما كان قياسيا مبنيا

стр. 250

على قواعد سليمة في الاشتقاق، فما كان ليكثر منه أحد إلا أن يكون ابن فارس الذي أصَّل أصوله، ورسم منهجه، وكان فيه كل من أتى بعده عالة عليه! ويا ليت صنيعنا لا يوسم بالنقل الساذج لو عينَّا مواضع هذه المنحوتات كلها من "المقاييس"، وفصلنا المواد التي اختزلت فيها حتى نشأت بوساطتها هذه المئات الثلاث من الكلمات الجديدة، أو اكتفينا -على الأقل- بذكر عدد المنحوتات في كل باب من أبواب ما جاء فوق الثلاثي ... ١، إذن لبطلت تلك الخرافة الشائعة المتوارثة عن قلة النحت في لسان العرب! على أن القارئ الآن بين أمرين: إما أن يثبت بنفسه ما ادعيناه بعد إحصائه ما أحصيناه؛ وإما أن يسلم بأننا كفيناه مؤونة هذا الاستقصاء فيتقبل نتائج دراستنا. وحسبنا حينئذ أن نستشهد له -على سبيل المثال- بشاهد واحد على كل حرف مزيد تعويضًا ونحتًا. ونستهل شواهدنا بزيادة التاء، فلا حاجة للتمثيل على الباء، وقد بدأ بها ابن فارس، وأسهبنا في الحديث عنها في مطلع هذا البحث. وحين نمضي من التاء إلى آخر حروف المعجم، لن نعين من المواد المختزلة إلا ما قطع فيه ابن فارس، وإلا قنعنا بالحرف المعوض لها، الرامز إليها. ولئن صرح بعض العلماء في بحث الإبدال اللغوي، على طريقة الاشتقاق الأكبر، بأنه ما من حرف إلا وقد وقع فيه البدل، ولو نادرًا٢، ومضينا نؤيد بالشواهد رأيهم هذا، لقد وجدنا في النحت

стр. 251

أيضًا -على ما استنبطناه من "المقاييس"- أن من الممكن أن نجزم بأنه ما من حرف إلا وقد اختزل مادة على طريقة الاشتقاق الكبار، ولو نادرًا. فـ" التُّرنوق"مؤلف من "رنق + ت" بعد إشباع الواو١. و"ثعلب الرمح" منحوت من "علب + ث"، وهذه الثاء هي الحرف المعوض لمادة "ثعب"٢. و"الْمُحَدْرَج" منحوت من "حدر + ج"، وهذه الجيم هي الحرف الأخير من "درج"٣. و"الْحَبْجَر" منحوت من "بجر + ج"٤ و"الخُضارع" منحوت من "ضرع + خ"٥، و"دَمْشَقَ عمله" منحوت من "دمشق + د"٦. و"الشرذمة" منحوتة من "شرم + ذ"٧. و"اثبجر" القوم في أمرهم منحوت من "ثبج + ر"٨. و"ازلغب الشعر" منحوت نم "لغب + ز"٩. و"الْخُلابس"

стр. 252

منحوت من "خلب + س"١. و"الشناعيف" منحوتة من "نعف + ش"٢. و"اصمقرَّ اللبن" مأخوذ من "مقر + ص"٣. و"الْجَهْضَم" مشتق من "جهم + ض"٤. و"العِفْضاج" زيدت فيه الضاد على "عفج"٥. و"العُطْبول" زيدت فيه الطاء على "عبل"٦. و"الجمعرة" أضيفت فيها العين إلى "جمر"٧. و"التخطرف" مشتق من "خطر" والفاء من "خطف"٨. و"الثفروق" منحوت من "ثفر" والقاف من "فرق"٩. "والحِسْكِل" مأخوذ من "الحسل" بزيادة الكاف١٠. و"اللهذم" مما زيدت فيه اللام، وأصله من مادة "هذم "١١.

стр. 253

ورأينا كثيرًا من الأمثلة على زيادة الميم والنون، فلا حاجة للتكرار. والهاء من "جهر" زيدت على مادة "جمر" فنحتت كلمة "الجمهور"١. والواو زيدت على "دغل" فكانت "الدغاول" وهي الغوائل٢. والياء زيدت أخيرًا في أول مادة "عفر" فنحتت كلمة اليعفور٣. فهل من ريب -بعد هذه الشواهد الصريحة على زيادة كل حرف من حروف الهجاء تعويضًا ونحتًا- في أن مذهب ابن فارس في النحت يضاهي أدق النظريات العلمية في الاشتقاق بطريق السوابق واللواحق المعروفة في اللغات الإلصاقية؟ وهل من ريب بعد هذا كله في أن للنحت أصولًا مؤصلة عرفتها العربية ولم تنكرها، وحفظها رواتها ولم يهملوها؟ إن إمام النحاة سيبويه نفسه أشار إلى النحت إشارة صريحة لا يمكن تأويل كلامه بغيرها عندما عقد مقارنة بين الأسماء التي جاءت في كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف وبين الأسماء المنحوتة لدى النسب في الإضافة كعبشمي من عبد شمس، وعبدري من عبد الدار، فقد قال: "وقد يجعلون للنسب في الإضافة اسمًا بمنزلة جعفر، ويجعلونه من حروف الأول والأخير، ولا يخرجونه من حروفهما ليعرف، كما قالوا: سِبَطْر٤ فجعلوا فيه حروف السبط إذا كان المعنى واحدًا، وسترى بيان ذلك في بابه إن شاء الله. فمن ذلك عبشمي، وعبدري"٥. فالراء في "سبطر" ليست مقحمة دون تصاقب في المعنى بين مادة

стр. 254

"سبط" والصورة الجديدة التي اتخذتها في "سبطر"، بل أقحمت إقحامًا مقصودًا على طريقة النحت؛ إذ كانت الحرف التعويضي الرامز إلى مادة ثلاثية مختزلة يتصاقب معناها مع "سبط" التي عينها سيبويه. ولعل هذا الاستنباط يتبين صوابه من مقارنة نص سيبويه السابق بنص آخر لعبقري اللغويين ابن جني عندما قال في مطالع فصله المشهور حول "تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني": "هذا غور من العربية لا يُنتصف منه ولا يكاد يحاط به. وأكثر كلام العرب عليه وإن كان غفلًا مسهوًّا عنه. وهو على أضرب: منها اقتراب الأصلين الثلاثيين: كضياط وضيطار ... ١، ومنها اقتراب الأصليين، ثلاثيا أحدهما ورباعيا صاحبه: كدَمِث ودمثر، وسبِط وسبَطر ... ٢". فقد صرح في المثل نفسه بتصاقب "السبطر" الرباعي مع "السبط" الثلاثي، ورأى أن أكثر كلام العرب على مثل هذا، وإن كان لم يُعنَ هنا بتقرير ظاهرة النحت عنايته بتقرير ظاهرة التقارب في اللفظ والمعنى. على أننا لو سألناه رأيه في هذه الراء المزيدة على "السبط" لما كان له أن يعدها حشوًا من غير فائدة وهو في طليعة القائلين بالقيمة التعبيرية للحرف العربي، بل الذي نرجحه أنه يعد هذه الراء الحرف الأبرز الأقوى في مادة ثلاثية مختزلة. أما الاختلاف حول تقدير هذه المادة المختزلة التي فيها الراء ليس بذي بال. ولقد رأينا إمام أصحاب النحت ابن فارس يقنع غالبًا، لبيان وقوع النحت، بحرف واحد يعوض المادة كلها ويقوم مقامها. ولقد كان للنحت أنصار من أئمة اللغة في جميع العصور، وكلما امتد الزمان بالناس ازداد شعورهم بالحاجة إلى التوسع في اللغة عن طريق هذا

