الفصل السابع: اتساع العربية في التعبير
الترادف
...
الفصل السابع: اتساع العربية في التعبير:
أ- الترادف:
حين نصف العربية بسعة التعبير، وكثرة المفردات، وتنوع الدلالات، وحين نتجرأ أكثر من هذا فنزعم أن لغتنا في هذا الباب أوسع اللغات ثروة، وأغناها في أصول الكلمات الدوال على معانٍ متشعبة، قديمة وحديثة -جدير بنا أن نذكر أن اللغات جميعًا، دون استثناء، تزداد ثروتها وتبلغ مفرداتها من الكثرة حدًّا لا نهاية له إذا كتب لها من شروط النماء والحياة والخلود ما كتب للعربية، فقد أتيح للغة القرآن من الظروف والعوامل ما وسع من طرائق استعمالها، وأساليب اشتقاقها، وتنوع لهجاتها، فانطوت من هذا كله على محصول لغوي، لا نظير له في لغات العالم.
والقاعدة في فقه اللغات بوجه عام أن الكلمة الواحدة تعطي من المعاني
стр. 282
والدلالات بقدر ما يتاح لها من الاستعمالات؛ لأن كثرة الاستعمال١ لا بد أن تخلق كلمات جديدة تلبي بها مطالب الحياة والأحياء.
ولعل أبرز العوامل في اشتمال لغتنا على هذا الثراء العظيم أن المهجور في الاستعمال من ألفاظها كتب له البقاء، فإلى جانب الكلمات المستعملة كان مدونو المعجمات يسجلون الكلمات المهجورة. وما هجر في زمان معين كان قبل مستعملًا في عصر من العصور، أو كان لهجة لقبيلة خاصة انقرضت أو غلبتها لهجة أقوى منها، وهجران اللفظ ليس كافيًا لإماتته؛ لأن من الممكن إحياءه بتجديد استعماله.
فالاستعمال في العربية على نوعين: مهجور قد يستعمل، ومستعمل قد يهجر، واحتفاظ علمائنا بالنوع الأول كأنه إرهاص لإحيائه، وفي هذا كانت المزية للعربية؛ إذ لا تختفظ سائر اللغات إلا بالنوع الثاني وهو مهدد بالهجران، معرض لقوانين التغير الصوتي، فإذا أميت بالهجر لم يكن في طبائعها ما تعوض به المهجور الجديد بمهجور قديم، فتضطر إلى الاستجداء من لغات أخرى وأحيانًا إلى غصبها والسرقة منها.
ليس من الغريب إذن أن نجد باحثًا كرينان Renan في دراسته للغات السامية تأخذه الدهشة وهو ينقل عن الأستاذ دوهامر De Hammer أنه توصل إلى جمع أكثر من ٥٦٤٤ لفظًا لشئون الجمل، رفيق الأعرابي في الصحراء ومؤنسه في وحشته٢. ليس من الغريب هذا؛ فإن دوهامر لم يقصر بحثه على أسماء الجمل ومرادفاته، بل جمع كل ما يتعلق بشئونه، وهو الكائن الحي الذي لا يستغني عنه العربي لحظة في حياته. وإذن تكون هذه الأسماء الكثيرة نعوتًا للجمل في أحواله المختلفة: في
стр. 283
حسنه وتمام خلقه، وهزاله وقلة لحمه، وإقامته في المرعى وحبسه، وخطره بذنبه وورده، وشدته في السير ورفقه١. ولا بد أن تلمح حينئذ فروق بين هذه الأسماء، فإذا عجلت الناقة أو الجمل للورد فهي "الميراد"، وإذا توجهت إلى الماء فهي "القارب"، وإذا كانت في أوائل الإبل فهي "السَّلوف"، وإذا كانت في وسطهن فهي "الدَّفون"٢. على أن بين علماء العربية من قصر بحثه على أسماء تطلق على مسمى معين وبلغ بها الألوف، لا أقول المئات، كما صنع مجد الدين الفيروزآبادي٣ صاحب القاموس في كتابه "الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف". ونحن بعد مثل هذا الكتاب سوف نستصغر ونستقل كل ما يشيع على ألسنة المتحذلقين من أن أحدهم جمع للأسد مثلًا خمسمائة اسم، وللحية مائتين٤، وأن آخر جمع من أسماء الدواهي ما يزيد على أربعمائة، وذكر أن تكاثر أسماء الدواهي من الدواهي٥، بل نستقل كتاب "ترقيق الأَسَل لتصفيق العسل" نفسه؛ لأنه لم يذكر فيه من
стр. 284
أسماء العسل إلا ثمانين: منها الحميت، والتحموت، والطَّرْيَم، والدستفشار١، والْمِحْران، والعِكْبر، والبلة، والصبيب، والصموت، واللواص، والرُّحاق، فضلًا على أسمائه المشهورة كالشهد، والذوب، وريق النحل، وقيء الزنابير٢.
ونلاحظ هنا شيئًا جديرًا بالاهتمام، فعدا عن أن أوصاف المسمى تصبح أسماء مرادفات، هنالك ألفاظ أعجمية معربة لا يلبث جامعو القواميس أن يجعلوها من عناصر اللغة ومفرداتها نفسها، وعليها يبنون نظرتهم في انفراد اللغة بمزية الثراء العظيم. ولكيلا نضرب إلا مثلًا واحدًا، نشير إلى ما علق به صاحب اللسان على كلمة "دستفشار" فإنه قال: "هو معرب، وهو العسل المعتصر بالأيدي إذا كان يسيرًا. وإن كان كثيرًا فبالأرجل، ومنه قول الحجاج في كتابه إلى بعض عماله بفارس: ابعث إليَّ بعسل خُلار، من النحل الأبكار، من الدستفشار، الذي لم تمسه نار"٣.
ولكن بعض العلماء القدامى ينكرون وقوع الترادف في العربية، وفي إنكارهم معنى أخطر كثيرًا مما يتصوره أي باحث من المحدثين، فلا سبيل معه إلى القول بانفراد العربية بكثرة المفردات وسعة التعبير. قال أبو علي الفارسي٤: "كنت بمجلس سيف الدولة بحلب وبالحضرة جماعة
стр. 285
من أهل اللغة، ومنهم ابن خالويه، فقال ابن خالويه: أحفظ للسيف خمسين اسمًا، فتبسم أبو علي وقال: ما أحفظ له إلا اسمًا واحدًا وهو السيف. قال ابن خالويه: فأين المهند والصارم وكذا وكذا؟ فقال أبو علي: هذه صفات"١.
وإنكار الترادف، والتماس الفروق الدقيقة بين الكلمات التي يظن فيها اتحاد المعنى، والقول بالتباين بين اسم الذات واسم الصفة أو صفة الصفة، ذهب إليه بعض العلماء في أواخر القرن الهجري، فكان عالم كبير كثعلب٢ يرى أن "ما يظن من المترادفات فهو من المتباينات"٣، وبمثل قوله قال تلميذه أحمد بن فارس. وإذا الجدل يبلغ أشده في القرن الرابع الهجري حول هذا الموضوع، فمن منكر للترادف، ومن مغالٍ في وقوعه، ومن معتدل فيه.
فأما ابن فارس فكان يقول: "يسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة، نحو السيف والمهند والحسام. والذي نقول في هذا: إن الاسم واحد وهو السيف، وما بعده من الألقاب صفات، ومذهبنا أن كل صفة منها فمعناها غير معنى الأخرى"٤. وإذا اعترض أصحاب الترادف بأن المعنيين لو اختلفا لما جاز أن يعبر عن الشيء بالشيء فيكون التعبير عن معنى الريب بالشك خطأ، ويكون التعبير عن معنى البعد بالنأي
стр. 286
خطأ في قول الشاعر:
وهند أتى من دونها النأي والبعد
أجاب ابن فارس: "إنما عبر عنه من طريق المشاكلة، ولسنا نقول: إن اللفظتين مختلفتان فيلزمنا ما قالوه، وإنما نقول: إن في كل واحدة منهما معنى ليس في الأخرى"١.
ولم يكن ابن فارس يكتفي بملاحظة الفروق الدقيقة بين الاسم والوصف أو بين اسم وآخر، بل كان يرى مع شيخه ثعلب أن معاني الأحداث التي تفيدها الأفعال تشتمل كذلك على فروق دقيقة لا تسمح بالقول بالترادف فيها "نحو مضى وذهب وانطلق، وقعد وجلس، ورقد ونام وهجع، ففي قعد معنى ليس في جلس، وكذلك القول فيما سواه"٢.
