وإننا على يقين من أن نقلة العلوم الحديثة في هذا العصر إذا وضعوا ما ذكرناه من الشروط نصب أعينهم خدموا لغتهم أخلص خدمة، وعبروا عن خصائصها أصدق تعبير، فما هي باللغة الجامدة الميتة، بل هي اللغة المرنة المطواع التي كتب الله لها النماء والبقاء والخلود.
стр. 317
الفصل التاسع: صيغ العربية وأوزانها
رأينا في أنواع الاشتقاق أن العربية أصابت ثروة لغوية واسعة بما تشعب عن أصولها من فروع، وما تكاثر في موادها من صنوف وألوان، فكان العمل الاشتقاقي حركة حية دائمة تلد للغتنا كل لحظة مولودًا جديدًا، وتلبي للأحياء أدق مطالب التعبير.
لكننا -سواء ألاحظنا قوالب المشتقات أم لم نلاحظها- لا يخفى علينا أن حركة الاشتقاق الدائمة تنشئ لمشتقاتها صيغًا مقدودة على قدها، مرسومة على حدها، لا شيء أكثر شبهًا بها من القوالب التي تصنع على مثالها السبائك الذهبية، ففي العربية إذن ظاهرتان متعاكستان، وهما على تعاكسهما متداخلتان بل متكاملتان: ظاهرة الحركة الاشتقاقية فيما تلده وتحييه، وظاهرة الصياغة القالبية فيما تسبكه وتبنيه.
وكلتا الظاهرتين تعود على العربية بالغنى والثراء، وتهبها القدرة على
стр. 318
التطور والنماء، بل لعل ظاهرة "السبك القالبي" -رغم ما توحي به من رتابة وجمود- أعود في بعض الوجوه على اللغة بالثراء والنماء من ظاهرة الحركة الاشتقاقية؛ لما امتازت به العربية من كثرة الأبنية والصيغ التي تعوض بأوزانها المتناسقة، المتنوعة، أجمل آيات الاشتقاق والتوليد. وإن لك إذن أن تقدر جسامة الخطأ الذي وقع فيه بروكلمان Brockelmann حين أطلب القول بأن اللغات السامية تخلو من الصياغة التركيبية١، شاملًا بحكمه هذا حتى العربية التي لا يرتاب باحث محقق في شدة تعويلها على البناء والتركيب.
ولقد حاول العلماء من قبل -حين أدهشتهم هذه اللغة بأبنيتها المتكاثرة- أن يحصوا صيغ الأسماء والأفعال لعلهم يحصرون القوالب التي يبني الفصحاء على مثالها ألفاظهم ثقالًا أو خفافًا في تطابق نفسي كامل مع حال المخاطبين، لكن محاولاتهم باءت بالخسار، فما تيسر لأحد منهم -مهما يكن قد أكثر- أن يستوعب هاتيك القوالب، فإذا هم يستعيضون عن هذا البحث الإيجابي العسير ببحث سلبي يسير؛ فمن لم يحصر الأشباه والنظائر عن طريق الأبنية التي جاءت على لسان العرب اضطلع بحصر الألفاظ التي خرجت عن هذا اللسان المصطفى، وظن بعد ذلك أنه بلغ بسعيه ذروة المنتهى!
على هذا الأساس وضع ابن خالويه٢ مصنفه الحافل "كتاب ليس" في مجلدات ثلاث ضخام٣، وأنشأ يتحدث عن كل ما لم يرد في لغة
стр. 319
العرب إلا على مثال معين، حتى ليقوم الكتاب في جل مواطنه على هذه العبارة "التقليدية" التي تظل إلى السلب أقرب مهما تبد حاصرة موجبة: "ليس في اللغة من كذا إلا كذا"، ولم يكن بد -وقد تجرأ ابن خالويه على مثل هذا الحصر العجول- من أن يتعقبه المحققون ويردوا عليه ما تعجل فيه، ويلصقوا بالسلب ما أوجبه، أو بالإيجاب ما كان قد سلبه، وربما كانت تحقيقات الحافظ مغلطاي١ في هذا الموضوع أغزرها فوائد، وأدقها ملاجط، وأشدها تنبيهًا على نوادر اللغة وشواردها، وأقربها حقًّا إلى موارد العربية الصافية.
ومن يقرأ في "مزهر" السيوطي باب "الأشباه والنظائر" يقع على وصف دقيق لتعاقب التأليف في أوزان العربية وصيغها، ففي مستهل هذا الباب أخبر السيوطي قارئه بأنه رأى كتاب "ليس" لابن خالويه وطالعه قديمًا، وانتقى منه فوائد، فهو إذن قادر على أن يذكر من صيغ الأسماء والأفعال ما يقضي الناظر فيه العجب، ويقول إذا وقف على غرائبه: ذلك منتهى الأرب! ٢
ثم يجول السيوطي جولة عجلى يطوف خلالها بما صُنف من كتب في حصر الصيغ الاسمية والفعلية، فيروي عن ابن القطاع٣ في كتاب "الأبنية" أن العلماء قد صنفوا في هذه القوالب وأكثروا منها، وما منهم من استوعبها، وأن أول من حاول إحصاءها سيبويه في كتابه؛ إذ أورد للأسماء ثلاثمائة بناء وثمانية أبنية؛ وأن ابن السراج٤
стр. 320
زاد على ما أورده سيبويه اثنين وعشرين بناء، ثم زاد عليه الجرمي١ صيغًا قليلة. ثم أضاف ابن خالويه أمثلة يسيرة، وما منهم إلا من ترك أضعاف ما ذكر.
ويروي صاحب "المزهر" بعد ذلك عن ابن القطاع نفسه أنه جمع ما تفرق في تآليف أولئك الأئمة فانتهى وسعه بعد البحث والاجتهاد إلى ألف مثال ومائتي مثال وعشرة أمثلة "١٢١٠".
وأسلوب السيوطي في حكاية عدد الأوزان عن ابن القطاع قد يحمل بعض الباحثين على نسبة هذا العدد إليه هو لا إلى ابن القطاع، فإن ما أطمع به السيوطي قارئه من إخباره بما يقضي منه العجب لا يرادفه إلا شيء واحد: ألا وهو سرد صيغ للأسماء والأفعال كثيرة من نحو: غريبة غير متعارفة من نحو آخر، أو الإتيان على الأقل بجديد في هذه الأوزان لم يفتح الله به على غير السيوطي العلام!
بيد أن السيوطي -مع ذلك- ليس له من هذا العدد الضخم الذي بلغ ألف مثال ومائتي وعشرة أمثلة إلا مزية الإشارة إليه أولًا، واختيار "نماذج" منه ثانيًا، وإلحاق أوزان أخرى به وقع عليها في مصنفات أكثرها مجهول لدينا ثالثًا وأخيرًا. فمن السذاجة -بل من الغفلة الشديدة إذن- إحصاء أبنية السيوطي التي جمعها من مواطن شتى ثم محاسبته على ما نقص عن العدد الذي بلغ إليه وسع ابن القطاع.
ولنا -إن شئنا- أن نحاسب السيوطي من زاوية أخرى أكبر شأنًا من تلك الزاوية الشكلية التي يأخذها عليها القارئ العجول، فإنه ليبدو لنا أن المنهج العلمي يكاد يكون مفقودًا في بحثه للأوزان، فبينا يكون في صيغ الأسماء يستطرد بعيدًا في بحث عن الأفعال أو عن مسألة صرفية
стр. 321
لا مسوغ لذكرها في هذا المجال، أو يخلط بين صيغ الأسماء وصيغ الصفات١، أو يكرر للمرة العشرين صيغة وردت للاسم أو للفعل في نص طويل ينقله برمته غير مبال ارتباطه ببحثه أو انقطاعه عنه، وفي جميع ما اختاره من أبنية الأسماء أو الأفعال لا تعرف له مصدرًا أساسيًّا إليه يستند، أو مقياسًا شخصيًّا عليه يقيس، فنحن من "مزهره" أمام منجم فيه المعدن الخبيث وفيه الذهب الإبريز، ونحن من أبنيته تلقاء ركام فيه الصيغة المستعملة الحية، والبناء النادر الغريب، والوزن المهمل الممات! وتلك ثمرة الفخر بالعلم والاعتداد بطول الباع في معرفة الغرائب النادرات!