стр. 255

الاشتقاب الكبار، وانطلقوات يؤيدون "شرعية" ذلك التوسع اللغوي بما يحفظونه من الكلمات الفصيحات المنحوتات. فهذا الإمام النحوي المشهور الظهير بن الخطير النعماني١، من علماء القرن الهجري السادس، يملي من حفظه في نحو عشرين ورقة "كتاب تنبيه البارعين على المنحوت من كلام العرب"، عندما سأله الشيخ أبو الفتح عثمان بن عيسى النحوي البلطي٢ عما وقع في ألفاظ العرب على مثال "شقحطب٣". وإذا قرأنا في "معجم الأدباء" قصة الظهير هذه٤، ثم رأينا السيوطي "المتوفى سنة ٩١١هـ" يحكيها في "المزهر"٥، ووجدناه حريصًا في "باب النحت" خاصة على أن يقول: "معرفته من اللوازم"٦ أردكنا مدى اهتمام الناس بالبحث عن هذه الوسيلة للتوسع والتوسيع، وشعورهم بضرورة استخدامها وتجديدها وتأصيل أصولها؛ لئلا يبطل سحرها ويكتب عليها الممات.

стр. 256

ولكن النحت ظل -مع ذلك- قصة محكية، أو رواية مأثورة تتناقلها كتب اللغة بأمثلتها الشائعة المحدودة، ولا يفكر العلماء تفكيرًا جديًّا في تجديد أصولها وضبط قواعدها، حتى كانت النهضة الأدبية واللغوية في عصرنا الحاضر، وانقسم العلماء في النحت إلى طائفتين: فمنهم من يميل إلى جواز النحت والنقل اللفظي الكامل للمصطلحات، ومنهم من يرى "أن لغتنا ليست من اللغات التي تقبل النحت على وجه لغات أهل الغرب كما هو مدون في مصنفاتها. والمنحوتات عندنا عشرات. أما عندهم فمئات، بل ألوف؛ لأن تقديم المضاف إليه على المضاف معروف عندهم، فساغ لهم النحت. أما عندنا فاللغة تأباه وتتبرأ منه"١. وكلتا الطائفتين مغالية فيما ذهبت إليه، فإن لكل لغة طبيعتها وأساليبها في الاشتقاق والتوسع في التعبير. وما من ريب في أن القول بالنحت إطلاقًا يفسد أمر هذه اللغة، ولا ينسجم مع النسيج العربي للمفردات والتركيبات، وربما أبعد الكلمة المنحوتة عن أصلها العربي. وما أصوب الاستناج الذي ذهب إليه الدكتور مصطفى جواد حول ترجمة "الطب النفسي الجسمي psychosomatic"، فإنه حكم بفساد النحت فيه "خشية التفريط في الاسم بإضاعة شيء من أحرفه، كأن يقال: "النفسجي" أو النفسجسمي" مما يبعد الاسم عن أصله، فيختلط بغيره وتذهب الفائدة المرتجاة منه"٢. إلا أن الدكتور جوادًا سرعان ما ذهب بحسنات رأيه السابق حين أطلق القول بتشويه النحت للكلم العربي، ورمى شواهد

стр. 257

ابن فارس في "المقاييس" بالظن والتخمين والتأويل البعيد١؛ بل زعم أن صاحب "المقاييس" ارتكب برودة وتكلفًا وتعسفًا ليقود كلمة "البحتر" إلى النحت، وأنشأ بين الصحيح عنده! في هذه الكلمة، فأتى برأي لا يخلو في نظرنا من التكلف والتعسف٢، ولم يبال بجسامة دعواه التي أرسلها جزافًا وهو يقول: "وكل ما ثبت عندي منه "من النحت" عدة رموز جمليَّة مثل سبحل فلان: أي قال سبحان الله، وحوقل: قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وطلبق: قال أطال الله بقاءه، ودمعز: قال أدام الله عزك. ولولا أن هذه الجمل كانت من الشهرة والتكرار بالمكان المعلوم ما استجازوا لها هذا الاختصار"٣. ومن الواضح أن الذي ثبت عند الدكتور مصطفى جواد أن النحت مأخوذ من كتب اللغة المتداولة التي تتناقل الأمثلة القليلة الشائعة، وهي عشرات لا تغني شيئًا، وله أن يرى من خلالها أنها متخذة للأفعال لا للأسماء، فلم تكن المصادر مرادة في استعمالهم النحت مع أن وضع المصطلحات يعني الأسماء قبل غيرها. إلا أنه لو نظر نظرة تفصيلية في جميع أبواب المنحوتات من مزيدات الثلاثي المذكورة في المقاييس، وصنفها تصنيفًا جديدًا على النحو الذي أخذنا به، لرأى النحت في الأسماء والمصادر واقعًا تصديرًا وحشوًا وتذييلًا كمان ذكرناه في موضعه. ولسنا بنرئ ابن فارس من التكلف في بعض ما ادعى فيه النحت،

стр. 258

ولقد رميناه بالكثير من التعسف في غير بحث النحت، كلما وجدناه يعين أصول المواد ومدلولاتها تعيينًا لا يقوم على ذوق سليم. ولكن تكلفه في بعض أمثلة النحت لا يعني فساد مذهبه فيما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف، كما أن تكلفه في بعض المواطن لا ينفي اعتداله في سائر المواطن الأخرى. ومن تكلف ابن فارس في هذا الباب أنه علل في "المجمل" قولهم: هو أزلي، بهذا لتعليل السقيم: "الأزل: القِدَم، يقال: هو أزلي. وأرى الكلمة ليست بالمشهورة، وفيما أحسب أنهم قالوا للقديم: لم يزل، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا بالاختصار١، فقالوا: يزلي ثم أبدلت الياء ألفًا٢ لأنها أخف فقالوا: أزلي، وهو كقولهم في الرمح المنسوب إلى ذي يزين: أزني"٣. ومن تكلفه أنه رد إلى أصلين كلمة عربية أو معربة مع أن لها أصلًا واحدًا عربيا أو أعجميا، فخلط المنحوت بالمشتق تارة، وبالمعرب تارة أخرى. فمن خلطه المنحوت بالمشتق مثل قوله: "فمن المنحوت قولهم للباقي من أصل السعفة إذا قطعت: "جُذْمُور" ... وذلك من كلمتين: إحداهما الجِذْم وهو الأصل، والأخرى الجذر وهو الأصل. وقد مر تفسيرهما٤. وهذه الكلمة من أول الدليل على صحة مذهبنا في هذا الباب"٥.