وبسبيل إثبات هذه التفرقة وإيضاحها يقول ابن فارس: "ألا ترى أنا نقول: قام ثم قعد، وأخذه المقيم والمقعد ... ثم نقول: كان مضطجعًا فجلس، فيكون القعود عن القيام، والجلوس عن حالة هي دون الجلوس؛ لأن الْجَلْس المرتفع، والجلوس ارتفاع عما هو دونه، وعلى هذا يجري الباب كله"٣.
ولقد نجد في لغات العالم، القديمة والحديثة، كلمات قليلة محدودة للتعبير عن أصوات الحركات الخفية مثلًا، فإن التمسنا في العربية ما وضع لأداء هذه الأصوات أدركنا العجز عن استيعاب تلك الكثرة من الكلمات الدالة على فروق دقيقة جدًّا؛ فالهمس صوت حركة الإنسان
стр. 287
وقد نطق به القرآن، ومثله الجرس والْخَشْفة. وفي الحديث أنه ﷺ قال لبلال: "إنني لا أراني أدخل الجنة فأسمع الخشفة إلا رأيتك". وقريب منها الهمشة والوقشة. فأما النامة فهي ما يتم على الإنسان من حركته أو وطء قدميه. والهسهسة عام في كل شيء له صوت خفي كهساهس الإبل في سيرها. والهميس صوت نقل أخفاف الإبل في سيرها. "ومنه قول القائل":
وهن يمشين بنا هميسا١
وتبلغ العربية حد الإعجاز وهي تعبر عن صوت الشيء الواحد بألفاظ مختلفة تراعي معها التفاوت في علوه وهبوطه، وعمقه وسطحيته. فإذا كان صوت الإنسان الخفي -كما رأينا- قفد يكون همسًا أو جرسًا أو خشفة أو همشة أو وقشة، فإن صوت الماء إذا جرى خرير، وإذا كان تحت ورق أو قماش قسيب، وإذا دخل في مضيق فقيق، وإذا تردد في الجرة أو الكوز بَقْبَقة، وإذا استخرج شرابًا من الآنية قرقرة ... وهكذا٢.
ولقد حَرَصَ العلماء على إظهار الفروق الدقيقة بين الألفاظ المستعملة، فعقدوا فصولًا لأشياء تختلف أسماؤها باختلاف أحوالها، ونقلوا مثلًا أنه "لا يقال كأس إلا إذا كان عليها طعام، وإلا فهي خوان. ولا كوز إلا إذا كانت له عروة، وإلا فهو كوب"٣.
стр. 288
ولسنا نريد بهذا أن ننكر مع أحمد بن فارس وقوع الترادف، بل نؤثر أن نعتدل في رأينا، فلا ضير علينا إذن أن نأخذ بمذهب من يقول في شأن الترادف: "وينبغي أن يحمل كلام من منعه على منعه في لغة واحدة، فأما في لغتين فلا ينكره عاقل"١.
وقد تنبه إلى هذا علماء الأصول حين فسروا وقوع الترادف بوجود واضعين مختلفين، "وهو الأكثر: بأن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين والأخرى الاسم الآخر للمسمى الواحد، من غير أن تشعر إحداهما بالأخرى، ثم يشتهر الوضعان، ويخفى الواضعان، أو يلتبس وضع أحدهما بوضع الآخر، وهذا مبني على كون اللغات اصطلاحية"٢.
وإن خفاء الواضعين حين لم يمنع اشتهار الوضعين قد زاد من ثروة اللغة المثالية حتمًا، فقد انتقل إلى هذه اللغة كثير من مفردات القبائل الأخرى، وأصبحت في الحقيقة تؤلف جزءًا من صيغها وألفاظها، وتنوسيت الفروق الدقيقة التي تميز لهجة من لهجة، أو حفظ بعضها وأهمل البعض الآخر.
وعلى هذا الأساس نقر بوجود الترادف في القرآن الكريم؛ لأنه وقد نزل بلغة قريش المثالية يجري على أساليبها وطرق تعبيرها، وقد أتاح لهذه اللغة طول احتكاكها باللهجات العربية الأخرى اقتباس مفردات تملك أحيانًا نظائرها ولا تملك منها شيئًا أحيانًا أخرى، حتى إذا أصبحت جزءًا من محصولها اللغوي فلا غضاضة أن يستعمل القرآن الألفاظ الجديدة المقتبسة إلى جانب الألفاظ القرشية الخالصة القديمة، وبهذا نفسر ترادف
стр. 289
أقسم وحلف في قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ ، وترادف بعث وأرسل في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ ، وترادف فضَّل وآثر في قوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وقوله: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ فقريش كانت تستعمل في بيئتها اللغوية الخاصة أحد اللفظين في هذه الأمثلة الثلاثة، وإنما اكتسبت اللفظ الآخر من احتكاكها بلهجة أخرى لها بيئتها اللغوية المستقلة. وهكذا لم نجد مناصًا من التسليم بوجود الترادف ولا مفرًّا من الاعتراف بالفروق بين المترادفات، لكن هذه الفروق -على ما يبدو لنا- تنوسيت فيما بعد، وأصبح من حق اللغة التي ضمتها إليها أن تعتبرها ملكًا لها، ودليلًا على ثرائها، وكثرة مترادفاتها.
وتكاد تُجْمِع كتب الأدب على رواية قصة تعتبر حجة دامغة على صحة ما نميل إليه؛ فقد خرج رجل من بني كلاب أو من بني عامر بن صعصعة١ إلى ذي جَدَن من ملوك اليمن، فاطلع إلى سطح والملك عليه، فلما رآه الملك قال له: ثب، يريد "اقعد". فقال الرجل: ليعلم الملك أني سامع مطيع، ثم وثب من السطح ودقت عنقه. فقال الملك: ما شأنه؟ فقالوا له: أبيت اللعن، إن الوثب في كلام نزار الطمر "أي الوثوب إلى أسفل" فقال الملك: ليست عربيتنا كعربيتهم، من دخل ظفار حَمَّر "أي من دخل مدينتنا اليمنية "ظفار" فعليه أن يتكلم بلهجة حمير"٢.
وواضح أننا لا نقصد من هذه القصة أن نجري وراء المبالغين في الترادف، فنهول كما هولوا، ونزعم الترادف المطلق بين مئات الأسماء
стр. 290
وعشراتها لمسمى واحد، فإننا من قبل ومن بعد أمام قصة ستظل مهما تجمع عليها كتب الأدب قصة، ولكن مصدر احتجاجنا بها يعود إلى أن الذين وضعوها -إن كانت موضوعة- إنما استشعروا فيها إمكان التعبير عن شيء واحد بلفظتين مختلفتين ما دامت البيئتان اللغويتان متباينتين. ولو صدر لفظ "وثب وقعد" بمعنى واحد عن قبيلة واحدة، وفي بيئة لغوية واحدة، لما كان ثمة احتمال للترادف بين اللفظين.
وإذا كنا نعتبر الكلمة التي تقتبسها اللهجة الأقوى ملكًا لها ودليلًا على ثرائها متى تثبتنا من اختلاف البيئتين اللغويتين، فإننا نود أن ننبه -مخافة الوقوع في اللبس- على أن الاختلاف بين لغتين يراد منه الاختلاف بين لهجتين كلتاهما فرغ للغة واحدة، وت فرعهما عن أصل واحد هو الذي يسوغ ضم ما عند هذه إلى تلك، فيصح لنا -على هذا الأساس- التغني بمآثر لغتنا التي تشتمل على محصول لغوي لا مثيل له بين لغات العالم.
أما متى بلغ الاختلاف بين اللغتين مرحلة التباين الأصلي، كما بين العربية والفارسية، أو بين العربية واليونانية مثلًا، فإن الكلمات المكتسبة لا يستدل بها على ثراء اللغة إلا من زعم أن الطير ولد الحوت!
стр. 291
ب- في المشترك اللفظي:
ما دام فقهاء اللغة يقررون أن الكلمة يكون له من المعاني بقدر ما لها من الاستعمالات، فإن كثرة الاستعمال التي لوحظت في المترادفات أو في إظهار الفروق الدقيقة بين الألفاظ التي يظن فيها الترادف، هي تلك التي تلاحظ في الألفاظ المشتركة أو التي يظن فيها الاشتراك؛ فكما يتسع التعبير في العربية عن طريق الترادف -سواء أبولغ فيه فكان للمسمى الواحد ألوف من الأسماء، أم اقتصر منه على الأمور الهامة والتمست الفروق في سائره- لا بد أن يتسع التعبير عن طريق الاشتراك، سواء أسُلِّم وروده على سبيل الحقيقة، أم التُمست له معانٍ متطورة على سبيل المجاز.