والحق أننا إذا تقصينا الكلم العربي وجدنا كل لفظ فيه يرتد إلى قالب حُذِي على مثاله إلا أن يكون حرفًا أو ظرفًا جامدًا. بل يرى بعض الباحثين أن الحروف والظروف اشتقت أيضًا من صيغ مستعملة جارية، فإن لم ترتد بنفسها إلى قالب أو مثال فإن أصلها عينه ذو قالب ومثال٢. وأدنى ما يتفق عليه العلماء أن لكل اسم صيغة وأن لكل فعل وزنًا، وأن من الأبنية ما تشترك صياغته بين الأسماء والأفعال.
فإن ننسق الأوزان الواردة في المزهر تنسيقًا مفيدًا نصنف بالمقام الأول أشهر أبنية الأسماء والأفعال الحية المستعملة، ثم نعرضها على المطبوعين من الكتاب والشعراء لاستخدامها في أغراض التعبير والتصوير، فإن من المؤسف حقًّا أن نرى المتحذلقين من أدبائنا يميتون بالهجر ما جرى به الاستعمال، ويستحيون بالاستعمال ما أميت وهجر من ثقال الأوزان!
ولا غرو إذا اضطررنا في مثل هذه الحال إلى استرفاد المسائل الصرفية
стр. 322
والاستعانة بالصرفيين، فإن ما وضعه هؤلاء من قواعد التصريف في الأسماء والأفعال ما ينفك نابضًا بالحياة، ويسعنا دائمًا -في جميع البيئات وتلبية لجميع الحاجات- أن نستخدمه في مختلف شئون الحياة.
وأول ما نلاحظه هو أن الصرفيين تنبهوا إلى أن أوزان الأفعال يمكن ضبطها وحصرها، فإنها لا تجاوز بضعة وعشرين بناء١، وهي التي نعرفها في دراسة الفعل ثلاثيًّا ورباعيًّا مجردين ومزيدين بمعانيهما الداخلة تحت كل قالب من قوالب هذه الأوزان.
أما الأسماء فإن من العسير دخولها تحت حصر، ولو ذكرنا منها أشهرها وحده لطال بنا الحديث، فنجتزئ بذكر بعض أمثلتها لما نعلمه من شهرتها حتى لدى المبتدئين في علم التصريف.
وحين نستشهد على بعض أوزان الأفعال والأسماء لا يعنينا التعرض لأصولها التي لا زيادة فيها؛ لأن تجردها من الزيادة يجعل مدلولاتها محصورة في قوالبها ذاتها، وما قوالبها إلا أشكال صبت صبًّا أصليًّا ووضعت وضعًا ذاتيًّا، فأنى نكتشف في هذه المحفوظات حفظًا، والمنقولات نقلًا، صياغة مبتكرة تومئ إلى معانٍ مكتسبة جديدة؟
لن نردد هنا مع ابن جني مثلًا أن الأسماء التي لا زيادة فيها تكون على ثلاثة أصول: أصل ثلاثي، وأصل رباعي، وأصل خماسي؛ وأن الأفعال التي لا زيادة فيها تكون على أصلين فقط: ثلاثي ورباعي؛ وأننا لا نجد على خمسة أحرف فعلًا لا زيادة فيه٢، ولن نقول مع الصرفيين: إن الأسماء الثلاثية تكون على عشرة أمثلة تصلح جميعًا لأن
стр. 323
تكون اسمًا وصفة١؛ ولن نقطع مع حملة اللغة بأنه "ليس في الكلام اسم على فعل بضم الفاء وكسر العين، إنما هذا بناء يختص به الفعل المبني للمفعول نحو: ضُرب وقُتل إلا في اسم واحد وهو دُئِل٢؛ ولن نحظى بطائل إذا حصرنا هنا الأسماء الرباعية التي لا زيادة فيها في ستة أمثلة: خمسة وقع عليها إجماع أهل العربية، وواحد تجاذبه الخلاف٣، أو حصرنا الأفعال الرباعية في مثال "فَعْلَلَ" للمعلوم وفُعْلِل للمجهول٤، ولن نجزم كما جزم الأوائل بأن الأسماء أقوى من الأفعال، فجعلوا لها على الأفعال فضيلة لقوتها، واستغنائها عن الأفعال، وحاجة الأفعال إليها٥؛ ولن نستقرئ أمثلة الأسماء الخماسية سواء أكانت أربعة أم خمسة٦؛ ولن نحصي الزوائد في الأسماء والأفعال ثلاثية أو رباعية أو خماسية ما دامت زيادتها تمت بضرب من الإلحاق الصرفي٧، فكل هذه الحقائق الدقيقة يعرفها المشتغلون بأبحاث الصرف، ومن جهلها منهم خفيت عليه أصول الكلمات فلم يكن صرفيًّا، ولكنها -رغم وجوب العلم بها- تظل تبعد بصاحبها عن مصنع القوالب اللغوية الذي تسبك فيه كل لحظة ألفاظ
стр. 324
جديدة على نمط الأوزان تلبية لحاجات الأفراد والمجتمعات.
والأوزان في ضوء هذا المقياس ذات فئتين: فئة تقليدية رتيبة تلتزم التزامًا، حتى في صيغها الملحقات، وفئة تجديدية منتقاة تختار اختيارًا، ولا تكون إلا مشتقات مزيدات، بيد أن في زيادة مبناها زيادة لمعناها، فهي وثيقة الصلة بالاشتقاق، ولا ترتبط قط بالإلحاق.
ولعل أبسط ما يستنبط من هذه التفرقة بين فئتي الأوزان المستعملة أن الإلحاق -كاتباع الأصل- ضرب من العمل الشكلي بينما ترقى الصياغة القالبية بزياداتها المقصودة إلى ذروة العمل المبدع الجوهري، فتعدد الأوزان الملحقة -كتنوع الألفاظ بصيغها الأصلية المتكاثرة- أمارة على غنى اللغة لا على حياتها، وتصريح بجنوحها إلى الزخرف والتنميق لا إلى التحقيق والتدقيق، ووصم لها بالسذاجة والبدائية لا بالعمق والحضرية. وما من ريب في أن العربية مستغنية بقوالبها المتناسقة مع معانيها، وبدلالاتها المعبرة عن مدلولاتها، عن أن تلصق بها تهمة الجمود وهي أم اللغات في الاشتقاق والتوليد.
وما يزال في الباحثين العرب من يقودهم تعصبهم للغتهم إلى عد الجموع القياسية سالمة وغير سالمة، وطرائق التصغير المختلفة، وأنواع المصادر المتغايرة، وأشكال التأنيث والتذكير، إحدى خصائص العربية التي لا تضارى في الصيغ والأوزان، وفاتهم أن هذه الكثرة لا تزن شيئًا إن لم تشارك الأذهان النيرة في وضعها موضع الاستعمال، وقلما كانت تضعها هذا الموضع سوى أذهان المتكلفين المتصنعين!