стр. 259

والحق أن هذه الكلمة كانت تعد من أدل الدليل على فساد مذهبه لو أنه أخذ بمثلها في جميع هذا الباب، إلا أن منهجه كان أدق وأسلم من أن ينزلق دائمًا إلى مثل هذا الدرك. فالنحت يجمع بين كلمتين متباينتين معنى وصورة، ولا ضير في اتفاقهما في بعض الحروف ما دام حرف واحد بينهما مختلفًا، ولا بأس في تقاربهما في المعنى شريطة أن يكون بين المعنين المتقاربين فرق ملموح مهما يكن ضئيلًا دقيقًا، والجذمور هنا مؤلف من كلمتين: الجِذْم والجِذْر، فما مختلفتان صورة لتباين الحرف الثالث بينهما، ولكنهما -بشهادة ابن فارس- متحدتان معنى؛ إذ تفيد كل منهما عنده معنى "الأصل" مطلقًا من كل قيد، مجردًا من كل فارق دقيق. وأولَى بالجذمور أن يكون مشتقا من "الجذر" بزيادة الميم إقحامًا والواو إشباعًا، أو من "الجذم" بزيادة الراء كسعًا والواو إشباعًا، وكلتاهما زيادة سماعية لا قياسية، وإذن تكون لغوية لا صرفية، إلا أنها -مع خروجها عن قياس التصريف- لم تنحت كلمة جديدة من كلمتين متباينتين في المعنى، بل ترادفت الكلمتان حتى صح أن تكون الكلمة الجديدة مشتقة من إحداهما اشتقاقًا سماعيًّا، من غير أن يتعين في واحدة منهما أنها أصل في هذا الاشتقاق١.

стр. 260

ومن خلطه المنحوت بالأعجمي المعرب قوله بنحت "جردب الرجل طعامه" إذا ستره بيديه كي لا يتناول١، من كلمتين: من "جدب" لأنه يمنع طعامه، فهو كالجدب المانع خيره، ومن الجيم والراء والباء، كأنه جعل يديه جرابًا يعي الشيء ويحويه٢، مع أن للكلمة أصلًا أعجميًّا هو "كَرْدهْ بانْ" أي حافظ الرغيف٣. ومن ذلك أنه استهل "باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أوله فاء" بالفرزدقة التي هي القطعة من العجين، فرأى أنها كلمة منحوتة من كلمتين، من "فرز" ومن "دق"؛ لأنه دقيق عجن، ثم أفرزت منه قطعة، فهي من الفرز والدق٤. لكن للكلمة أصلًا أعجميًّا هو "برارده"، فهي معربة عن الفارسية٥. وإنه ليبدو لنا -رغم هذا الخلط بين المنحوت والمشتق، وبين المنحوت والمعرب- أن ابن فارس كان دقيق الحس في التمييز بين ما زيد اشتقاقًا وما زيد نحتًا، ففرق بين البلعوم والحلقوم -وهما على وزن واحد- إذ جعل البلعوم منحوتًا من "بلع" بزيادة الميم التي قدرها العلماء رمزًا لفعل "طَعِم"٦، ونفى أن يكون الحلقوم منحوتًا؛ لأن أصله الحلق، وإنما زيدت فيه الميم٧، كأنه يرى الميم المزيدة فيه لا تعوض مادة مختزلة مقدرة، وإنما جيء بها مع الواو المشبعة على

стр. 261

طريقة الاشتقاق اللغوي السماعي المعروف في أحرف قليلة محفوظة. وهو -حين يأتي بالشواهد على هذه الزيادة اللغوية السماعية- آية في التدقيق والتحقيق، يصحح الكثير من الأخطاء الشائعة. فمن يقرأ في المعاجم أن الرماح السمهرية منسوبة إلى سمهر١، يظن المادة من الرباعيات الموضوعة وضعًا، ثم لا ثلبث أن يكتشف أن أصلها "السمرة" وأن الهاء فيها زائدة، كما نبه على ذلك ابن فارس. وتمييزه بين المنحوت والمولد دقيق أيضًا، فلئن اشتبهت عليه "الفرزدقة" المعربة حتى عدها منحوتة من كلمتين، لم تشتبه عليه "الحذلقة" المولدة بلامها الزائدة على "الحِذْق"، بل كشف حقيقة أمرها فقال: "وأظنها ليست عربية أصلية، وإنما هي مولدة، واللام فيها زائدة، وإنما أصله الحذق"٢. وإن يكن ابن فارس مولعًا بالنحت، يفسر أحيانًا في ضوئه كثيرًا من الكلم العربي ويتعسف في التفسير، وبجانب الدقة في بعض المواطن، لا يصلح هذا لأن يكون ذريعة للكفر بالنحت، والحكم بفساده، والاستغناء عنه في تنمية اللغة وتوليد المصطلحات. فلا عذر لعالم مطلع في إنكار ما وقع للعرب من النحت ولو قليلًا، ولا ما وقع لابن فارس مما لا تكلف فيه، وإنه ليسعنا في تقبل النحت ما وسع هذا العلامة الجليل الذي عرفناه "تقليديًّا محافظًا"٣ أكثر مما عرفناه "مبتكرًا أصيلًا"، فلولا

стр. 262

استناده إلى نصوص لا تقبل الجدل لما تجرأ على الذهاب في النحت ذاك المذهب البعيد. على أن في النحت شبهة ما تزال قائمة، فكل باحث منصف يعلم أن اللغويين عولوا على الاشتقاق في تعريب المصطلحات، فوجدوا عربيات فصيحات قتلت الأعجميات الدميمات. واستعملوا القياس للسولوجسموس، والخطابة للريطوريقي، والشعر للبيوطيقي١. وكل باحث منصف يعلم أيضًا أن إمام القائلين بالنحت، ابن فارس نفسه، فسر بأمثلته الكثيرة ما اعترى بعض مزيدات الثلاثي من زيادة اللفظ واختزال المعنى، فعلل بذلك ما لاحظه من النحت في كلمات يرجح أن العرب ألفتها وألصقت أركانها ولم تضعها رباعية أو خماسية وضعًا، ولكنه لم يقترح من تلقاء نفسه نحت كلمة من كلمتين أو أكثر لأداء معنى علمي، أو ترجمة اصطلاح فني، أو تعريب مفهوم فلسفي، أفلا يكفي عمل اللغويين وأصحاب النحت لإثبات أن اختزال الكلمات سماعي، وأننا لا ننحت من الكلام إلا ما أخبرنا عنه الرواة أنه منحوت؟ ولقد أجاب اللغويون العصريون عن هذه الشبهة فأحسنوا الجواب، فما اللغة إلا أداءة مرنة مطواع للتعبير عن حاجات الأفراد والجماعات. وإن لم يجد اللغويون القدامى دافعًا لترجمة المصطلحات نحتًا واختزالًا فقد اشتدت بنا الحاجة إلى مثل هذه الترجمة بأقصر عبارة ممكنة، بعد أن اتسعت آفاق البحث العلمي والفني بما لم يحلم به أسلافنا من قبل. ولسنا نرتاب في أن الاشتقاق هو أهم الوسائل "لتكوين كلمات جديدة بقصد الدلالة على معان جديدة"٢، فلا يكون استعمالنا للنحت إلا وسيلة إضافية