ولعل تعريف أهل الأصول للمشترك هو أدق ما يحد به، فهو عندهم "اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة"١. ومثلوا له بعين الماء، وعين المال، وعين السحاب.
وإن شئت أن تختصر تعريفه أمكنك أن تقول: "المشترك هو ما اتحدت صورته واختلف معناه". ولولا تنوع الاستعمال لما تنوع معناه؛ لأن اتحاد صورته مع اتحاد استعماله ما كان لينتج إلا اتحاد معناه، ولكن الصورة وحدها تماثلت في المشترك، بينما تغايرت طرائق استعمالها، أما لتغاير البيئات اللغوية وإما لتفاوت المستعملين في مدى ولوعهم بالمجاز أو إيثارهم الحقيقة.
ولسنا نزعم أن العربية تنفرد بالمشترك اللفظي، ففي سائر اللغات ألفاظ مشتركة Homonymes يدرو النقاش حولها بين أصحاب الاشتراك ومنكريه، كما يدور مثله بين أصحاب الترادف ومنكريه. بيد أن كثرة المشترك النسبية في لغتنا -كالذي رأيناه من كثرة الترادف فيها نسبيًّا- هي التي تجعل بحث المشترك مندرجًا تحت اتساع العربية في التعبير على أنه خصيصة لا تنكر من خصائصها الذاتية.
ولئن توسع الأصمعي والخليل وسيبويه وأبو عبيدة٢ في إيراد الأمثلة على المشترك اللفظي في شواهد عربية لا سبيل إلى الشك فيها، فإن طائفة
стр. 292
من العلماء القدامى لم ترَ في تلك الأمثلة والشواهد إلا مصادفات محضة تنوسيت فيها خطوات التطور المعنوي عن طريق المجاز والكناية، ولو أمكن تتبع تلك الخطوات واحدة واحدة لوقعنا على المعنى الأصلي الحقيقي للفظ ثم رأيناه آخذًا في التطور، يلبس كل يوم زيًّا جديدًا، ويعبر في كل بيئة تعبيرًا معينًا. وفي طليعة هؤلاء العلماء المنكرين للاشتراك، المسرفين في إنكاره، وابن دُرُسْتَوَيه١ في كتابه "شرح الفصيح"٢.
فإذا ظن الناس من قبيل المشترك مثل لفظ "وجد" الذي لم يفد معاني مختلفة إلا بسبب العوارض التصريفية، فيقال: "وجد الشيء وُجدانًا إذا عثر عليه، ووجد عليه مَوْجِدة إذا غضب، ووجد به وَجْدًا إذا تفانى بحبه؛ لم يسلم ابن درستويه بأن هذا لفظ واحد قد جاء لمعانٍ مختلفة، "وإنما هذه المعاني كلها شيء واحد، وهو إصابة الشيء خيرًا كان أو شرًّا؛ ولكن فرقوا بين المصادر؛ لأن المفعولات كانت مختلفة، فجعل الفرق في المصادر بأنها أيضًا مفعولة، والمصادر كثيرة التصاريف جدًّا، وأمثلتها كثيرة مختلفة، وقياسها غامض، وعللها خفية، والمفتشون عنها قليلون، والصبر عليها معدوم، فلذلك توهم أهل اللغة أنها تأتي على غير قياس؛ لأنهم لم يضبطوا قياسها، ولم يقفوا على غورها"٣.
ويبدو أن أبا علي الفارسي كان ينظر إلى الموضوع نظرة معتدلة، لا يغالي فيها في إنكار الاشتراك مغالاة ابن درستويه، ولا يبالغ في جميع صوره مبالغة الفريق الأول، فهو يقول: "اتفاق اللفظين واختلاف
стр. 293
المعنيين ينبغي ألا يكون قصدًا في الوضع ولا أصلًا ولكنه من لغات تداخلت، أو أن تكون لفظة تستعمل لمعنى ثم تستعار لشيء فتكثر وتصير بمنزلة الأصل"١.
وقد لعب تداخل اللغات دورًا خطيرًا في استعمال الألفاظ المشتركة، فكان مادة صالحة للتورية والتجنيس عند المشغوفين بالمحسنات اللفظية، فمن السهل أن يكرر الشاعر أو الناثر لفظ "الألف" قاصدًا به الأحمق كما هو في لغة قيس، أو الأعسر كما في لغة تميم٢، أو لفظ "الهِجْرِس" قاصدًا به القرد كما في لغة الحجاز، أو الثعلب كما عند تميم٣، أو لفظ "السليط" قاصدًا له الزيت كما يقول عامة العرب، أو دهن السمسم خاصة كما عند أهل اليمن٤.
وهنا تسمح قريحة الشعراء المجنسين بما يعتبرونه عبقرية في الشعر، وإن كان الشعر براء من هذا السخف كله، فليأخذ الزهو رجلًا كسلامة الأنباري وهو ينشد في شرح المقامات:
لقد رأيت هذريًا جَلْسا ... يقود من بطن قديد جَلْسا
ثم رقى من بعد ذاك جَلْسا ... يشرب فيه لبنا وجَلْسا
مع رفقة لا يشربون جَلْسا ... ولا يؤمون لهم جَلْسا
وكيف لا يأخذه الزهو وقد صلح لفظ "جلس" عنده لستة معانٍ مختلفة في ثلاثة أبيات فقط؟ فالأول: رجل طويل، والثاني: جبل عالٍ،
стр. 294
والثالث: اسم جبل، والرابع: عسل، والخامس: خمر، والسادس: نجد١ ...
والواقع أن لفظ "جَلْس" كان يستعمل في الأصل لمعنى خاص هو الارتفاع مثلًا، وقد يكون من السهل ملاحظة هذا المعنى الأصلي في وصف الرجل بالجلس إذا كان طويلا؛ لأن الطول ارتفاع، وقد تكون ملاحظته أيسر في الجبل العالي أو في تسمية الجبل بالجلس بسبب ارتفاعه، وإن كان البحث عن المعنى الأصلي في العسل والخمر والنجد لا يخلو من تكلف واصطنع. لكن الشيء الذي لا بد من ملاحظته هو أن المعنى الأصلي أن تنوسي أو حفظ في بطون المعجمات، قد كان يلاحظ وحده حين أطلق لفظه للمرة الأولى، ثم جاءت بعض المصادفات المحضة التي قد تظل مجهولة لدينا في بعض جوانبها أحيانًا كثيرة فغيرت معنى هذا اللفظ واستعملته في غير المراد الأصلي البدائي منه، فوجوده بين الألفاظ المهجورة التي قد تستعمل أو حفظه في كتب اللغة بين الألفاظ المستعملة التي قد تهجر لا ينفي أن له في الأصل معنى خاصًّا يدل عليه دون سواه.
ولعل بلي Bally لم يكن يقصد غير هذا حين كان يقول: "الكلمات لا تستعمل في واقع اللغة تبعًا لقيمته التاريخية؛ فالعقل ينسى خطوات التطور المعنوي التي مرت بها، إذا سلمنا بأنه عرفها في يوم من الأيام. وللكلمات دائمًا معنى حضوري actuel محدود باللحظة التي تستعمل فيها، ومفرد، خاص بالاستعمال الوقتي الذي تستعمل فيه"٢.
وإذا كان تطور اللفظ المشترك -بأي طرق التطور- لا ينم في طبيعة المفردات إلا عن فكرة تاريخية عجلى غالبًا ما تكون زائفة، فإنه وقد حصل مقدمة لثراء كل لغة تشتمل على جملة طيبة منه،
стр. 295
ففائدته تقوم على الكم الا الكيف؛ إذ تُوسع من القيم التعبيرية، وتبسط من مداها اللفظي؛ بينما لا تسعفنا إلا بصورة مموهة عن كيفية وصولها إلينا معبرة عن عدد من المعاني بعد أن كانت في الأصل لا تعبر إلا عن معنى واحد.
نحن إذن لا نستغرب موقف لغوي كبير مثل لروا B Leroy من هذه الألفاظ المشتركة في اللغة الفرنسية بوجه خاص، واللغة الإنسانية بوجه عام. فهو يرى "أننا حينما نقول: إن لإحدى الكلمات أكثر من معنى واحد في وقت واحد إنما تكون ضحايا الانخداع إلى حد غير قليل؛ إذ لا يطفو في الشعور من المعاني المختلفة التي تدل عليها إحدى الكلمات إلا المعنى الذي يعينه سياق النص"١.