ولقد رأينا في بحث الترادف أن أعقل اللغويين ذهبوا إلى إنكار الترادف ما لم يكن صفات للموصوف، أو تنوعًا في الاستعمال١، فكذلك نلاحظ هنا أن تعدد الجموع القياسية -سواء أسمعت أم لم تسمع واستعملت أم
стр. 325
لم تستعمل- لا يعني شيئًا أثكر من فوضى اللغويين في تحديد الفروق بين الجموع، إذا لم يوضحوا لكل جمع دلالة مطردة، ولم يغربلوا صيغ الجموع وينقحوها ليجعلوا كلًّا منها صالحًا للاستعمال في موطن بعينه بحيث لا يجوز استعمال سواه، بل ألصقوا بالعربية أثوابًا مزركشة كلها صنعة زائفة وألوان براقة.
استمع إليهم يقولون في جمع اسم الشهر المعروف "رمضان": رمضانات - أرمضة - أرامضة - أراميض - رماضي - رمضاين - أرمض - رمضانون، ويقولون في جمع السبت أحد أيام الأسبوع: أسبت - سبوت - أسبات - سابت - أسابيت؛ فهل يعنينا أن نختار واحدًا من هذه الجموع المتكافئة المتساوية، الخالية من أدنى الفروق، إلا في سجعة متكلفة، أو تورية مصنوعة، أو جناس صفيق، أو قافية من الشعر تجر جرًّا وتقاد مقادًا؟
ولنقل إذن مثل هذا في أضرب الفعل الثلاثي وفي عين الفعل المضارع، فما حفظ لنا من تنوع تلك الأضرب وتغاير حركات هاتيك العين لا ينبغي أن يخدعنا كثيرًا، فإنه -إن لم يرتد كما رأينا إلى اختلاف اللهجات١- لم ينم عن غنى العربية وثرائها بقدر ما ينم عن فوضى الرواة في التقاط الروايات، وولوعهم بجمع الصيغ النادرات.
ومن المؤكد أن العربي رمى -منذ استعمالاته الفعلية الأولى- إلى صور تطرد في الفعل الثلاثي وصيغ تطرد في عين المضارع، ولو لم تتكاثر عوامل التطور وتتضافر على العربية تكاثرها وتضافرها على جميع اللغات لحفظت لنا في الثلاثي صورة "فَعَلَ" وحدها مثلًا، وصِينَ لنا في عين المضارع شكله بالفتح مثلًا في صيغة "يَفْعَلُ" فقط من
стр. 326
غير ما حاجة إلى تلك الصيغ المعضلة التي تغايرت معانيها -بصورة أغلبية- بتغاير أضربها وصيغها المقترحات.
ولعل القارئ يظن أننا ما نزال -من وراء كلامنا هذا- نحاول أن نعض من قيمة التصريف، ونعري الباحثين اللغويين بإهماله وتركه، فنسارع إلى التأكيد له بأننا -مع فقهاء اللغة القدامى والمحدثين- نرى أن "هذا القبيل من العلم يحتاج إليه جميع أهل العربية أتم حاجة، وبهم إليه أشد فاقة؛ لأنه ميزان العربية، وبه تعرف أصول كلام العرب من الزوائد الداخلة عليها، ولا يوصل إلى معرفة الاشتقاق إلا به"١.
ونرى أيضًا أن "جزءًا كبيرًا من اللغة يؤخذ بالقياس، ولا يوصل إلى ذلك إلا من طريق التصريف". إلا أن معرفة التصريف وحفظ قواعده وفهم أصوله شيء، وسبك القوالب وبناء الأوزان وتشكيل الصيغ شيء آخر، وما كان لنا -لما بين التصريف والسبك القالبي من نسب قريب- أن نعد المسائل الصرفية بمقاييسها الجزئية كالقوالب اللغوية بوحداتها الكلية الكبرى.
فإن نتنبه إلى ما بين الصيغ والتصريف من فرق مثلما نتنبه إلى ما بينهما من لحمة ونسب نجد كثيرًا من دلالات الأبنية -كما اصطلح عليها الصرفيون- تشبه دلالات الأبنية عند اللغويين، فكلا الجانبين يتحدث في الأفعال مثلًا عن استعمال صيغة "فاعَل" للدلالة على المشاركة الحقيقية للفاعل والمجازية للمفعول، نحو: خاصم، وجاذب، والتكثير نحو: ضاعف، والموالاة نحو: تابع؛ واستعمال صيغة "افتعل" لمطاوعة "فَعَل" نحو: نبهته فتنبه، وللاتخاذ نحو: اختتم اتخذ خاتمًا، وللتصرف بجهد نحو: اكتسب، وللاختيار نحو: انتقى، وكلا الجانبين أيضًا يتحدث في الأسماء -وهي
стр. 327
الصيغ الأكثر شيوعًا في اللغة- عن "فِعالة" للدلالة على الحرفة كالنجارة والحدادة والزراعة، و"فُعالة" للدلالة على فضلات الأشياء "كالقلامة والنفاية"، و"فَعِيل" للدلالة على السير كالرحيل، و"مَفْعَلة" للدلالة على المكان الذي يكثر فيه الشيء نحو: مأسدة ومكلأة؛ وكلا الجانبين أخيرًا يعترف بأن صيغ "فَعَل" و"فَعِل" و"أفْعَل" و"فَعْلَل" و"فَاعَل" مشتركة بين الاسم والفعل، فتقول على التوالي: جمل وكتب، حذر وعلم، وأبيض وأقدم، وجعفر ودحرج، وخاتم وسابق١. بيد أننا نتساءل: هل نجد أنفسنا مدفوعين إلى وضع هذه الصيغ ونظائرها جميعًا في صف واحد بحث نستعملها كافة على التساوي مثلما يفرض علينا حفظ قواعدها الصرفية دون تفريق بينها، أم نوازن بين بعضها وبعض، ونستخلص من بينها أبنية حية مستعملة فنظل ننفخ فيها الحياة، ونستبعد صورًا أخرى ربما تبدو ثقلية في السمع الرهيف، متجافية عن اللسان المبين؟!
والجواب عن هذا التساؤل: أن من اليسير جدًّا فصل الصيغ الميتة عن الحية، وتمييز المطردة من الشاذة، إذا نحن عولنا على الذوق السليم والملكة الشخصية، بل من اليسير جدًّا -تبعًا لهذا- أن ننقص من الأوزان أو نزيد عليها، وأن نميت منها ونحيي طائفة، وأن نطلق في ذلك أيدي الأفراد النابغين والمجامع العلمية النشيطة، ولكن كثيرًا من الباحثين لا يحكِّمون الذوق في مثل هذه الأشياء، ويتهمون الملكات في هذا الزمان بالضعف والفساد.
ومن هنا تعذر علينا أن نتقبل في هذا الصعيد كل ما زاده المطبوعون من الصيغ وأن نهجر كل ما هجروه من الأوزان، ولو كان للذوق
стр. 328
دخل في هذه الموضوعات لجعلنا خلق القالب -لا الصنع على مثاله- من حق الأفراد النابغين من أدباء وشعراء ومؤلفين. ولا أدل على صعوبة هذا الأمر من مواقف اللغويين "المحافظين" إزاء اقتراحات العلايلي وزيدان والكرملي.
أما الأستاذ عبد الله العلايلي فيقوم تجديده على طريقتين؛ إحداهما: تأخذ الوزن القديم وتوسع دلالته، أو تجدد معناه، والأخرى: لا تكفيها الأوزان القديمة على النحو الذي وردت به اللسان العربي فتضع أوزانًا جديدة تختلف عن القديمة الفصحى في تحريك وتسكين، أو في طول وقصر، أو في تحت وإلصاق وتئول غالبًا إلى ضرب من الترقيع ليس عليه جلال ولا فيه رواء الثوب القشيب.
فعلى الطريقة الأولى أدخل العلايلي وزن "فَعَلان" الذي جاء في المصادر الدالة على الاضطراب في باب الأوصاف، فبدلًا من أن يكتفي بمثل "الغليان" مصدرًا من غلى أنى "بالهرمان" وصفًا من هرم، لكنه لا يقول في كل شيخ هم طاعن في السن "هرمان" بل يطلقه على كل من بلغ من الكبر عتيًّا حتى بات يضطرب من الهرم.