стр. 263

متممة للاشتقاق القياسي القديم. "ولكن النحت يحتاج إلى ذوق سليم خاصة، فكيرًا ما تكون ترجمة الكلمة الأعجمية بكلمتين عربيتين أصلح وأدل على المعنى من نحت كلمة عربية واحدة يمجها الذوق ويستغلق فيها المعنى"١. ومع أن أكثر المحدثين يميلون إلى الوقوف من النحت موقفًا معتدلًا، ولا يسمحون به إلا حين تدعو الحاجة الملحة إليه، لم يجدوا بأسًا في أن يقال "درعمي" نسبة إلى دار العلوم٢ و"أنفمي" للصوت الذي يتخذ مجراه من الأنف والفم معًا٣، ولم يستثقلوا كلمة "لُبْأرْز" المنحوتة من لبنان وأرز، وهو اسم شجر من فصلية الصنوبريات، سموا جنسه باللغة العلمية "Libocedrus" نحتًا من "Cedrus Liban"٤ ولم يستهجنوا نحت كلمة "قبل" بشكل "قب" وحذف حرف التعريف حتى يمكن أن يقال: "قبتاريخ" Phehistoire" فتقابل "قب" العربية "pre" الإفرنجية٥. وكلتاهما حينئذ من السوابق المزيدة نحتًا وتصديرًا "Perfixe". وكان قرار مجمع اللغة العربية في القاهرة حكيمًا حين وافق السادة الأعضاء سنة ١٩٤٨ على جواز النحت عندما تلجئ إليه الضرورة٦.

стр. 264

ونِعِمَّا اشتراط العلماء في النحت انسجام الحروف عند تأليفها في الكلمة المنحوتة، وتنزيل هذه الكلمة على أحكام العربية، وصياغتها على وزن من أوزانها١. فبمثل هذه الشروط يكون النحت -كجميع أنواع الاشتقاق- وسيلة رائعة لتنمية هذه اللغة وتجديد أساليبها في التعبير والبيان من غير تحيف لطبيعتها، أو عدوان على نسيجها المحكم المتين.

стр. 265

الفصل السادس: الأصوات العربية وثبات أصولها الأصوات العربية وألقاب الحروف: ذكرنا في فصل "مناسبة حروف العربية لمعانيها" أن نفرًا من علمائنا الأقدمين عرفوا لكل حرف صوته صفة ومخرجًا، مثلما عرفوا له إيحاءه دلالة ومعنى١. وها نحن أولاء نتحدث في فصلنا هذا عن مخارج الحروف وصفاتها، وهو الموضوع الذي أرجأناه لأسباب منهجية، فلم نجد حاجة لتقديمه على الفصول السابقة التي هي في نظرنا أدخل في خصائص العربية. على أن حديثنا عن ألقاب الحروف لن يتناولها لذاتها، وإلا لكنا اكتفينا بالإحالة على كتيب في التجويد، بل لما نود أن نؤكده من أن

стр. 266

دراسة علمائنا للأصوات العربية لا يضاهيها في العمق والدقة والاستقصاء جميع الدراسات التي يقوم بها اللغويون الآن فيما يسمونه "علم الأصوات اللغوية"، ولما نريد أن نثبته من أن حروفها العربية محفوظة الأصول، معروفة الأنساب. لسنا نزعم طبعًا أن الدراسات الحديثة لم تَعُدْ بالفائدة على الأبحاث اللغوية، فما يجرؤ على مثل هذا القول باحث منصف. ومن ذا الذي ينكر على علماء الأصوات دقتهم في ملاحظة المسموعات، وتسجليها بالأجهزة والآلات؟ ١ لم يكن شيء من هذا متيسرًا لعلمائنا المتقدمين لدى دراستهم الأصوات، وكيفية خروجها من أعضاء النطق، وما يعتريها من التغيير، وما يصيبها من الانحراف، وجاءوا مع ذلك بوصف دقيق لجهاز النطق ووظائف أعضائه عندما أرادوا أن يرتلوا القرآن ترتيلًا، فكانوا أول الرواد لعلم الأصوات اللغوية، وعلى كثير من ملاحظاتهم بنيت المباحث الحديثة في مخارج الحروف وصفاتها٢. وأول ما يبنغي التنبه إليه في الجهاز النطقي أن الأعضاء المتحركة فيه هي الشفتان واللسان من طرفه إلى لسان المزمار ثم الفك الأسفل والطبق -ومعه اللهاة والحنجرة- والأوتار الصوتية والرئتان. أما الأسنان واللثة والغار والجدار الخلفي للحلق فهي جميعًا أعضاء ثابتة في جهاز النطق٣.

стр. 267

وما برح علماء الأصوات العصريون يبحثون الأحرف المستعملة في كل لغة بحثًا مرددًا بين أفقين: أحدهما حركي عضوي، والآخر تنفسي صوتي، فلا يخرجون في كلا الأفقين عن المنهج الثنائي الذي رسمه علماء التجويد حركيًّا عضويًّا في المخارج. تنفسيًّا صوتيًّا في الصفات. لا شيء يمنعنا إذن من التمسك باصطلاحات علمائنا المتقدمين في تسمية حروف الفصحى ومعرفة ألقابها. والتميز بين مخارجها وصفاتها. ولا شيء يدعونا إلى تفضيل التسميات الحديثة، أو الأخذ بالتقسيمات العصرية التي يعمد إليها بعض العلماء اليوم، ولا سيما إذا اتضح لنا أن تغيير المصطلحات القديمة يوقعنا في لبس شديد لدى فهم ظواهر الاشتقاق قلبًا وإبدالًا١، ومدلولات الحروف العربية تعبيرًا وبيانًا٢. ولقد اختلف العلماء في مخارج الحروف. فمال أكثر النحويين وأكثر القراء إلى أنها سبعة عشر مخرجًا٣ تجمعها عشرة ألقاب فقط. وبهذا الرأي أخذنا؛ لأنه أكثر شيوعًا وأدق تفصيلًا. ونلاحظ -قبل الشروع في تسمية هذه الألقاب- أن المعول عليه في الحرف معرفة مخرجه لا صفته؛ لأن معرفة المخرج بمنزلة الوزن والمقدار، ومعرفة الصفة بمنزلة المحك والمعيار٤. ومن هنا جاء اشتقاقهم