ولقد كان علماؤنا القدامى أكثر الناس تقديرًا لحدود ما يعرفون وحدود ما يجهلون، فقد تخفى موارد الاشتقاق عليهم جميعًا، ولا يدل خفاؤها على عدم ملاحظة العرب لها. "قال أبو العباس عن ابن الأعرابي: كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد، في كل واحد منهما معنى ليس في صاحبه، وربما عرفناه فأخبرنا به، وربما غمض علينا، فلم نلزم العرب جهله. وقال: الأسماء كلها لعلة خصت العرب ما خصت منها. ومن العلل ما نعلمه ومنها ما نجهله. قال أبو بكر٢: يذهب ابن الأعرابي إلى أن مكة سميت مكة لجذب الناس إليها، والبصرة سميت بصرة للحجارة البيض الرخوة بها، والكوفة سميت الكوفة لازدحام الناس بها، من قولهم: قد تكوف الرمل تكوُّفًا إذا ركب بعضه بعضًا، والإنسان سمي إنسانًا لنسيانه، والبهيمة سميت بهيمة لأنها أبهنت عن العقل والتمييز، من قوله: أمر مبهم إذا كان لا يعرف بابه،
стр. 296
ويقال للشجاع: بهمة؛ لأن مقاتله لا يدري من أي وجه يوقع الحيلة عليه"١.
وإذا كان القدماء يصرحون بصعوبة الكشف عن العلاقة بين بعض الألفاظ ومدلولاتها، ولا يتصدون لتعليل أسماء المسميات أو توضيح جميع موارد الاشتقاق، فليس من اللائق أن يرميهم المحدثون بالاضطراب في الرواية مؤكدين مثلًا أن ليس من علاقة بين "الليث بمعنى الأسد، وضرب من العنكبوت، واللسن البليغ" أو بين "الفخت بمعنى ضوء القمر، ونشل الطباخ الفدرة٢ من القدرة، وثقوب مستديرة في السقف" أو بين "البلد بمعنى كل قطعة من الأرض عامرة، ومكة، والتراب، والقبر، والدار، والأثر"٣ لأن الراوبط المشتركة بين هذه المسميات يمكن أن تلمح بإحدى طريقتين: سلبية أو إيجابية، فإذا كان في الليث معنى القوة الحسية ففي اللسن البليغ معنى القوة البيانية، وفي العنكبوت معنى الضد المقابل، فكان الرابط فيها سلبيًّا عكسيًّا كما سنرى في بحث الأضداد، وإذا كان في الفخت معنى ضوء القمر الذي يخترق الليل وينفذ خلاله ويثقبه ففي الثقوب المستديرة اختراق للسقف ونفوذ فيه، وفي امتداد يد الطباخ إلى القدرة ولانتشال الفدرة منها نفوذ فيها واختراق لها؛ فالمعنى الحسي الذي لاحظه العرب في ضوء القمر الثاقب يمكننا ملاحظته بيسر وسهولة في المعنيين الآخرين المتطورين اللذين يثيران الدهشة عند المحدثين.
وإذا كان في البلد معنى اقتطاع الشيء لسكناه وعمرانه، ففي مكة تجسيد لهذا المعنى عن طريق العلمية، وفي التراب تحقيق لهذا المعنى؛ لأنه وسيلة البناء والعمران الحسيين، ويزداد هذا المعنى تحققًا في
стр. 297
الدار التي تم بناؤها لتكون جزءًا من البلد العامر، ثم في القبر والأثر معنى عكسي للسكنى والعمران، فما القبر إلا بلد الموتى ومسكنهم، وما الأثر إلا الدليل على عمران المكان قبل أن يعفو ويدرس. ولقد يكون في التماس هذه الروابط المشتركة بعض التكلف، ولكنه يظل خيرًا ألف مرة من التسرع في رمي القدماء بقلة التثبت، فما أمثالنا بأهل لكيل الاتهامات جزافًا لأمثالهم.
والسياق هو الذي يعين أحد المعاني المشتركة للفظ الواحد، وهذا السياق لا يقوم على كلمة تنفرد وحدها في الذهن، وإنما يقوم على تركيب يوجد الارتباط بين أجزاء الجملة، فيخلع على اللفظ المعنى المناسب. وعلى هذا لا يجد الباحث كبير عناء في فهم لفظ "الغروب" يتردد ثلاث مرات في ثلاثة أبيات على قافية واحدة يستوي لفظها ويختلف معناها:
يا ويح قلبي من دواعي الهوى ... إذ رحل الجيران عند الغروبْ
أتبعتهم طرفي وقد أزمعوا ... ودمع عيني كفيض الغروبْ
كانوا وفيهم طفلة حرة ... تفتر عن مثل أقاحي الغروبْ
فليس متعذرًا أن يُفهم من وحي السياق أن الغروب الأول: غروب الشمس؛ والثاني جمع غرب: وهو الدلو العظيمة المملوءة، والثالث جمع غرب: وهو الوهاد المنخفضة١.
إن في المشترك لتنوعًا في المعاني بسبب تنوع الاستعمال، وإن في اشتمال العربية على قدر لا يستهان به من الألفاظ التي تنوع استعمالها بتنوع السياق -لدليلًا على سعتها في التعبير عن طريق الاشتراك كسعتها فيه عن طريق الترادف.
стр. 298
جـ- في الأضداد:
أما اتساع التعبير في العربية عن طريق التضاد فليس في وسعنا أن نبالغ فيه ونكبر من أمره؛ لأننا -بعد مراجعة رصيدنا اللغوي من الأضداد- سنجد أنفسنا وجهًا لوجه أمام مقدار ضيئل من الكلمات، وسرعان ما نلاحظ أن هذا المقدار الضئيل نفسه يأخذ في التضاؤل شيئًا فشيئًا حتى ليكاد ينعدم.
وقد ألف في الأضداد جماعة من أئمة اللغة أشهرهم أبو بكر بن الأنباري١ الذي اختار في كتابه ما يزيد على أربعمائة من الكلمات توهم فيها التضاد، وجعل منهجه "ذكر الحروف التي توقعها العرب على المعاني المتضادة، فيكون الحرف منها مؤديًا عن معنيين مختلفين، ويظن أهل البدع والزيغ والإزراء بالعرب أن ذلك منهم لنقصان حكمتهم وقلة بلاغتهم وكثرة الالتباس في محاوراتهم"٢.
وأربعمائة من الأضداد ليست بالمقدار العظيم، ولا سيما إذا اتضح لنا أن أكثرها يرد بيسر وسهولة إلى ضرب من المشترك اللفظي تنتقل به تلك الكلمات من معنى التضاد إلى معنى الاشتراك، وقد لاحظ السيوطي ذلك حين افتتح في المزهر باب "معرفة الأضداد" بقوله: "هو نوع من المشترك"٣، وأيد ما رآه من اندراج التضاد تحت الاشتراك بقول
стр. 299
أهل الأصول وقول بعض العلماء الذين يذهبون إلى "أن المشترك يقع على شيئين ضدين، وعلى مختلفين غير ضدين، فما يقع على الضدين كالْجَوْن وجلل، وما يقع على مختلفين غير ضدين كالعين"١.
وقد جنحنا إلى هذا الرأي حين اكتشفنا في تسمية العنكبوت بالليث معنى سلبيًّا عكسيًّا للقوة الواضحة حسيًّا في الليث بمعنى الأسد الواضحة بيانيًّا في الليث بمعنى اللسن البليغ، وحين اكتشفنا في تسمية القبر والأثر بالبلد معنى سلبيًّا عكسيًّا أيضًا للسكنى والعمران في مقابل البلد بمعنى كل قطعة من الأرض عامرة، ومكة، والتراب. ويمكننا اكتشاف هذه المعاني السلبية في عدد من الكلمات التي جاء اشتراكها عن طريق مقابلة بعضها ببعض لنكتة بلاغية، أو بسبب تداخل اللغات.