ومن الطريف نقله وزن "فَعْلاء" من الدلالة على الاسم المؤنث كصحراء والصفة المؤنثة كحمراء للدلالة على المكان الذي يتعدد فيه الشيء من غير انفصال، كصنعاء للمكان الذي تكثر فيه الصناعة، وحرجاء لمكان الغابات الكثيرة١.
وأطرف من ذلك كله نقله وزن "فعَّال" من مبالغة اسم الفاعل إلى إظهار الملكة الثابتة والتخصص في الأمر، فلفظ "نَوَّار" مثلًا يفيد الشيء الذي ينير إنارة خاصة عن ملكة ثابتة٢.
стр. 329
وإذا كان العلايلي هنا لم يمس هذه الأوزن الثلاثة بشيء من التغيير في قالبها١، بل تعسف فقط في بسط معناها، ظانًّا أنه بهذا البسط يمنح العربية مقدرة على التعبير عن آفاق الحضارة الجديدة، فإنه في طريقته الثانية تناول بالتغيير الدال والمدلول، والوزن والموزون، والقياس والمقيس، وفيما جاء به على هذا المنوال صنف لا يبعد عن الوزن العربي كثيرًا، فله به شبه، وبه منه روح، وصنف آخر لا يمت إلى الوزن العربي بصلة، فهو منه كالأعجمي الدخيل حتى ليعجب الباحث كيف طوعت للعلايلي نفسه جراءة كهذه تجاوزت الحدود.
فمما له شبه بالوزن العربي "فَعُولاء" الذي يومئ إلى الخاصية المتفردة أكمل ما تكون، كالليلة البروقاء٢، و"فَعَلاء" الذي يدل على التثني والامتداد هنا وهناك، كالنهراء، بدلًا من النهر٣، "وفَعالاء" الذي يدل على الاتصاف بالشيء مع محاولة خلافه، كالرجل "الشراراء" وهو الذي يقترف الشر مع أنه يحاول احتذاء طريق الخير٤.
وسائر ما ذكره العلايلي -بعد ذلك- إلى العجمة أقرب، وبالوزن الدخيل ألصق. ولا ريب أنه استشعر هذا بنفسه؛ فإن في معجمه القيم الذي نرجو أن يتم قريبًا لم يركب الوعر باستخدام هذه الأوزان المبتدعة
стр. 330
إذا لم يرح فيها رائحة العربية الصافية١.
ومن ذلك "تَفْعَلُوت" للدلالة على الذي يتصف بالشيء عند حدوث الحادث فقط، نحو" ترغموت" الذي لا يرغم إلا عند اليأس، و"فَعْلُوت" للدلالة على الاستحالة من شيء إلى شيء نحو: "فلزوت" لتحول المعادن أشياء عنصرية، و"فَعَلَّان" للدلالة عل الألف الألفي، نحو "عقدان" للشيء الذي فيه أكثر من مائة ألف عقدة، و"فَعَلَيَّا" للدلالة على النفاذ إلى الصميم، نحو "حزنيا" لحالة الحزن التي تمزق الأحشاء التياعًا، و"فُعُلّ" للدلالة على الإطباق في الانتشار، نحو "دخن" للدخان المنتشر الذي يطبق الآفاق.
وكل ذلك يهون أمام تلك التاء الأعجمية الممدودة في آخر الاسم المذكر المفرد التي اقترحها العلايلي في وزن "الفَعْلَت" للدلالة على سرعة التأثر والانفعال وعلى سرعة الاحتراق، نحو "العصبت" لتأثر الأعصاب السريع!!
ولقد ظننت بادئ الأمر -لشديد ثقتي برهافة الحس للغوي لدى العلايلي- أن هذه التاء الهجينة الممدودة الطويلة ربما ألحقت بآخر الوزن
стр. 331
الاسمى المفرد تطبيعًا أو سهوًا؛ إذ لا يعقل أن يخالف الأستاذ متعمدًا إحدى بديهيات اللغة والصرف والرسم والإملاء من غير ما اضطرار إلى ذلك، ومتى ضاقت بمثله مسالك التعير حتى لم يجد إلا هذه التاء الدميمة يمسخ بها عربية الوزن وصفاء البناء؟! لكنني -وقد تفهمت قاعدته فيما جدد، ومنهجه فيما استحدث- أيقنت أنه قاصد هذه التاء، وأن لا سبيل إلى الدفاع عن إتيانه بها بحال، فإنه في أوزانه المبتدعة كلها -ما قرب منها من الوزن العربي وما بعد عنه- لم يحد قيد شعرة عن حروف الزيادة الصرفية التي يجمعها قولنا "سألتمونيها" أو "اليوم تنساه"١. على أنه رغم لجوئه إلى مواد الزيادة المعروفة لصياغة قوالبه غالَى وأسرف حتى كاد يجعل صور قوالبه الزائدة عملية عقلية رياضية بحتة أدخل فيها كل حرف من حروف الزيادة أولًا وآخرًا ووسطًا في كل وزن كان من قبل معروفًا -إما شائعًا وإما مهجورًا- فلو كتب لرأيه السيرورة لكان الذي تقبل منه أبعد ما يكون عن العربية الفصحى بوجهها الصريح.
وإنما أتى أولئك الباحثون من قبل الاستقراء الناقص، فحكموا المثال الواحد أو الأمثلة القليلة في القاعدة، ووضعوا المقاييس مع خلطهم بين القياس والمقيس، وإذا هم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا حين أغنوا العربية بزعمهم بأوزان تحييها، وقوالب "جاهزة" لكل اصطلاح فيها وتعبير.
ولتجدن هذا الاستقراء أنقص ما يكون فيما كتبه جرجي زيدان في "الفلسفة اللغوية" حول الأوزان المهملة التي اندثرت وأميتت. ونزداد يقينًا بأن هذا رجل يخوض فيما لا يعلم، ويتطفل على ميدان اللغة وليس من أهليه، حين نجده يرطن رطانة الأعجمي وهو يؤكد الأثر العبري
стр. 332
في العربية من نحو وإهمال بعض أبنية العربية من نحو آخر، فيقول: "ولكي نصل إلى الحقيقة يقتضي لنا الاستفهام عن أصل هذه التاء "في تفعل وتفاعل" وكيف تأتت لها هذه الخاصة. وعند البحث والمقابلة في أخوات العربية يظهر لنا أنها بقية "ات" أو ما يعادلها، وهي لفظة من الألفاظ لم تزل مستعملة في العبرانية بمعنى "ذ ات" ... ".
إلى أن يقول: "وليست هذه كل مزيدات الأفعال في العربية، وإنما هي ما غلب استعماله منها. وهناك مزيدات كثيرة أهملت فاندثرت. ومنها ما لم يبق منها إلا أمثلة قليلة حفظت في بعض المظان وهي نادرة؛ فمن مزيدات الثلاثي المهملة مما زيد فيه حرف واحد ما هو على وزن "تَفْعَل" مثل ترمس، أو "نَفْعَل" مثل نرجس، أو "هفعل" مثل هلقم، و"سفعل" مثل سنبس بمعنى نبس، و"مفعل" مثل مرحب بمعنى رحب، و"فيعل" مثل بيصل ... "١.