стр. 268

ألقاب الحروف من مخارجها لا صفاتها، فكل مجموعة من الحروف تشترك في لقب لتقاربها في المخرج، وإن كان تقاربها لا يعني اتحادها؛ إذ لو اتفق حرفان في المخرج والصفة لما صح أن يسميا حرفين بل كانا أجدر أن يعدا حرفًا واحدًا١. وأفضل وسيلة لمعرفة مخرج الحروف أن تسكنه أو تشدده، وتدخل عليه همزة الوصل بأي حركة وتتسمعه؛ فحيث انقطع الصوت كان مخرجه المحقق، وحيث يمكن انقطاع الصوت في الجملة كان مخرجه المقدر. وإليك الآن ألقاب الحروف، موزعة كل مجموعة منها على مخارجها، وعلى مواقعها من جهاز النطق: ١- الأحرف الجوفية الهوائية: وهي أحرف المد الثلاثة التي تسمى أيضًا أحرف اللين: وهي الألف، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها. ويراد بالجوف الذي تنسب إليه فراغ الحلق والفم، حيث ينقطع مخرجها٢. وسميت هوائية لأنها تنتهي بانقطاع هواء الفم. ٢- الأحرف الحلقية: وهي الهمزة والهاء، والعين والحاء، والغين والخاء، وللحلق ثلاثة مخارج، فأقصاها مما يلي الصدر للهمزة والهاء، وأوسطها مما يلي الصدر للعين والحاء، وأدناها مما يلي الفم للغين والخاء٣. ٣- الأحرف اللهوية: وهما حرفان: القاف والكاف. ومع نسبتها إلى اللهاة بين الفم والحلق، يختلف مخرج كل منهما عن الآخر. فالقاف من أقصى اللسان مما يلي الحلق وما يحاذيه من الحنك الأعلى من منبت اللهاة. والكاف من أقصى اللسان بعد مخرج القاف٤.

стр. 269

٤- الأحرف الشَّجْرية: وهي ثلاثة: الجيم، والشين، والياء غير المدية، ومخارجها متقاربة، ونسب إلى شَجْر الفم، وهو ما بين وسط اللسان وما يقابله من الحنك الأعلى١. ٥- الأحرف الذليقة: وهي ثلاثة: اللام، والنون المظهرة، والراء. واللام هي أوسع الحروف مخرجًا؛ إذ يمكن إخراجها من كلتا حافتي اللسن وما يحاذيهما من لثة الضاحكتين والنابين والرباعيتين. والنون المظهرة من طرف اللسان بينه وبين ما فوق الثنايا، أسفل من اللام قليلًا. أما الراء فهي أدخل في ظهر اللسان، ما بين رأسه وما يحاذيه من لثة الثنيتين العليين. وتسمى ذليقة لخروجها من ذلق اللسان أي طرفه٢. ٦- الأحرف النِّطْعية: وهي ثلاثة: الطاء، والدال، والتاء، ومخارجها متقاربة. ونسبت إلى النطع: وهو سقف غار الحنك الأعلى٣. ٧- الأحرف الأسلية: وهي ثلاثة: الصاد، والسين، والزاي، ومخارجها متقاربة، ما بين رأس اللسان وبين صفحتي الثنيتين العليين، والصاد أدخلها في هذا المخرج، والسين أوسطها، والزاي أبعدها٤. ٨- الأحرف اللثوية: وهي ثلاثة: الظاء والذال والثاء، ومخارجها متقاربة، ما بين ظهر اللسان مما يلي رأسه وبين رأسي الثنيتين العللين. وتسمى لثوية لخروجها من قرب اللثة٥.

стр. 270

٩- الأحرف الشفهية أو الشفوية: وهي أربعة: الفاء، والباء، والميم، والواو غير المدية، وتسمى شفوية لأن مخرجها إلى الهواء من الشفتين١، غير أن الفاء مما بين باطن الشفة السفلى ورأس الثنيتين، والثلاث الباقية مما بين الشفتين معًا٢. ١٠- الأحرف الخيشومية: وهي النون الساكنة والتنوين، حين إدغامهما بغنة أو إخفائهما، والنون والميم المشددتان٣. وإذا جمعنا المخارج المختلفة الموزعة على هذه الألقاب العشرة المسماة وجدناها ستة عشر مخرجًا٤، ثم يصبح سبعة عشر بإضافة الضاد التي أغفل العلماء تلقيبها. غير أن بعضهم أشار إلى إمكان تسميته "شجرية"٥ ومخرجها ما بين إحدى حافتي اللسان ما يحاذيها من الأضراس العليا٦. تلك هي مخارج الحروف، وعليها المعول -كما أوضحنا- في توضيح التباعد والتقارب، ولا سيما في معرفة القلب والإبدال اللغويين. أما الصفات قد اختلفوا أيضًا في تعدادها، ولكن أكثر العلماء والقراء على أنها سبع عشرة صفة٧. وإليك هذه الصفات كما أوردها القراء باختصار٨.

стр. 271

١- الجهر: وهو انحباس جري النفَس عند النطق بالحرف لقوته؛ وذلك لقوة الاعتماد على مخرجه. وحروف الجهر تسعة عشر حرفًا١، وهي: أب ج د ذ ر ز ض ط ظ ع غ ق ل م ن وي ا. ٢- الهمس: وهو ضد الجهر، فهو انطلاق النفس عند النطق بالحرف لضعفه؛ وذلك لضعف الاعتماد على مخرجه٢. وحروف الهمس عشرة وهي: ت ث ح خ س ش ص ف ك هـ٣. ٣- الشدة: وهي انحباس الصوت عند النطق بالحرف لتمام قوته؛ وذلك لتمام قوة الاعتماد على مخرجه، وحروف الشدة ثمانية وهي: أب ت ج د ط ق ك٤. ٤- الرخاوة: وهي ضد الشدة، فهي انطلاق الصوت عند النطق بالحرف لتمام ضعفه؛ وذلك لتمام ضعف الاعتماد على مخرجه٥. وهي ستة عشر: ث ح خ ذ ز س ش ص ض ظ ع ف هـ وي ا. ٥- التوسط بين الشدة والرخاوة: وذلك حين لا يتم انطلاق الصوت ولا انحباسه. وحروف التوسط خمسة هي: ر ع ل م ن٦. ومما سبق يتضح أن الذي يجري مع حروف الهمس ولا يجري مع حروف الجهر إنما هو النفس لا الصوت، وأن الذي يجري مع حروف

стр. 272

الرخاوة ولا يجري مع حروف الشدة إنما هو الصوت لا النفس١. ٦- الاستعلاء: وهو خروج صوت الحرف من أعلى الفم؛ وذلك لعلو اللسان عند النطق بالحرف إلى الحنك الأعلى. وحروف الاستعلاء سبعة وهي: خ ص ض ط ظ غ ق٢. ٧- الاستفال٣: وهو ضد الاستعلاء، فهو خروج صوت الحرف من أسفل الفم؛ وذلك لتسفل اللسان عند النطق بالحرف إلى الحنك الأسفل. وحروف الاستفال اثنان وعشرون، وهي: أب ت ث ج ح د ذ ر ز س ش ع ف ك ل م ن هـ وي ا. ٨- الإطباق: وهو انحصار صوت الحرف بين اللسان والحنك الأعلى؛ لارتفاع ظهر اللسان إلى الحنك الأعلى حتى يلتصق. وحروف الإطباق أربعة، وهي: ص ض ط ظ. ٩- الاستفتاح٤: وهو ضد الإطباق، فهو جريان النفس لانفراج ظهر اللسان عند النطق بالحرف وعدم إطباقه على الحنك الأعلى. وهذه الحروف خمسة وعشرون، وهي: أب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ع غ ف ق ك ل م ن هـ وي ا٥. ١٠- الصفير: وهي ثلاثة: ص، س، ز٦. وسميت صفيرية