فمن النكات البلاغية أن تعبر عن الشيء السيئ بالعبارة الحسنة، واثقًا من فهم المخاطب كلامك؛ كتعبيرك عن الأعمى بالبصير، وعن الأسود بالأبيض. وأكثر ما يكون ذلك على سبيل التفاؤل. وهو أمر يعود بالدرجة الأولى إلى العقلية الاجتماعية السائدة في بيئة ما. ونحسب أن أبا حاتم السجستاني في كتابه عن "الأضداد" لم يكن يقصد غير هذا حين قال: إنما قيل للعطشان: يا ريان، وللملدوغ: سليم -أي سيسلم- وسيَرْوَى، ونحو ذلك؛ لأن معنى فاز: نجا، فالمفازة المنجاة، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: بمنجاة٢.
والأسرار البلاغية لا عَلاقة لها في الواقع بوضع اللغة، فهي أمور
стр. 300
نسبية تتفاوت طرق التعبير عنها بتفاوت الأشخاص، فلم يكن ضروريًّا أن يكون ما استعمل على سيبل التقابل لغرض ما دالًّا على التضاد الحقيقي الوضعي، ولكن الناس إذا تناسوا علاقة التقابل هذه "تستدعيها الصور والألفاظ والأفكار المتداعية" نقلوا هذه الألفاظ متوهمين فيها التضاد الحقيقي، فاجتمع لديهم من ذلك ما اجتمع مما يسمونه "بالأضداد".
وأما التداخل في اللغات فلم يَفُتِ الأقدمين التنبيه عليه فقالوا: "إذا وقع الحرف على معنيين متضادين فمحال أن يكون العربي أوقعه عليهما بمساواة منه بينهما، ولكن أحد المعنيين لحي من العرب والمعنى الآخر لحي غيره، ثم سمع بعضهم لغة بعض فأخذ هؤلاء عن هؤلاء، وهؤلاء عن هؤلاء، قالوا: فالجون الأبيض في لغة حي من العرب والجون الأسود في لغة حي آخر، ثم أخذ أحد الفريقين من الآخر كما قالت قريش: حَسِب يحسِب"١.
وعلى هذا الأساس ما كان ينبغي أن يكون لفظ "السُّدْفة" من الأضداد؛ لأن أبا زيد الأنصاري يقول فيه: "السدفة في لغة تميم: الظلمة، والسدفة في لغة قيس: الضوء"٢. ونستطيع أن نقيس على ذلك وثب بمعنى قعد وجلس، وما سببه الاختلاف بين الحيين في معناها من دق عنق الأعرابي٣.
وكما رأينا -في بحث المشترك اللفظي- أن بعض المصادفات المحضة قد تغير معنى لفظ ما وتستعمله في غير المراد الأصلي البدائي، نرى كذلك في بحث التضاد "باعتباره ضربًا من المشترك" صورًا من هذه
стр. 301
المصادفات تكون بعض الأضداد. وبهذا نلقي ضوءًا كافيًا لفهم ما يقوله بعض علماء اللغة القدامى: "إذا وقع الحرف على معنيين متضادين فالأصل لمعنى واحد، ثم تداخل الاثنان على جهة الاتساع، فمن ذلك: الصريم، يقال لليل صريم، وللنهار صريم؛ لأن الليل ينصرم من النهار، والنهار ينصرم من الليل؛ فأصل المعنيين من باب واحد وهو القطع، وكذلك الصارخ: المغيث، والصارخ: المستغيث، سميا بذلك لأن المغيث يصرخ بالإغاثة، والمستغيث يصرخ بالاستغاثة، فأصلهما من باب واحد.
وكذلك السدفة: الظلمة، والسدفة: الضوء، سميا بذلك لأن أصل السدفة الستر، فكأن النهار إذا أقبل ستر ضوؤه ظلمة الليل، وكأن الليل إذ أقبل سترت ظلمته ضوء النهار"١.
ويظل السياق هو الذي يعين الغرض من اللفظ، ويشعر بنوع العلاقة فيه سلبية كانت أم إيجابية، فالاشتراك بالتضاد كالاشتراك في التناظر لا يخفى مقصد المتكلم منه إذا وعى السامع نظم الجملة وأسلوب تركيب الكلام، فكلام العرب يصحح بعضه بعضًا، ويرتبط أوله بآخره، ولا يُعْرَف معنى الخطاب فيه إلا باستيفائه واستكمال جميع حروفه، فجاز وقوع اللفظة الواحدة على المعنيين المتضادين؛ لأنها تتقدمهما ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر، فلا يراد بها في حال التكلم والإخبار إلا معنى واحد، فمن ذلك قول الشاعر:
كل شيء ما خلا الموت جَلَلْ ... والفتى يسعى ويلهيه الأمَلْ
فدل ما تقدم قبل "جلل" وتأخر بعده، على أن معناه كل شيء ما خلا الموت يسير، ولا يتوهم ذو عقل وتمييز أن الجلل هنا معناه عظيم٢.
стр. 302
وبمعونة السياق فسر بعض العلماء المنكرين للتضاد طائفة من الألفاظ التي يأبى المبالغون في هذا الباب إلا أن يكتشفوا فيها التقابل التام والتعاكس الحقيقي. فابن درستويه في "شرح الفصيح" يقول مثلًا: "النَّوء: الارتفاع بمشقة وثقل. ومنه قيل للكوكب: قد ناء إذا طلع، وزعم قوم من اللغويين أن النوء السقوط أيضًا، وأنه من الأضداد، وقد أوضحنا الحجة عليهم في ذلك في كتابنا في إبطال الأضداد"١.
على أننا لن نذهب مذهب ابن درستويه في إنكار التضاد إطلاقًا؛ فإن قدرًا منه ولو ضئيلًا لا بد من التسليم به، ولكننا في القدر الذي نسلم به وفي القدر الذي ننكره ونؤوله تأويلًا آخر مناسبًا للسياق نجد أنفسنا طوعًا أو كرهًا أمام كلمات حفظ لنا فيها معنى التعاكس، كما وجدنا أنفسنا قبل أمام كلمات حفظ لنا فيها معنى الترادف أو الاشتراك، فمهما نحاول أن نرد تطوراتها المعنوية إلى أصولها اللغوية الوضعية البدائية لن نستطيع أن نقاوم قانون الصراع اللغوي الذي إنما يحفظ المعاني المتماثلة أو المتناظرة أو المتقابلة بوحي من الظروف الاجتماعية المحيطة بكل أمة.
وإذن، فالتضاد على ضآلة مقداره، أصبح وسيلة من وسائل التنوع في الألفاظ والأساليب، ووسع تنوع استعماله من دائرة التعبير في العربية، فكان بهذا المعنى خصيصة من خصائص لغتنا في مرانتها وطواعيتها في التنقل بين السلب والإيجاب، والتعكيس والتنظير، وهو ما ليس له في اللغات الحية نظير.
стр. 303
الفصل الثامن: تعريب الدخيل
لاحظنا -ونحن ندرس مقاييس الفصحى١- أن بُعد قريش عن بلاد العجم من جميع جهاتها لم يَحُلْ دون تسرب بعض الألفاظ الفارسية والرومية إليها. وأكدنا أن مقدرة لغة ما على تمثل الكلام الأجنبي تعد مزية وخصيصة لها إذا هي صاغته على أوزانها، وأنزلته على أحكامها، وجعلته جزءًا لا يتجزأ من عناصر التعبير فيها. ولم تكُ هذه إلا دعوى تفتقر إلى دليل يثبتها، وحجة تشهد لها. وفي فصلنا هذا بيان شافٍ لذلك كله.
إن العربية ليست بدعًا من اللغات الإنسانية، فهي جميعًا تتبادل التأثر والتأثير، وهي جميعًا تُقرض غيرها وتقترض منه، متى تجاورت أو
стр. 304
اتصل بعضها ببعض على أي وجه، وبأي سبب، ولأي غاية. ومن يرم العربية مقصورة على الإعراب، محبوسة عن التعريب، ويزعم أنها بصيغها وأنواع اشتقاقها وحدها أعربت عن خصائصها الذاتية، وأنها أن أدخلت على نفسها بالتعريب مصطلحات الحضارة شوهت محاسنها وفقدت خصائصها وأنكرت نفسها بنفسها، فليس يريد لهذه العربية إلا الموت، وليس يعيش بعربيته إلا في بروج من العاج بناها له خيال سقيم!
إن تبادل التأثير والتأثر بين اللغات قانون اجتماعي إنساني، وإن اقتراض بعض اللغات من بعض ظاهرة إنسانية أقام عليها فقهاء اللغة المحدثون أدلة لا تحصى. وقد رأينا فيما مضى من مباحث هذا الكتاب صورًا من ذلك التأثر المتبادل. ونماذج من هذا الاقتراض المستمر، إلا أنها صورة جزئية "ونماذج" مصغرة لهذه الحقيقة اللغوية التي لا يملك مدافعتها إلا جاهل أو مكابر؛ إذ تعلقت غالبًا باللهجات العربية وأخذت بعضها عن بعض، ومراعاة بعضها بعضًا، وتبادلها الألفاظ والتراكيب ووسائل التعبير١.