إن من الغريب حقًّا أن يحاول جرجي زيدان -بعد أن زعم انقراض بعض الأوزان- أن يأتي بأمثلة على الصورة التي كان يتخيلها لما ظن فيه الاندثار والإهمال. وإن هذا الحكم المتسرع لو صدر عن رجل مختص بالموضوع لأنبأ عن شيء من الجهل، فكيف به وهو أثر عجول من باحث يتكلم في كل شيء ولا يصيب الحقيقة في شيء؟
ويا ليت المحدثين احتذوا في تجديدهم خطوات الأب آنستاس ماري الكرملي الذي لم يأل جهدًا في إحياء الأوزان القديمة وإحياء مدلولاتها، فتوسع في كتب الصرف ونصح بالرجوع إليها فهو أسلم٢؛ ذلك بأن الكرملي حين ألف كتابه "نشوء العربية ونموها واكتهالها" لم يبتعد عن الأوزان العربية قط، ولم يستبدل بها غيرها، بل لاحظ فيها
стр. 333
مدلولات جديدة أوشكت أن تنسى، فبسط من معنى المدلول، واستحدث بعض التمييز في توضيح الفروق بين وزن وآخر، ولا عيب في كتابه سوى أنه استعجل الحكم بالتفرقة بين وزن وآخر يشبه مع أنه لم يقم دليلًا على صحة هذه التفرقة فيما فصح من لسان العرب. وأقرب مثل لذلك استناده إلى ما جاء في كتاب "الكليات" للتفرقة بين العلاقة بالفتح والعلاقة بالكسر، فالأولى المفتوحة العين تستعمل في الأمور الذهنية كعلاقة الحب والخصومة ونحوهما، والثانية المكسورة العين تستعمل في الأمور الخارجية كعِلاقة السوط والقوس ونحوهما، وإن عجبنا لا ينقضي من تعويله في قضية الأوزان وفي التفرقة بينها على باحث متأخر كالعكبري صاحب "الكليات" وهو يعلم أن المتقدمين من محققي العلماء لم يذهبوا هذا المذهب ولم يقيموا على صحته الدليل.
وكاد الكرملي يرتكب الخطأ الذي ارتكب مثله العلايلي حين أشار إلى صيغ لم يقررها النحاة في تصانيفهم وإن كانت القسمة العقلية الرياضية البحتة تستدعي وجودها وامتيازها فوق ذلك بمعان جديدة مبتكرة. ولكن الكرملي هم بارتكاب هذا الخطأ ولم يرتكبه حقًّا؛ إذ كان له مقنع بترديد الأوزان المتشابهة المحتمل ورودها عقلًا في إحدى ثلاث فصائل: رباعية وثلاثثية وثنائية. أما الفصيلة الرباعية فمن أمثلتها "فُعْلان - فِعْلان - فَعْلان - فَعَلان"؛ وأما الثنائية فمن أمثلتها "فَعَلْعَل، فَعَلْعَلان"؛ وأما الثلاثية الباقية فأمثلتها لا تكاد تتناهى كما لا تتناهى في العربية المثلثات المشهورة: وأهمها "فُعال، فِعال، فَعال"، و"فُعالة، فِعالة، فَعالة"، و"فُعالّ، فِعالّ، فَعالّ"، و"فُعالّة، فِعالّة، فَعالّة"، و"فُعْلَة، فِعْلَة، فَعْلَة"، و"فُعُل١، فِعِل، فَعَل"؛ ولا ريب أن القارئ لمح في
стр. 334
بعض هذه المثلثات أوزانًا معروفة لديه سواء أكانت شائعة أم نادرة الاستعمال، ولكنه أدرك الاتجاه الجديد الذي كان الكرملي يقود إليه معاني هذه الأوزان، لتستحيل في أيدي العرب المعاصرين مقاييس حية تستعمل في كثير من الميادين الحضرية الجديدة.
ومن هنا رأى الكرملي مثلًا أن "الفِعالة" بالكسر لا ينبغي أن تحصر في مدلول الصناعة كالحراثة والزراعة والمساحة والنجارة والحدادة؛ بل يبسط معناه ليشمل الدلالة على الآلة والإدراة، كأن "فعالة" تأنيث لفِعال الدال بنفسه على الآلة كالبساط واللباس والحزام والشكال١، وبذلك يتضح لنا معنى الآلة من نظائر هذه الألفاظ الفصيحة المتداولة: الإداوة اوالرحالة والضبارة والكنانة والقلادة٢.
ويُحمد للكرملي بصورة عامة ذهابه إلى توسيع مدلولات الأوزان أو بسط مداها من غير أن يمس سلامة اللغة أو فصاحة مقاييسها؛ كدعوته إلى إحياء وزن "فَعَلْعَل" كعصبصب، وغشمشم، وسمعمع، وعرمرم، باستعماله في كل وصف يكثر تحلي صاحبه به.
وليس من شأننا هنا -لدى موازنة آراء المحدثين التي أشرنا إليها- أن نخوض في قضايا القياس التي أفاض فيها المناطقة والمتكلمون والأصوليون من الفقهاء والنحاة، ولا من شأننا أيضًا التعرض للحالات التي يجب فيها القياس، فلهذا كله مواطن أخرى رحبة لا يتسع لها هذا المجال، وإنما يجدر بنا أن نعترف بالحقيقة الاجتماعية اللغوية التي تقول: "كلما قويت اللغة قوي القياس وكثرت الصيغ القياسية"٣، فلنرحب بكثرة ما
стр. 335
يستعمل من صيغنا وما يدخل معمل السبك القالبي من ألفاظنا ومفرداتنا، ولنكن إيجابيين في نشر لغتنا واستخدام مقاييسها في أغراض حياتنا بدلًا من أن نكون سلبيين نثور في وجه كل من استعمل وزنًا نجهله زاعمين أنه "ليس في العريبة من كذا إلا كذا، وهوكلام يخلو من المنطق والحكمة، بل هو جهل مطبق، فإن المرء ليحار ويتساءل: "من جمع لهم العربية في طبق فأحصوا كلمها ثم حكموا متثبتين: ليس في العربية من كذا إلا كذا؟ ولو قال قائلهم: "لا أعرف من كذا إلا كذا" لكان أقرب إلى النصفة وأصدق قيلًا"١.
وإن يكن قد ضُرب بالأسداد على جل ما يحاوله بعض الأفراد المطبوعين المعاصرين من تحديد معاني الأوزان أو بسط دلالاتها، فإننا ما نزال بحمد الله نجد في مجامعنا العربية في القاهرة ودمشق وبغداد روحًا تجديديًّا لن يأذن للجهلة الجامدين بتجميد هذه اللغة الكريمة وتعطيل نشاطها. وما القرارات الحكيمة التي اتخذت في مجمع القاهرة بشأن الصياغة والاشتقاق إلا أدلة لا تنقض وبراهين لا تناهض على أن حاجات المجتمع إن لم يبلها النحاة لبتها الحياة، فليست اللغة عجينة طيعة في أيدي المتحذلقين، ولكنها أداة حية في أيدي صناع التاريخ وبناة الحياة٢.
стр. 336
الفصل العاشر: العربية في العصر الحديث
لا يرتاب أحد من الباحثين اللغويين، قدامى ومحدثين، شرقين وغرببين، في أن العربية من أقدم اللغات وأقواها أصالة، وأوسعها تعبيرًا؛ بل يتصدى بعضهم اليوم -عن طريق ما يسميه بالتأثيل والترسيس١- إلى اعتبار العربية فوق اللغات الإنسانية قاطبة، فهي أم اللغات الآريات، لا الساميات والحاميات فحسب٢.
ولم يكن بد أن يستشعر صاحب هذا الرأي الأخير ما قد يعتري القارئ عن الذعر حين يواجه لفظي التأثيل والترسيس أول مرة، فأماط
стр. 337
اللثام عن مدلوليهما منتهيًا إلى أن التأثيل هو علم أصول الألفاظ، وأنه مشتق من "الأثل" -بمعنى الأصل- فهو على هذا اصطلاح مقابل لكلمة etymologie، وأن الترسيس هو رد الألفاظ إلى بدايتها، وأنه مشتق من "الرس" -بمعنى البداية- ومن الممكن أن يقابله في اللغات الأوربية اصطلاح radixation.