стр. 273

لأنها تخرج من بين الثنايا وطرف اللسان، فينحصر الصوت هناك إذا سكنت وكصفير الطائر. ١١- القلقلة: وهي اضطراب الحرف وتحركه بحركة عند النطق به وهو ساكن حتى يسمع له نبرة قوية. وحروف القلقلة خمسة، وهي: ب ج د ط ق١. ١٢- الانحراف: وهو ميل الحرف بعد خروجه إلى طرف اللسان. وحروفه الراء واللام. ١٣- التكرار: وهو ارتعاد طرف اللسان بالحرف عند النطق بالراء. ١٤- الاستطالة: وهي امتداد الصوت بالضاد من أول حافة اللسان إلى آخرها. ١٥- التفشي: وهو انتشار النفس في الفم عند النطق بالشين. ١٦- اللين: وهو إخراج الحرف بعد كلفة على اللسان. وحروف اللين: الواو والياء الساكنتان المفتوح ما قبلهما، نحو خوف وبيت. ١٧- الغنة: وهي خروج صوت الحرف من الخيشوم، وحروفها: الميم، والنون، والتنوين. وكما رأينا مخارج الحروف يجمعها عشرة ألقاب، نلاحظ أن صفات الحروف يجمعها لقبان: المصمتة والمذلقة٢. "فالمذلقة" ستة أحرف: ب ر ف ل م ن. وهي أخف الحروف وأسهلها وأكثرها امتزاجًا بغيرها؛ لسرعة النطق بها٣. ولا يجوز الخلط بين الأحرف

стр. 274

الذلقية مخرجًا، والمذلقة صفة، فالذلقية لا تخرج إلا من ذلق اللسان، أما المذلقة فمنها ما يخرج من ذلق اللسان كراء واللام والنون، ومنها ما يخرج من ذلق الشفة وهي الباء والفاء والميم. ففي صفة الذلاقة شمول وعموم، وفي مخرج الذلاقة تضييق وتحديد. والاتفاق في الاسم لا يوقع في اللبس عند التفرقة بين الصفة والمخرج. أما "المصمتة" فهي ضد المذلقة، وهي الأحرف الهجائية الباقية ما عدا الستة المذلقة، ويصعب على اللسان النطق بها، فلا تنفرد بنفسها في كلمة مؤلفة من ثلاثة أحرف. وسميت مصمتة لأنها أصمتت -أي منعت- أن تختص ببناء كلمة في لغة العرب إذا كثرت حروفها١. ويظن بعض الباحثين المحدثين أن القراء والنحاة العرب خلطوا خلطًا كبيرًا في تحديد المخارج والصفات٢، ويستشهدون على ذلك بتردد بعض الحروف بين مخرجين أو أكثر، أو بين مخرج وصفة، أو إسقاط بعض الصفات والتفصيل في بعضها. والحق أن هذا الخلط إنما جاء النحاة من شدة أمانتهم وحرصهم على أن ينقلوا الآراء جميعًا، فالنون مثلًا عند بعضهم تسمى ذلقية تارة؛ لأنها تخرج من ذلق اللسان، وخيشومية تارة أخرى؛ إذ ينطق بها في تجويف الفم وهو الخيشوم؛ وكل يراعي ناحية، وكل جدير أن ينقل قوله، ولا يهمل. على أنك لو أخذت بمنهج واحد منهم وقنعت بتقسيماته واصطلاحاته لما وجدته يخلط أو يناقض نفسه، وهم جميعًا -بعد هذا كله- أسمح من أن يضيق بعضهم على بعض فيما ذهبوا إليه أو اصطلحوا عليه، فمخارج الحروف وصفاتها تخضع للملاحظة المباشرة، وكلما تجددت هذه الملاحظة ولدت مصطلحات جديدة، وتسميات مستحدثة، ومن هنا رأينا هؤلاء القراء -بعد تفصيل رأيهم في صفات الحروف مثلًا- ينبهون إلى التقسيمات الأخرى ويقولون بكثير من الحيطة والحذر: "وللحروف صفات أخرى غير مشهورة تركناها خوفًا من الإملال والتطويل"٣.

стр. 275

ثبات الأصوات في العربية: ومن يدرس أصوات هذه اللغة دراسة إحصائية دقيقة يؤخذ بظاهرة مدهشة حقًّا حين يرى رأي العين ثبات هذه الأصوات، فمن خصائص لغتنا احتفاظها بأنسابها اللغوية، فلم يعترها من التغير في النطق بحروفها ما اعترى سائر اللهجات في العالم؛ والسبب في ذلك سعة مدرجها الصوتي، فإن أحرف الهجاء العربي تشتمل على جميع الأصوات الإنسانية ومخارجها، حتى "P V" وهما الحرفان اللذان لا ننطق بهما يوشكان أن يكونا من صميم لغتنا؛ لأن مخرجي الباء والفاء يغنيان عنهما أو يعوضانهما عند الحاجة إليهما١. وإذا كان اللغويون المحدثون يلاحظون بوجه عام "أن النظام الصوتي بعيد كل البعد من أن يكون ثابتًا طوال تطور لغة من اللغات"٢، فإن معجزة الكلمة العربية تتجلى في ثبات أصواتها التي تومئ إلى مدلولاتها، حتى لو أن عربيًّا جاهليًّا بعث الآن وسمعنا ننطق بلفظ فصيح لفهمه؛ لأن أصوات لغتنا الفصحى لم يطرأ عليها تغيير، فطريقة النطق بها اليوم لا تختلف في شيء عن طريقة النطق بها بالأمس البعيد، ونحن حريصون على تقييد لغتنا في هذه المواطن "بالفصحى" لئلا يعترض علينا ببعض

стр. 276

الحرفين "au" على عادة سكان روما، فأخذ عليه هذا النطق السناتور فلورس Florus فأجابه Vespasien مداعبًا: "تحية يا فلوري Salue, Flaure ولم يقل له: فلوري Flore١. فإذا تركنا جانبًا هذه التغيرات الصوتية الناشئة عن نطق الأفراد في ظروف معينة لأسباب خاصة، وجدنا أن الانحدار الطبيعي الذاتي إلى أمثال هذه التغيرات في لغات العالم في مجموعاتها الكبرى واضح جدًّا وشائع ومعروف، على حين لا نرى له في العربية الفصحى أثرًا مهما يكن ضيئلًا؛ ففي كثير من اللغات يعتدي حرف على حرف، فيستبدل أحدهما بالآخر؛ لتأثير كلمة في أخرى: فالكاف اللاتينية "c" تنقلب في الفرنسية شينًا "ch" إذا وقعت قبل فتحة قديمة "a" مثال ذلك: في اللاتينية ... ... ... وفي الفرنسية Cantor ... ... "مغن" ... Chantre Capsa ... ... "صندوق يشتمل على آثار الصالحين" ... Chasse Canem ... ... "كلب" ... Chien Caballum ... ... "فرس" ... Cheval Capram ... ... "شاة" ... Chevre وإذا كانت التبدلات الصوتية في الأمثلة السابقة خاضعة للقياس الصرافي analogie٢، فإن هذا القياس يظل مجهولًا حتى لدى الخاصة. وإنما يعرف ما وقع في هذه الألفاظ من التبدل الصوتي العالم اللغوي الذي