وما يصدق على العربية من تبادل التأثير بين لهجاتها، لا بد أن يصدق عليها فيما اضطرت إلى إدخاله في ثروتها من لغات الأمم المجاورة لها أو التي كان لها معها ضرب من الاتصال، ولم يكن ما أدخلته من هذه الألفاظ الأجنبية قليلًا؛ لأنها عربت منه الكثير قبل الإسلام حتى رأيناه في لغة الشعر الجاهلي، وقرأناه في سور القرآن، واستخرجناه من بعض الحديث النبوي، ثم عربت منه الكثير بعد الإسلام فوجدناه أعجميًّا في زي عربي على ألسنة الأمراء والشعراء، وفي البيوت والأسواق، وبين الخاصة والدهاء!
стр. 305
ففي الجاهلية عُرب عن الفارسية مثل: الدولاب، والدسكرة، والكعك، والسميد، والجُلُنَّاز؛ وعند الهندية أو السنسكرييتية مثل: الفلفل، والجاموس، والشطرنج، والصندل، وعن اليونانية مثل: القبان، والقنطار، والترياق١.
وورد في القرآن كثير من معربات الجاهلية حتى قال ابن جرير: "في القرآن من كل لسان! "٢. ولقد ذكر السيوطي في "المتوكلي" نماذج مما ورد في القرآن بالرومية٣ والفارسية٤ والهندية٥ والسريانية٦ والحبشية٧ والنبطية٨ والعبرية٩ حتى التركية١٠. ومع أن بعضها ليس صحيح النسبة إلى إحدى اللغات المذكورة، كان للسيوطي في جمعه فضل التنسيق والتصنيف، وتوجيه الأنظار وجهة جديدة لا ترى في تعريب القرآن للأعجمي خطرًا، بل ترى في ذلك مزية له على الكتب السابقة، فـ"من خصائص القرآن على سائر كتب الله المنزلة أنها نزلت بلغة القوم الذين أنزلت عليهم، لم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم،
стр. 306
والقرآن احتوى على جميع لغات العرب، وأنزل فيه بلغات غيرهم من الروم والفرس والحبشة شيء كثير"١.
وحين نقرأ عن بعض الأئمة الأعلام أنهم شددوا النكير على القائلين بوقوع المعرب في القرآن، حتى قال أبو عبيدة: "من زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول! "٢، فلنفهم من ذلك منع وقوعه إن بقي على حاله من العجمة، فأما إذا نُزل على أحكام العربية، وحُول إليها، وطبع بميسمها، فلا ضير أن نرى فيه ما رأى أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء، والقول بالمنع عن أهل العربية؛ إذ قال: "والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعًا، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال: إنها أعجمية فصادق! "٣.
وليس في هذه العبارة الأخيرة تناقض، فالمراد منها -كما فهم الجواليقي"٤- "أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل ... ثم
стр. 307
لفظت به العرب بألسنتها، فعربته فصار عربيًّا بتعريبها إياه فهي عربية في هذه الحال، أعجمية الأصل"١.
ولكن اللغويين العرب حين ألفوا الكتب في المعرب والدخيل، لم يحسنوا دائمًا التمييز بين العربي والأعجمي، فكثيرًا ما نفوا أعجمية لفظ لأن القرآن نزل به، وليس في القرآن عندهم دخيل، وكثيرًا ما زعموا عجمة لفظ من غير أن يقيموا عليها الدليل.
وما بحث الاشتقاق عنا ببعيد، ففيه وجدنا وسيلة رائعة للتمييز بين الأصيل والدخيل، ولكن علماءنا عطلوا هذه الوسيلة وأبطلوها بحنوحهم مثلًا إلى عربية "الفردوس" لنزول القرآن بها، حتى اشتقوها من "الفردسة" بمعنى السعة، وكان عليهم أن يعترفوا بأن الفردسة مشتقة من اللفظ الأجنبي "الفردوس"٢. وقل مثل ذلك في الإستبرق والسندس وسائر ما ورد في القرآن من الألفاظ الأعجمية المعربة التي أذهب القرآن عجمتها باشتماله عليها٣.
وقد ادعوا العجمة أحيانًا دون بيان الأصل، مثل كلمة "جرداب" معرب "كرداب" وهو وسط البحر، أو الدوامة في الماء، وكلمة "جاموس" وهي تعريب "كاوميش"٤.
стр. 308
وحين ألف هؤلاء كتبهم في "المعرب والدخيل" ذهبوا إلى فارسية أكثر تلك المعربات، كأنما أرادوا بذلك أن يأتوا ببرهان على أن تأثر العربية بالفارسية كان أبلغ وأعمق من تأثرها بسائر اللغات الأخرى. ولعلنا بهذا نفسر إطلاقهم لفظ "أعجمي" كلما أردوا أن يذكروا لفظ "فارسي".
ولم يكن بد من أن تعترضهم أصوات فارسية غريبة على العربية: كالجيم الخالية من التعطيش، والباء المهموسة "P"، والفاء المجهورة "V"، وإذا هم يتناولونها بالتغيير، أو يستبدلون بها صوتًا عربيًّا خالصًا، فالجيم الخالية من التعطيش أبدلت جيمًا معطشة أو كافًا أو قافًا، أو قل حرفًا مترددًا صوته بين هذه الثلاثة، مثل جورب: أصلها "كورب". والباء المهموسة "P"، أبدلوها فاء أو باء مجهورة، فقالوا: فرند، وبرند١. والفاء المجهورة "V" أبدلوها واوًا، وأمثلتها كثيرة.
والعربية -على اتساع مدرجها الصوتي- ازدادت سعة على سعة يوم أدخلت بين حروفها الهجائية أصواتًا تقاربها مخرجًا أو صفة؛ إذ عربت هذه الأصوات الدخيلة، وحددت لها مواقعها من جهاز النطق" فلم تستعصِ على ألسنة العامة فضلًا على الخاصة، فقطع بذلك الشوط الأول من التعريب: ألا وهو تعريب المادة الصوتية، وتطويعها لأصوات العربية!
ولا ريب في أن هذا الشوط الأول من تعريب الأصوات هو أهم الأشواط، فمن بعده لن يكون عسيرًا أن تعرب الكلمات الدالة على مفهوم حضاري معين، ولا سيما إن كانت غير مألوفة للعرب أو غير
стр. 309
شائعة بينهم. فحينئذ تتابع اللغة عملها في ضم ما تحتاجه من تلك الكلمات إلى ثروتها بعد أن تصنعه على قوالبها، أو تنسجه على منوالها.
ومن المعلوم أن أكثر الألفاظ التي احتاج العرب إلى تعريبها هي ألفاظ الحضارة والعلوم والفنون. ونستثني من العلوم مصطلحات الفقه والحديث والتفسير وما إليها من العلوم النقلية، ما آنس علماؤنا حاجة إلى تعريبها مثل حاجتهم إلى تعريب العلوم الدخيلة؛ إذ كانت تعابيرها من صلب العربية، وجاءت في كتبهم فصيحة محكمة١.
أما العلوم الدخيلة فقد اتسعت العربية أيضًا لترجمتها وتعريب مصطلحاتها. وبلغت حركة الترجمة في عصر المأمون أوجهًا حين عربت ألفاظ الطب والطبيعة والكيمياء والفلك والرياضيات والفلسفة، وما يزال كثير من هذه الألفاظ صالحًا للتعبير عن هذه العلوم إلى يومنا هذا.
ولقد لخص الأمير العلامة مصطفى الشهابي القواعد التي اتبعها النقلة في وضع المصطلحات في تلك الأيام، فرآها لا تخرج عن هذه الوسائل الأربع:
أ- تحوير المعنى اللغوي القديم للكلمة العربية، وتضمينها المعنى العلمي الجديد.
ب- اشتقاق كلمات جديدة من أصول عربية أو معربة للدلالة على المعنى الجديد.
جـ- ترجمة كلمات أعجمية بمعانيها.
د- تعريب كلمات أعجمية بمعانيها.
وخلص الأمير إلى القول بأن هؤلاء النقلة لم يجمدوا في أداء مهمتهم، وأن قواعدهم هي التي ينبغي لنا اتباعها في وضع المصطلحات الحديثة٢.