وأيا ما يكن وقع هذين اللفظين على القارئ العادي أو المختص، فلنا أن نستخرج في ضوئهما عددًا من الحقائق اللغوية التي تؤكد إقراض العربية سواها من لغات الإنسان أكثر من اقتراضها منها، فما اقتبسته العربية من مختلف اللغات لا يجاوز ثلاثة آلاف لفظ على أكبر الاحتمالات١، على حين دخل تلك اللغات من العربية وغيرها شيء كثير لم يحصه حتى اليوم الراسخون في علم اللغات.
وربما انطوت هذه الدعوى على كثير أو قليل من الغلو يعارض ما أكدناه في فصل "تعريب الدخيل" من أن العربية ليست بدعًا من اللغات، فهي تقرضها مثلما تقترض منها، وتخضع في ذلك كله لقانون اجتماعي لغوي هو تبادل التأثير والتاثر بين اللغات٢ وقد يستنتج من ذلك أن لا داعي لانفراد العربية بقلة ما اقتبسته من سواها، ولا مسوغ للمبالغة فيما اقتبسه غيرها منها أو سواها؛ لذلك نبادر إلى حصر الغاية في مثل هذه البحوث بتقرير الحقائق معززة بالشواهد، ونقر بخضوع العربية للقانون اللغوي المذكور، ونرفض ألوان المبالغة جميعًا في هذا الموضوع، ونلح -رغم ذلك كله- على امتياز العربية
стр. 338
٢- اختلاف المصطلحات التي تم وضعها وتعريبها.
٣- افتقارنا إلى مراجع علمية عربية كافية في مختلف العلوم للتدريس الجامعي.
٤- صعوبة اللغة العربية من حيث القواعد والكتابة.
٥- منافسة بعض اللغات الإقليمية الدارجة للعربية الفصحى.
ولنا - إزاء هذه المعضلات- موقفان؛ أحدهما: دفاعي عام، والآخر: إيجابي تفصيلي. وإنا لنحرص في كلا الموقفين على أن نأخذ بالرأي القائل: إن اللغة عنصر علمي مستقل وظاهرة اجتماعية وعامل حضاري، فإذا ما عزونا إليها طواعيتها للاكتشاف والاختراع والتوليد قديمًا وحديثًا فليس لنا أن نستسلم في ذلك استسلامًا شعريًّا لذيذًا نرى خلاله العربية لغة العبقرية أو عبقرية اللغات.
أما موقفنا الأول فقد كفانا مئونة الإفاضة فيه عدد من البحوث اللغوية الرصينة التي تصف دور العربية في الكشوف العلمية، وتبرز مقدرتها الذاتية على التعبير الفني الدقيق، فإذا كانت من مصادر البحث العلمي القديم فلماذا لا تكون اليوم مرجعًا ولغة عالمية؟ ١
ولقد أوضحنا -في غضون كتابنا هذا- كيف كانت العربية مرنة مطواعًا تلبي أدق مطالب الأحياء بألوان اشتقاقاتها من صغير وكبير وأكبر وكُبَّار٢، في تلك الحركة الدائمة التي تلد كل لحظة مولودًا
стр. 339
جديدًا، وبأنواع صيغها أسماء وأفعالًا وصفات١، في تلك القوالب التي تنسبك بها كل التعابير، وباستعدادها الأصيل للاقتباس والتعريب٢. في تلك الألفاظ التي خلقتها الحضارة والفنون، فما يكُ من عيب فهو في الباحثين العرب لا في اللغة العربية، وما تقع عليه العين من تخلف في أي ميدان من الميادين فمصدره الوحيد قلة اهتمامنا بتطوير فكرنا العلمي، فمن المعروف أن انتشار اللغة -أي لغة كانت- رهن بمدى إسهامها في الواقع الحضاري، ولئن ثبت في ماضينا المجيد أن لغتنا كانت لغة حضارة مرت بتجربة ضخمة أبرزت طواعيتها للاكتشاف والتوليد فعلينا أن نثبت نحن اليوم أنها ما تبرح تمر بالتجارب الضخام، بل بتجارب أضخم مما سلف، وأنها تواكب نماءنا الحضاري وما تنفك قادرة على اختراع التعابير الحية لجميع الفنون.
ولعل هذه النظرة الإجمالية العامة -في الموقف الدفاعي- هي التي يتبناها في مؤلفاتنا الحديثة وفي بحوثنا بالمجلات العلمية والأدبية كل غيور على لغة الضاد، من الأدباء والدارسين وغيرهم أحيانًا، أما النظرة التفصيلية، في الموقف الإيجابي، فما تكفل بإيضاحها على الوجه الأكمل إلا المكتب الدائم لتنسيق التعريب في العالم العربي٣ الذي وجه في أواخر سنة ١٩٦٦ استفتاء حول اللغة العربية، والمشكلات التي تعترض سيرها، وحلول هذه المشكلات، ومعضلات التدريس الجامعي بالعربية، وحلول تلك المعضلات٤.
ويبدو أن مقترحات العلماء هاهنا تشابهت إلى حد كبير، فلمعالجة
стр. 340
بطء حركة التعريب في العالم العربي مال أكثرهم إلى تكوين لجنة جامعية من هيئة التدريس تشرف على نقل ما يوضع من دروس إلى العربية السهلة الميسرة، ودعوا الجامعات العربية إلى الإسهام في وضع المصطلح العلمي الأدق، والسعي لنشر معجم للمصطلحات العلمية والفنية والأجنبية مع جميع مقابلاتها العربية١. ولم يرَ بعضهم بأسًا في قبول طائفة من المصطلحات العلمية بألفاظها أسوة بجميع اللغات الحية، ومن بينها الروسية، فلا داعي لانفراد العرب بنقل تلك المصطلحات من اللاتينية إلى العربية دون جدوى؟ ٢
ولم يتورع بعض الباحثين -تسابقًا إلى حركة التعريب- عن اقتراح الاقتصار على التعريب الحرفي لجميع المصطلحات. فلم يكن بد من نبذ هذا الا قتراح؛ لأنه يوسع شقة الخلاف القائم في المصطلحات بحيث يكون في العالم العربي من اللغات العربيات عدد مماثل للغات الأجنبية المنتشرة فيه٣. والأفضل إذن أن نقصر التعريب على الألفاظ الدولية للمصطلحات العلمية المستعملة بألفاظها اللاتينية في جميع لغات العالم.
стр. 341
أما بقية المصطلحات فلن تعجز العربية عن توليد اللفظ الملائم لها عن طريق الاشتقاق.
أما مشكلة اختلاف المصطلحات التي تم تعريبها في البلدان العربية فلها حل عملي عن طريق الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية، والمجامع العلمية واللغوية القائمة اليوم في القاهرة ودمشق وبغداد. فليس عسيرًا أن نضع حدًّا لاختلاف الاصطلاح العلمي إذا سعينا لأيجاد مجمع عربي لغوي وعلمي موحد، وعقدنا مؤتمرات علمية بالتعاون مع المكتب الدائم لتنسيق التعريب، ابتغاء الوصول إلى الوحدة الثقافية العربية، وتوحيد المناهج والكتب الدراسية. ووضع مقاييس عامة لإيثار مصطلح على آخر حتى تكتب له السيرورة١.
وأما افتقارنا إلى مراجع علمية عربية لتدريس جميع العلوم على المستوى الجامعي فمشكلة عويصة لن يحلها إلا تشجيع التعريب لمختلف المصادر العلمية الجامعية التي يقع عليها اختيارًا أكابر علمائنا وباحثينا، كل في ميدان اختصاصه وخبرته. ومما يعين على حل هذه المشكلة أيضًا إسهام الدول العربية عن طريق جامعتها بتمويل مشروع على جانب عظيم من الأهمية؛ ألا وهو إصدار معجمين عربيين، أحدهما لغوي والآخر علمي، تعدهما الهيئات العلمية واللغوية في الوطن العربي.