стр. 277

أصبحت هذه المباحث شغله الشاغل. فليس ثمة مجال لمقارنة هذه التبدلات الصوتية بأمثلة في العربية تخفى فيها المادة الأصلية بعض الخفاء، كما في "أب، ويد، ودم" فإن النسبة إلى هذه الكلمات -صادرة عن متوسط الثقافة كصدورها عن الفقيه اللغوي- تومئ إلى الواو الكامنة في الأصول الثلاثة في كل من هذه الكلمات الثلاث؛ إذ تقول "حنان أبوي، وعمل يدوي، ومزاج دموي"؛ فأصول الأنساب اللغوية ما ضاعت، وحقيقة الأصوات اللغوية ما اختلط بعضها ببعض، ولا التبس أمرها على أحد ممن له إلمام بسيط بالعربية. والأمثلة الفرنسية السابقة ذات أصل لاتيني قد انقلبت بعض أصواتها عنه، ولكنك تجد في الفرنسية ضربًا عجيبًا من التغير الصوتي لا يقع مثله في العربية بحال من الأحوال. فإذا صرفت بعض الأفعال الشاذة في الفرنسية كفعل الذهاب aller فستجد فيه "أذهب je vais " في الحاضر "سأذهب j'irai" في الاستقبال، وستجد "يذهبون ils vont" في الحاضر "سيذهبون ils iront" في الاستقبال، فقد ضاعت الأنساب الصوتية عند التصريف. ولذلك يحصر الفرنسيون هذه الأفعال في طائفة خاصة وإن كانت غير قليلة، ويسمونها الأفعال الشاذة Les verbes irreguliers. والمزودجات Les doublets في أكثر اللغات تنشأ من التركيبات الصوتية التي اشتقت أول الأمر من مادة أصلية واحدة ثم دخلت قواميس لغة ما بصور مختلفة وأصوات متغيرة؛ لتفيد معاني خاصة قد يكون لها علاقة بالمعنى الأصيل المشترك، ولكنها -على كل حال- تكف هيئة التركيب الأولية التي لم تتغير عن أداء مفهوم ذهني يقارب مفهومها الذاتي المتطور الجديد؛ لأن جدة مفهومها تعود إلى جدة تراكيبها الصوتية؛ ففي اللغة الفرنسية القديمة كان فعل الطي plier يصرف على النحو التالي: في الحاضر "present".

стр. 278

تطوون vous ployez يطوي il plie أطوي je plie يطوون ils plient نطوي nous ployons تطوي Tu plies ويلاحظ أن فعل plier أصبح ployer عند إسناده إلى ضمير المتكلمين والمخاطبين، وهو التغير عينه الذي كان يصيب هذا الفعل عند إسناده إلى الضميرين المذكورين في صيغة الأمر lmperatif. فالفرنسي كان يقول: لتطووا ployez ولنطوِ ployons ولكن الفرنسية الحديثة اكتسبت عن طريق هذا التغيير الصوتي معنى جديدًا لهذه المادة يختلف عن معناها الأصيل، فمادة plier أصحبت الآن تفيد معنى طي الشيء وثنيه مرة أو مرارًا، على حين صارت مادة ployer تعني لَيَّ الشيء الذي يبدي حركة مقاومة١، فتقول: je plie la robe pour la repasser أطوي الثوب لأكويه. وتقول: je pli la cou de l'ane ألوي عنق الحمار. ومن ذلك في غير تصريف الأفعال: الوصفات الفرنسيان rigide, raide فكلاهما يفيد الآن معنى الصلابة والجمود والخشونة، ولكننا لو تعمقنا البحث فيهما لرأينا أن rigide في الأصل لفظ يستخدم في عمل الآليات mecanique. فالفرنسي يصف مثلًا قطعة في المعدن شديدة الصلابة فيقول: une corde metallique rigide، وينتقل من معناه الحقيقي إلى المجازي فيصف به رجلًا جامدًا به من الصلابة مثل ما في الحديد الصلب، فيقول فيمن هذه حاله: qu'il est rigide ما أشد جموده! ولا يستطيع هنا أن يستخدم لفظ raide فهو لا يوحي إلا بمعنى الصلابة في أعم صورها فيقول: il danse sur la corde raide يرقص على حبل قوي متين٢.

стр. 279

وفي الوقت الذي لا يخفى في العربية صوت من أصواتها مهما تتقلب تصاريف موادها المختلفة، فمادتها الأصلية محفوظة ورابطتها المعنوية مصونة، يعترف علماء اللغة الغربيون بعقم أكثر تعليلاتهم لما وقع في لسانهم من التغييرات الصوتية، فهم لا يعرفون مثلًا كيف اختفى من اليونانية الحديثة كل من صوت الهاء المنفسة h والفاء w "Digama". وقد أشار فندريس إلى هذا، بيد أنه لو كلف نفسه بحث سبب اختفاء هذه الهاء المنفسة h" aspire" في لغته الفرنسية نفسها -فضلًا على اختفاء الهاء الساكنة h muet في مثل عشب herbe، رجل homme، بومة hibou- لوجد نفسه مضطرًّا إلى الاعتراف بعجزه عن تعليل هذا التشويه الصوتي، أو قل هذا المسخ الصوتي الشنيع. وعلماء اللغة الغربيون -بدلًا من التنقيب عن الأسباب الجوهرية للانقلابات الصوتية في لغاتهم- يقنعون أنفسهم بالتنبيه على صعوبة هذه المحاولات في القانون الصوتي، "فالقوانين اللغوية التي يصوغها علماء اللغة لا تعبر إلا عن حالات وسطى، سواء أكان ذلك في الزمان أم في المكان؛ إذ لا يتم التحول الصوتي دفعة واحدة على رقعة من الأرض مترامية الأطراف كتلك التي يتكلم فيها بالفرنسية أو الألمانية أو الإغريقية أو اللاتينية. ومع ذلك، في وسعنا أن نقرر أن الفرنسية قد غيرت الفتحة الممالة المقفلة "e " -التي كان في اللاتينية- إلى "وا" oi، وأن الألمانية تستعمل في داخل الكلمات السين المضعفة مكان التاء t في الإنجليزية سواء أكانت بسيطة أم مضعفة"١.

стр. 280

إن لغتنا العربية -إزاء كل هذه التغيرات الصوتية في سائر اللغات- تحتفظ لنفسها بثبات أصواتها، وتبقى فيها المادة الأصلية المشتق منها ظاهرة واضحة مهما تبدو مشتقاتها الفرعية متغيرة عنها، كما رأينا في أنواع الاشتقاق.