стр. 310
ولمصطلحاتنا الحديثة هذه لا بد من النهوض هيئات وأفرادًا بأعباء التعريب، حتى ننمي لغتنا بألفاظ العلوم التي تتكاثر يومًا بعد يوم، ويميل العلماء فيها إلى التعبير "الفني" الدقيق.
وليس من شأننا هنا أن نعرض للنهضة الحديثة في الفنون والآداب والعلوم في مصر والشام ومختلف الأقطار العربية، وما وضعه النقلة المعاصرون لتعريب مصطلحاتها، ولا من شأننا أن نصف جهد الأفراد وعمل المجامع والجامعات في وضع تلك المصطلحات، فالمقام لا يتسع لهذا كله، وقد استقصاه الأمير الشهابي أتم الاستقصاء في كتابه "المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث". والكتاب في نظرنا أدق ما ألف حول تعريب المصطلحات في هذا العصر. وإنما نريد أن نلفت الأنظار إلى شروط لا بد من مراعاتها عند القيام بالنقل والتعريب.
أ- ألا نلجأ إلى التعريب إلا عند الضرورة، انسجامًا مع القرار الحكيم الذي اتخذه مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ونصه: "يجيز المجمع أن يستعمل بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة على طريقة العرب في تعريبهم"١.
ب- أما قبل تحقق هذه الضرورة فالترجمة الدقيقة تقوم مقام التعريب، إذا تحرى الناقل العليم بأسرار العربية اللفظ العربي الأنسب لأداء مدلول اللفظ الأعجمي.
فنحن نترجم مثلًا Microscope بالمجهار، و Densimetre بالمكثف٢، و Floriculture بزراعة الأزهار٣ وهكذا.
стр. 311
جـ- الكف عن استعمال اللفظ المعرب إذا كان له اسم في لغة العرب، إحياء للفصيح وقتلًا للدخيل. ولقد عقد السيوطي فصلًا في المزهر للمعرب الذي له اسم في لغة العرب١، نقل فيه أمثلة من كتب اللغة المختلفة تشهد بأن العرب عرفت مثلًا في لسانها الصرفان قبل أن تعرب "الأرزرز" بالرصاص٢، والمَغْد قبل أن تعرب الباذنجان٣، والحُرُض قبل الأشنان٤. والفصل الذي عقده الثعالبي٥ في فقه اللغة للأسماء التي تفرت بها الفرس، يؤكد أن طائفة من تلك الأسماء عربتها العرب أو تركتها كما هي٦، ولكنها غالبًا مما له اسم في لسان العرب رغم تعريبها إياه٧. فلنقتل الأعجميات الذميمات باستعمال العربيات الفصيحات.
د- أن نحاول -كلما اضطررنا إلى التعريب- أن ننزل اللفظ المعرب على أوزان العربية، حتى يكون عربيًّا أو بمنزلته. ولقد كان أهل اللغة يتصرفون في الكلمة المعربة ويُعْمِلُون مباضع الاشتقاق في بنيتها، فقالوا في زنديق: زندقة وتزندق، وفي سردق: بيت مسردق، وفي
стр. 312
ديوان: دون تدوينًا، وفي النوروز: نورز ينورز١.
ومن تنزيل الكلمة الأعجمية على أحكام العربية أن نختار لتعريبها وزنًا يشبه بعض الأوزان العربية، فكلمة "physique" يمكن أن تترجم بعلم الطبيعة، ولكن الترجمة ليست دقيقة، وخير منها تعريب اللفظة نفسها منتهية بالألف الممدوة لكيلا يضيع أصل التسمية فنقول "الفيزياء" على نحو ما قال الأستاذ العلامة عز الدين التنوخي في كتابه "مبادئ الفيزياء"، فقد نبه على أنه "لم يراع في الاصطلاح إلا الأفضل مما اشتد إليه مسيس الحاجة، ولو كانت الكلمة أعجمية الأصل، فإنا إذا ما تعربت بنزولها على أحكام العربية خفت على اللسان وعذبت بصقله إياهاه في البيان، يدل على ذلك مثلًا اسم الكتاب: مبادئ الفيزياء"٢.
والعليم بأسرار هذه اللغة لا يختلط عليه الأعجمي والعربي، ولا يلتبس عنده الأصيل والدخيل، فإن للكلمة العربية نسيجها المحكم وجرسها المتناسق وإيقاعها المعبر. ولم يضن علينا أئمة العربية بمقاييس نعرف بها عجمة الاسم؛ لكي نتناوله بالتغيير إن شئنا صياغته على أوزان العربية، أو نعرف حقيقته على الأقل إن آثرنا تركه على لفظه دون تبديل فيه.
وأكثر هذه المقاييس يقوم على النقل والسماع، فبنية الكلمة وحدها تسمها بالعربية أو بالعجمة، وحسبك أن تردد في سمعك لفظ "إبريسم" لترى أن وزنه مفقود في العربية. ولن تجد كلمة عربية أولها نون ثم راء مثل "نرجس"، ولا آخرها زاي بعد دال مثل "مهندز"، أو كلمة يجتمع فيها الصاد والجيم نحو "الجص"، أو يجتمع فيها الجيم
стр. 313
والقاف نحو "المنجنيق"١. ولن تجد كلمة رباعية أو خماسية عارية عن حرف أو أكثر من حروف الذلاقة٢، فإنها متى كانت عربية فلا بد أن يكون فيها حرف ذلقي، نحو: سفرجل، وقُذَعْمِل٣..
هـ- ولا مانع من النحت إذا اضطررنا إليه في تعريب المصطلحات العلمية والفنية، ولكننا -رغم انتصارنا للنحت وذهابنا إليه وعدنا إياه نوعًا من الاشتقاق٤- نود أن نقيد الضرورة فيه بـ"القصوى" لأن أساليب الاشتقاق الشائعة تغني عنه غالبًا، ولأن للذوق دخلًا كبيرًا في النحت، فما كل مركب مزجي ترجم به لفظ أعجمي يثقل في السمع أو يستكره، ولا كل لفظ منحوت مختزل يخف في الأسماع، وتكتب له السيرورة في المجتمعات.
ولأن تقول: هذه السمكة من شائكات الزعانف "Acanthopterigiens" خير وأقرب إلى الفهم من أن تقول: "هي من الشوجنيات". والذوق يمج وصف الحشرات بالمسجناحيات؛ بينما يرضى عن وصفها بمستقيمات الأجنحة "Orthopteres". وإن المعنى ليستغلق على من يسمع أو يقرأ تسمية عصبيات الأجنحة من الحشرات "Nevropteres" بالعصجناحيات٥. ولا ريب في أن التركيب المزجي في جميع الأمثلة المتقدمة أوضح دلالة وأخف وقعًا من الكلمات المنحوتة المختزلة، بل ربما كان ألطف في الأسماع وأقصر في الرسم حتى من بعض الكلمات الأعجمية.
стр. 314
وكما أدخلت اللغات الحية على بعض ألفاظها العلمية صدورًا وكواسع "prefixes et suffixes" من لغات الحضارة القديمة "كاليونانية واللاتينية"، يسوغ الذوق أحيانًا إدخال مثل تلك السوابق واللواحق على بعض الألفاظ العربية. ويبدو لنا أن أساتذة جامعة دمشق لم يرتكبوا شططًا حين اضطروا إلى تعريب "Carbonyle" بالفَحْمِيل، و"formyle" بالنَّمْلِيل، و "Amyloide" بالنَّشَوِيد، و"Alcoyle" بالغَوْلِيل، فقد ملكوا العربية المطواع بهذه الكواسع ألفاظًا علمية مختزلة يرضى عنها الذوق ولا يأباها نسيج الكلمة العربية١.
ومن الصدور التي نظن أن لا ضير في ترجمتها لنؤلف بها على طريقة النحت كثيرًا من مصطلحات العلوم والفنون: الصدر اليوناني "A" الذي يكتب "An" أما الأحرف الصوتية، ويفيد بكلا رسميه معنى النفي، فقد قرر مجمع القاهرة ترجمته بكلمة لا النافية مركبة مع الكلمة العربية
стр. 315
المنحوتة١. ولقد صدر المجمع في قراره هذا عن المنهج الذي أخذ به المتقدمون أنفسهم في التعبير عن الشيء الذي لا يتناهى باللامتناهي، وعن الذي لا يدوم باللادائمي، وعن طائفة من الفلاسفة العناديين باللاأدريين؛ فيسعنا منا وسعهم حين نقول اليوم: لا أخلاقي "Amoral" لا اجتماعي Asocial" لا تناظري "Asymetrique"، لا مائي "Annydrique"، لا هوائي "Anaerobe"٢.