ولو أثيرت هذه المشكلة من زاوية صلاح العربية أو عدم صلاحها للتدريس الجامعي لما اكترثنا لذلك ولا اهتممنا به قط؛ لأن واقع
стр. 342
التدريس الجامعي في كثير من البلاد العربية يؤكد اليوم أنا قطعنا أشواطًا في هذا الصدد، "فالدراسات القانونية والاجتماعية بوجه عام إنما تدرس باللغة العربية، وكذلك الدراسات العلمية من طبيعة وهندسة ورياضة، بل يدرس في جامعات الجمهورية العربية المتحدة نظريات الذرة والإليكترونات باللغة العربية، ولم يبقَ إلا بعض الدراسات الطبية التي لم تستكمل وسائلها في المكتبة العربية"١.
وإذا تيسر وضع المعجمين اللذين أشرنا إليهما آنفًا فنحن نؤيد كل التأييد استعمال الكلمات المدونة فيهما، على حالها التي وردت عليها، ولو كان لدى المؤلفين أفضل منها، "على أن يبين المؤلف في آخر كتابه أو في هوامشه نقده والكلمة المفضلة لديه، لتنظر فيها لجنة المعجم فتقرها إذا اقتنعت بها في الطبعة الجديدة، ويقضي ذلك بأن يطبع المعجم لا أقل من مرة كل ثلاث سنوات"٢.
وإنا لفي أشد الحاجة إلى عقد مؤتمر لغوي عام لتبسيط قواعد اللغة، وتيسير كتابتها وطباعتها. ومن المعلوم أن مؤتمر التعريب المنعقد بالرباط سنة ١٩٦١، والذي انبثق عنه المكتب الدائم لتنسيق التعريب، قد اتخذ طائفة من التوصيات، كان من بينها "وضع كتاب في قواعد اللغة والنحو يراعى فيه أن يكون مبسطًا واضحًا سهل التناول، وأن
стр. 343
يزين بفهارس دقيقة تمكن الباحث من العثور على ما يريد بأقل مشقة".
ولقد اقترح كثير من الباحثين، في عدد من البلدان العربية، طرائق لشكل الكلمات كتابة وطباعة، وما يزال التنافس شديدًا بين أولئك الأفراد، ولكن الخطأ يكمن هنا، فإن هذه المشكلة لا تعالج بصورة فردية، بل في مؤتمر عام كبير.
ومهما نحاول التجديد فلا مفر من الإبقاء على الحروف العربية بأشكالها الراهنة، على أن نرمز إلى بعض ما ينقصنا من الأصوات الأجنبية. وكل محاولة لاستبدال الحروف اللاتينية بالأبجدية العربية مقضي عليها بالإخفاق، لسنا نحن نقول هذا بل ينادي به المستشرقون: "فلا تجاوز بعض الناس الحق إلى الباطل، فاقترحوا استبدال الحروف اللاتينية بالإبجدية العربية، ولكني أعتقد أن مثل هذا المشروع مكتوب عليه الفشل؛ لأن العربية غير التركية، وأيقنت أن الخط العربي سيدوم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها"١.
على أنه يتحتم علينا تشكيل الحروف كتابة وطباعة، ضبطًا للفظ بما تمليه قواعد الإعراب، وتيسيرًا للقراءة الصحيحة التي يقال فيها دائمًا عن العربية: إن علينا أن نفهمها لنقرأها، بينما نقرأ غيرها فنفهمها. ومن المناسب ألا نفرق في هذا الصدد بين الكتب المؤلفة للمبتدئين وكتب المطالعة للمثقفين، مع التخفف من بعض الحركات التي
стр. 344
لا حاجة إليها على النحو الذي أوضحه بعض الباحثين١.
وخليق بنا هنا أن ندرك أن تيسير العربية لا ينبغي أن يخص به أبناؤها وحدهم، فقد كانت هذه اللغة العالمية وما تزال مطلوبة من غير بنيها، ولعل أقدم محاولة للاتصال بالثقافة العربية ترتد إلى مدرسة المترجمين في طليطلة، وهي المدرسة التي أنشأها ألفونسو العالم "١٢٥٢-١٢٨٤" ثم تعهدها بالرعاية رايموندو المطران، وتيسر لها أن تنقل عن التراث العربي كثيرًا من الفلسفة والمنطق والطب والفلك والرياضيات والطبيعة٢، وما برح الأجانب إلى يومنا هذا يتعلمون اللغة العربية ليفهموا تراثنا وحضارتنا، ولا سيما ما ارتد إلى ماضينا التليد، ولكنا نود بلا ريب أن يتجاوزوا الماضي إلى الحاضر، فيدركوا روح الأمة العربية في واقعها الذي تعيشه اليوم، ومن الراغبين في الاستشراق من يقبل على دراسة العربية بهذا الروح وبهذه الحماسة، غير أنهم بعد أن يقضوا في تحصيلها مراحل طوالًا يشعرون بصعوبة قواعدها وصعوبة كتابتها شعورهم بمنطقيتها وجمال حرفها، فهل علينا -من أجل ذلك- أن ننحي بترثنا اللغوي وبحرفنا الجميل الذي يعد بذاته ضربًا من الفن الرفيع؟
إن الباحثين الأجانب أنفسهم يعلمون أن صورة الحرف العربي مرتبطة
стр. 345
بكتابة القرآن الذي انتشر بانتشار الإسلام، وبفضل الكتابة العربية حمل الإسلام خصائص العرب إلى كل مكان أمسى عقيدة عامة فيه: فهذا إرنست كونل يؤكد "أن الإسلام منح العرب اللغة والخط، وانتشر الخط العربي في العالم الإسلامي فأصبح رابطة لجميع الشعوب الإسلامية رغم الحدود الحاضرة"١. ومن المعروف أن الخط العربي -بعد أن بات عنصرًا من عناصر الزخرفة الجميلة- قام بسياحات بعيدة المدى، وترك أروع الآثار، ولقي في كل مكان هاجر إليه في أوربة من العناية والاحتفال ما لقيه في أرض العرب والمسلمين، حتى قال مارسيه عن قصر إشبيلية: "إنه رغم الترميمات التي أدخلت عليه بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر ما ينفك يكشف عن مشاركة الفنانين الغرناطيين، ويؤكد بصورة قاطعة تأثير طابع الفن الإسلامي على الملوك المسيحيين"٢.
وندرك قيمة الكتابة العربية حين نعلم مثلًا أن الحرف العربي قد امتد إلى أنحاء لا يحكمها العرب في الجزيرة الإيبيرية، حتى استعمل المستعربون الخط العربي لكتابة اللاتينية نفسها، وإذا بألفونس يسك النقود بالعربية، وإذا ببطرس الأول المتوفى عام ١١٠٤ من ملوك الأراغون لا يحسن إلا العربية كتابة وخطًّا٣.
وبعد سقوط غرناطة كان للموريسكو "المسلمين الذين لم يهجروا البلاد" لهجة رومانسية "أي محرفة عن اللاتينية" لكنهم ظلوا يستخدمون
стр. 346
الحرف العربي لكتابة ما يعبرون عنه بلهجتهم، وقد أطلقوا عى أدبهم هذا لقب الجمياد al- Jamiado وهو محرف عن لفظ "أعجمي" الذي يسمى به في العربية من لم يكن عربيًّا١.