стр. 281

الفصل السابع: اتساع العربية في التعبير الترادف ... الفصل السابع: اتساع العربية في التعبير: أ- الترادف: حين نصف العربية بسعة التعبير، وكثرة المفردات، وتنوع الدلالات، وحين نتجرأ أكثر من هذا فنزعم أن لغتنا في هذا الباب أوسع اللغات ثروة، وأغناها في أصول الكلمات الدوال على معانٍ متشعبة، قديمة وحديثة -جدير بنا أن نذكر أن اللغات جميعًا، دون استثناء، تزداد ثروتها وتبلغ مفرداتها من الكثرة حدًّا لا نهاية له إذا كتب لها من شروط النماء والحياة والخلود ما كتب للعربية، فقد أتيح للغة القرآن من الظروف والعوامل ما وسع من طرائق استعمالها، وأساليب اشتقاقها، وتنوع لهجاتها، فانطوت من هذا كله على محصول لغوي، لا نظير له في لغات العالم. والقاعدة في فقه اللغات بوجه عام أن الكلمة الواحدة تعطي من المعاني

стр. 282

والدلالات بقدر ما يتاح لها من الاستعمالات؛ لأن كثرة الاستعمال١ لا بد أن تخلق كلمات جديدة تلبي بها مطالب الحياة والأحياء. ولعل أبرز العوامل في اشتمال لغتنا على هذا الثراء العظيم أن المهجور في الاستعمال من ألفاظها كتب له البقاء، فإلى جانب الكلمات المستعملة كان مدونو المعجمات يسجلون الكلمات المهجورة. وما هجر في زمان معين كان قبل مستعملًا في عصر من العصور، أو كان لهجة لقبيلة خاصة انقرضت أو غلبتها لهجة أقوى منها، وهجران اللفظ ليس كافيًا لإماتته؛ لأن من الممكن إحياءه بتجديد استعماله. فالاستعمال في العربية على نوعين: مهجور قد يستعمل، ومستعمل قد يهجر، واحتفاظ علمائنا بالنوع الأول كأنه إرهاص لإحيائه، وفي هذا كانت المزية للعربية؛ إذ لا تختفظ سائر اللغات إلا بالنوع الثاني وهو مهدد بالهجران، معرض لقوانين التغير الصوتي، فإذا أميت بالهجر لم يكن في طبائعها ما تعوض به المهجور الجديد بمهجور قديم، فتضطر إلى الاستجداء من لغات أخرى وأحيانًا إلى غصبها والسرقة منها. ليس من الغريب إذن أن نجد باحثًا كرينان Renan في دراسته للغات السامية تأخذه الدهشة وهو ينقل عن الأستاذ دوهامر De Hammer أنه توصل إلى جمع أكثر من ٥٦٤٤ لفظًا لشئون الجمل، رفيق الأعرابي في الصحراء ومؤنسه في وحشته٢. ليس من الغريب هذا؛ فإن دوهامر لم يقصر بحثه على أسماء الجمل ومرادفاته، بل جمع كل ما يتعلق بشئونه، وهو الكائن الحي الذي لا يستغني عنه العربي لحظة في حياته. وإذن تكون هذه الأسماء الكثيرة نعوتًا للجمل في أحواله المختلفة: في

стр. 283

حسنه وتمام خلقه، وهزاله وقلة لحمه، وإقامته في المرعى وحبسه، وخطره بذنبه وورده، وشدته في السير ورفقه١. ولا بد أن تلمح حينئذ فروق بين هذه الأسماء، فإذا عجلت الناقة أو الجمل للورد فهي "الميراد"، وإذا توجهت إلى الماء فهي "القارب"، وإذا كانت في أوائل الإبل فهي "السَّلوف"، وإذا كانت في وسطهن فهي "الدَّفون"٢. على أن بين علماء العربية من قصر بحثه على أسماء تطلق على مسمى معين وبلغ بها الألوف، لا أقول المئات، كما صنع مجد الدين الفيروزآبادي٣ صاحب القاموس في كتابه "الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف". ونحن بعد مثل هذا الكتاب سوف نستصغر ونستقل كل ما يشيع على ألسنة المتحذلقين من أن أحدهم جمع للأسد مثلًا خمسمائة اسم، وللحية مائتين٤، وأن آخر جمع من أسماء الدواهي ما يزيد على أربعمائة، وذكر أن تكاثر أسماء الدواهي من الدواهي٥، بل نستقل كتاب "ترقيق الأَسَل لتصفيق العسل" نفسه؛ لأنه لم يذكر فيه من

стр. 284

أسماء العسل إلا ثمانين: منها الحميت، والتحموت، والطَّرْيَم، والدستفشار١، والْمِحْران، والعِكْبر، والبلة، والصبيب، والصموت، واللواص، والرُّحاق، فضلًا على أسمائه المشهورة كالشهد، والذوب، وريق النحل، وقيء الزنابير٢. ونلاحظ هنا شيئًا جديرًا بالاهتمام، فعدا عن أن أوصاف المسمى تصبح أسماء مرادفات، هنالك ألفاظ أعجمية معربة لا يلبث جامعو القواميس أن يجعلوها من عناصر اللغة ومفرداتها نفسها، وعليها يبنون نظرتهم في انفراد اللغة بمزية الثراء العظيم. ولكيلا نضرب إلا مثلًا واحدًا، نشير إلى ما علق به صاحب اللسان على كلمة "دستفشار" فإنه قال: "هو معرب، وهو العسل المعتصر بالأيدي إذا كان يسيرًا. وإن كان كثيرًا فبالأرجل، ومنه قول الحجاج في كتابه إلى بعض عماله بفارس: ابعث إليَّ بعسل خُلار، من النحل الأبكار، من الدستفشار، الذي لم تمسه نار"٣. ولكن بعض العلماء القدامى ينكرون وقوع الترادف في العربية، وفي إنكارهم معنى أخطر كثيرًا مما يتصوره أي باحث من المحدثين، فلا سبيل معه إلى القول بانفراد العربية بكثرة المفردات وسعة التعبير. قال أبو علي الفارسي٤: "كنت بمجلس سيف الدولة بحلب وبالحضرة جماعة

стр. 285

من أهل اللغة، ومنهم ابن خالويه، فقال ابن خالويه: أحفظ للسيف خمسين اسمًا، فتبسم أبو علي وقال: ما أحفظ له إلا اسمًا واحدًا وهو السيف. قال ابن خالويه: فأين المهند والصارم وكذا وكذا؟ فقال أبو علي: هذه صفات"١. وإنكار الترادف، والتماس الفروق الدقيقة بين الكلمات التي يظن فيها اتحاد المعنى، والقول بالتباين بين اسم الذات واسم الصفة أو صفة الصفة، ذهب إليه بعض العلماء في أواخر القرن الهجري، فكان عالم كبير كثعلب٢ يرى أن "ما يظن من المترادفات فهو من المتباينات"٣، وبمثل قوله قال تلميذه أحمد بن فارس. وإذا الجدل يبلغ أشده في القرن الرابع الهجري حول هذا الموضوع، فمن منكر للترادف، ومن مغالٍ في وقوعه، ومن معتدل فيه. فأما ابن فارس فكان يقول: "يسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة، نحو السيف والمهند والحسام. والذي نقول في هذا: إن الاسم واحد وهو السيف، وما بعده من الألقاب صفات، ومذهبنا أن كل صفة منها فمعناها غير معنى الأخرى"٤. وإذا اعترض أصحاب الترادف بأن المعنيين لو اختلفا لما جاز أن يعبر عن الشيء بالشيء فيكون التعبير عن معنى الريب بالشك خطأ، ويكون التعبير عن معنى البعد بالنأي
следующие страницы →