وحين يسوغ الذوق ترجمة صدر أو كاسعة "perfixe ou Suffixe" لتركيبها مع كلمة عربية نحتًا واختزالًا، لا ريب أنه سيكون أقرب إلى تسويغ النحت في كلمتين عربيتين خالصتين يتألف منهما اصطلاح علمي مختصر، فلا ضير في استعمال "الزمكان"٣ نحتًا من الزمان والمكان، و "الْحَيْنَب والحينبات"٤ نحتًا من الحيوان والنبات Zoopgyle، و"الحيزمن" نحتًا من الحيز والزمن Espace- Temps٥. ومقياسنا في هذا كله الذوق السليم الذي نرجو أن يصدق فيه قولنا: لا يجتمع ذوق المطبوعين على مستكره في السمع مستثقل على اللسان!
стр. 316
وإننا على يقين من أن نقلة العلوم الحديثة في هذا العصر إذا وضعوا ما ذكرناه من الشروط نصب أعينهم خدموا لغتهم أخلص خدمة، وعبروا عن خصائصها أصدق تعبير، فما هي باللغة الجامدة الميتة، بل هي اللغة المرنة المطواع التي كتب الله لها النماء والبقاء والخلود.
стр. 317
الفصل التاسع: صيغ العربية وأوزانها
رأينا في أنواع الاشتقاق أن العربية أصابت ثروة لغوية واسعة بما تشعب عن أصولها من فروع، وما تكاثر في موادها من صنوف وألوان، فكان العمل الاشتقاقي حركة حية دائمة تلد للغتنا كل لحظة مولودًا جديدًا، وتلبي للأحياء أدق مطالب التعبير.
لكننا -سواء ألاحظنا قوالب المشتقات أم لم نلاحظها- لا يخفى علينا أن حركة الاشتقاق الدائمة تنشئ لمشتقاتها صيغًا مقدودة على قدها، مرسومة على حدها، لا شيء أكثر شبهًا بها من القوالب التي تصنع على مثالها السبائك الذهبية، ففي العربية إذن ظاهرتان متعاكستان، وهما على تعاكسهما متداخلتان بل متكاملتان: ظاهرة الحركة الاشتقاقية فيما تلده وتحييه، وظاهرة الصياغة القالبية فيما تسبكه وتبنيه.
وكلتا الظاهرتين تعود على العربية بالغنى والثراء، وتهبها القدرة على
стр. 318
التطور والنماء، بل لعل ظاهرة "السبك القالبي" -رغم ما توحي به من رتابة وجمود- أعود في بعض الوجوه على اللغة بالثراء والنماء من ظاهرة الحركة الاشتقاقية؛ لما امتازت به العربية من كثرة الأبنية والصيغ التي تعوض بأوزانها المتناسقة، المتنوعة، أجمل آيات الاشتقاق والتوليد. وإن لك إذن أن تقدر جسامة الخطأ الذي وقع فيه بروكلمان Brockelmann حين أطلب القول بأن اللغات السامية تخلو من الصياغة التركيبية١، شاملًا بحكمه هذا حتى العربية التي لا يرتاب باحث محقق في شدة تعويلها على البناء والتركيب.
ولقد حاول العلماء من قبل -حين أدهشتهم هذه اللغة بأبنيتها المتكاثرة- أن يحصوا صيغ الأسماء والأفعال لعلهم يحصرون القوالب التي يبني الفصحاء على مثالها ألفاظهم ثقالًا أو خفافًا في تطابق نفسي كامل مع حال المخاطبين، لكن محاولاتهم باءت بالخسار، فما تيسر لأحد منهم -مهما يكن قد أكثر- أن يستوعب هاتيك القوالب، فإذا هم يستعيضون عن هذا البحث الإيجابي العسير ببحث سلبي يسير؛ فمن لم يحصر الأشباه والنظائر عن طريق الأبنية التي جاءت على لسان العرب اضطلع بحصر الألفاظ التي خرجت عن هذا اللسان المصطفى، وظن بعد ذلك أنه بلغ بسعيه ذروة المنتهى!
على هذا الأساس وضع ابن خالويه٢ مصنفه الحافل "كتاب ليس" في مجلدات ثلاث ضخام٣، وأنشأ يتحدث عن كل ما لم يرد في لغة
стр. 319
العرب إلا على مثال معين، حتى ليقوم الكتاب في جل مواطنه على هذه العبارة "التقليدية" التي تظل إلى السلب أقرب مهما تبد حاصرة موجبة: "ليس في اللغة من كذا إلا كذا"، ولم يكن بد -وقد تجرأ ابن خالويه على مثل هذا الحصر العجول- من أن يتعقبه المحققون ويردوا عليه ما تعجل فيه، ويلصقوا بالسلب ما أوجبه، أو بالإيجاب ما كان قد سلبه، وربما كانت تحقيقات الحافظ مغلطاي١ في هذا الموضوع أغزرها فوائد، وأدقها ملاجط، وأشدها تنبيهًا على نوادر اللغة وشواردها، وأقربها حقًّا إلى موارد العربية الصافية.
ومن يقرأ في "مزهر" السيوطي باب "الأشباه والنظائر" يقع على وصف دقيق لتعاقب التأليف في أوزان العربية وصيغها، ففي مستهل هذا الباب أخبر السيوطي قارئه بأنه رأى كتاب "ليس" لابن خالويه وطالعه قديمًا، وانتقى منه فوائد، فهو إذن قادر على أن يذكر من صيغ الأسماء والأفعال ما يقضي الناظر فيه العجب، ويقول إذا وقف على غرائبه: ذلك منتهى الأرب! ٢
ثم يجول السيوطي جولة عجلى يطوف خلالها بما صُنف من كتب في حصر الصيغ الاسمية والفعلية، فيروي عن ابن القطاع٣ في كتاب "الأبنية" أن العلماء قد صنفوا في هذه القوالب وأكثروا منها، وما منهم من استوعبها، وأن أول من حاول إحصاءها سيبويه في كتابه؛ إذ أورد للأسماء ثلاثمائة بناء وثمانية أبنية؛ وأن ابن السراج٤
стр. 320
زاد على ما أورده سيبويه اثنين وعشرين بناء، ثم زاد عليه الجرمي١ صيغًا قليلة. ثم أضاف ابن خالويه أمثلة يسيرة، وما منهم إلا من ترك أضعاف ما ذكر.
ويروي صاحب "المزهر" بعد ذلك عن ابن القطاع نفسه أنه جمع ما تفرق في تآليف أولئك الأئمة فانتهى وسعه بعد البحث والاجتهاد إلى ألف مثال ومائتي مثال وعشرة أمثلة "١٢١٠".
وأسلوب السيوطي في حكاية عدد الأوزان عن ابن القطاع قد يحمل بعض الباحثين على نسبة هذا العدد إليه هو لا إلى ابن القطاع، فإن ما أطمع به السيوطي قارئه من إخباره بما يقضي منه العجب لا يرادفه إلا شيء واحد: ألا وهو سرد صيغ للأسماء والأفعال كثيرة من نحو: غريبة غير متعارفة من نحو آخر، أو الإتيان على الأقل بجديد في هذه الأوزان لم يفتح الله به على غير السيوطي العلام!
بيد أن السيوطي -مع ذلك- ليس له من هذا العدد الضخم الذي بلغ ألف مثال ومائتي وعشرة أمثلة إلا مزية الإشارة إليه أولًا، واختيار "نماذج" منه ثانيًا، وإلحاق أوزان أخرى به وقع عليها في مصنفات أكثرها مجهول لدينا ثالثًا وأخيرًا. فمن السذاجة -بل من الغفلة الشديدة إذن- إحصاء أبنية السيوطي التي جمعها من مواطن شتى ثم محاسبته على ما نقص عن العدد الذي بلغ إليه وسع ابن القطاع.
ولنا -إن شئنا- أن نحاسب السيوطي من زاوية أخرى أكبر شأنًا من تلك الزاوية الشكلية التي يأخذها عليها القارئ العجول، فإنه ليبدو لنا أن المنهج العلمي يكاد يكون مفقودًا في بحثه للأوزان، فبينا يكون في صيغ الأسماء يستطرد بعيدًا في بحث عن الأفعال أو عن مسألة صرفية