فإذا كان ممكنًا أن يكتب الناس غير العربية بالخط العربي والحرف العربي، لما استشعروا فيه من الجمال والفن، فليس من المنطق في شيء أن نضحي بذلك كله ابتغاء تيسير الكتابة العربية على الأعاجم. وخير من هذا في نظرنا أن يقترح المختصون في التربية لا فقهاء اللغة المراحل التدريجية التي ينبغي أن يمر بها الطالب الأجنبي حتى لا يجد عسرًا في تعلم العربية. وأكثر ما قيل في تيسير القواعد والخط العربي يصدق على غير العربي، مع توسع في تعليم الأجنبي العربية المكتوبة المبسطة الحية لا العربية الأدبية المتقعرة التي أوشكت أن تموت٢.
ولا بد -لحل هذه المشكلة حلًّا جذريًّا- من دعوة الحكومات العربية وجامعة الدول العربية إلى فتح مراكز ثقافية ومعاهد لتعليم العربية لغير العرب في مختلف بلدان العالم، ولا سيما في الأقطار الإسلامية غير العربية. ولا بد -من الزاوية التربوية المحضة- من العناية بإعداد المتخصصين في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وتأليف الكتب الميسرة، ووضع ما يصلح لهذا التعليم من الأفلام المصورة والأشراطة المسجلة.
والمشكلة الأخيرة التي تعترض مسيرة العربية في العصر الحديث تتمثل في هذا الجدل البيزنطي العقيم حول العامية والفصحى. فمن دعاة العامية اليوم من يحتج بعصوبتها وتعقيدها، وقد يبينا كيف يمكن تيسيرها،
стр. 347
ومنهم من يميل إلى كتابة العربية بالأحرف اللاتينية أسوة بالأتراك، وقد أوضحنا أن الحرف العربي أجمل الحروف وأن لا جدوى من استبدال غيره به، ومنهم من يبالغ في تصوير الخيبة التي تساور الأوربي المستشرق عندما يرى في البلد العربي الذي يقدم إليه أن عامة الناس تتحدث بغير الفصحى التي تعلمها، وقد اقترحنا واقترح غيرنا ما نظنه كافيًا لسد هذه الثغرات جميعًا. والحق أنا عندما نأخذ بتطبيق هذه النظريات، حلًّا لتلك المشكلات، لن نجد مسوغًا للدعوة إلى العامية؛ لأن عدواها لا تسري إلا حيثما يكون الجهل والمكابرة والعناد.
ذلك بأن الأقطار الناطقة بالضاد مترامية الأطراف، تمتد من المحيط إلى المحيط. وإنك لتجد حتى في القطر العربي الواحد من تعدد اللهجات ما لا ينقضي له عجبك، ففي لبنان -على ضيق رقعته بالنسبة إلى مصر مثلًا- تفاوت ملحوظ بين لهجات الجنوب والشمال والبقاع وكسروان١، بل الأحياء في كل مدينة من مدن لبنان تتفاوت لهجاتها تفاوتًا عجيبًا، فلهجة الميناء في طرابلس تختلف عن كل من لهجات ساحة التي وباب التبانة وبوابة الحدادين.
ولئن بلغ التفاوت بين الأحياء في كل مدينة، وبين الأقاليم في كل قطر، وبين الأقطار المتباعد بعضها عن بعض، هذا الحد الواسع الهائل، فما هي اللهجة العامية التي يسعنا اختيارها من بين هذا الركام المختلط العجيب؟
إلى هذا لفت الدكتور طه حسين الأنظار وهو يقرع ناقوس الخطر
стр. 348
ويقول: "أحب أن ألفت نظر أدبائنا الذين يطالبون بالالتجاء إلى اللهجات العامية إلى شيء خطير ما أرى أنهم قد فكروا فيه فأحسنوا التفكير. هو أن العالم العربي الآن، وكثيرًا من أهل العالم الشرقي كله يفهم العربية الفصحى ويتخذها وسيلة للتعبير عن ذات نفسه وللتواصل الصحيح القوي بين أقطاره المتباعدة، فلنحذر أن نشجع الكتابة باللهجات العامية، فيمعن كل قطر في لهجته، وتمعن هذه اللهجات في التباعد والتدابر، ويأتي يوم يحتاج فيه المصري إلى أن يترجم إلى لهجته كتب السوريين واللبنانيين والعراقيين، ويحتاج أهل سورية ولبنان والعراق إلى مثل ما يحتاج إليه المصريون من ترجمة الكتب المصرية إلى لهجاتهم كما يترجم الفرنسيون عن الإيطاليين والإسبانيين، وكما يترجم هؤلاء عن الفرنسين.
ولنسأل أنفسنا آخر الأمر: أيهما خير؟ أن تكون للعالم العربي كله لغة واحدة هي اللغة الفصحى، يفهمها أهل مراكش كما يفهمها أهل العراق، أم أن تكون لهذا العالم لغات بعدد الأقطار التي تتألف منها، وأن يترجم بعض عن بعض؟ أما أنا فأوثر وحدة اللغة هذه فهي خليقة بأن يجاهد في سبيلها المؤمنون بها وبأن يضحوا في سبيلها بكل ما يملكون".
ومهما تتطور اللهجات الإقليمية العامية في بعض الأقطار العربية، ومهما يحاول الدعاة إليها وضع القواعد لها والأصول، فمما لا ريب فيه أن العامية متفرعة عن الفصحى، ومتأثرة بها، وإن كانت أحيانًا تشويهًا وتحريفًا لها، وليس لداء العامية من علاج إلا محاربة الأمية، وتعميم التعليم الإجباري، وتمكين أجهزة الإعلام في الدول العربية من الارتفاع بالعامية إلى الفصحى المبسطة الميسرة، فيما تبثه بالإذاعة والتلفزيون من أشرطة مسجلة وأسطوانات، وفيها تنشره من أدبنا المسرحي الحي
стр. 349
الذي يتكاثر مع الأيام غير متجانف عن تفصيح العامية ولا تيسير الفصحى.
ومرة أخرى نقول: إن العربية الفصحى -التي انطوت على خصائصها فصول هذا الكتاب- ليست هي المتخلفة، فلقد أدت دورها في حضارة الإنسان وما تزال تؤديه، وإنما التخلف فينا، في عقلياتنا ونفسياتنا، وفي مناهجنا وطرائقنا، وفي تلهينا بالقشور عن اللباب.
ولسوف تظل العربية الفصحى نافذتنا الوحيدة التي نطل منها على العالم كله شرقًا وغربًا، ولسوف تظل رمز وحدتنا ما كر الجديدان، وتعاقب الملوان.
стр. 350
خاتمة:
أردنا هذا الكتاب ليكون مرآة للغة العرب، بوجهها الصريح دون طلاء، وملامحها المعبرة دون اصطناع، فلم يكذب القلم ما أردناه، وكان كتابنا حقًّا كالمرآة!
وفي مرآة هذه الكتاب رأينا لغة العرب مرنة مطواعًا، لها من خصائصها في الاشتقاق، ومزاياها في التوليد، وأسرارها في الصياغة، وطرائقها في التعبير، ما يفي بترجمة روائع الفكر، ومبتكرات العلم، وبدائع الفن، وما يلبي مطالب الحياة والأحياء في الأنفس والآفاق.
ولم نزعم في هذا كله أن العربية كانت بدعًا من اللغات، ولم نذهب إلى تفضيلها عليهن أو على كثير منهن انسياقًا وراء عاطفتنا الدينية أو شعورنا القومي، ولم نصدق الأسطورة الخيالية التي تحيط العربية بشيء يسمو على الفكر، ويعلو عن السحر، ويكاد يلحقها بالمعجزات، ويراها لغة العبقرية أو يرى فيها عبقرية اللغات!
ذلك بأنه لا سبيل إلى تفضيل لغة على أخرى، وإنما يكون التفاضل بين الوسائل المتبعة لتنمية اللغات وإغناء تراثها التعبيري.
стр. 351
ولقد رأينا -في أكثر مباحث الكتاب- أن وسائل التنمية في العربية -على تنوعها وتعددها- آخذة في الزيادة والاتساع يومًا بعد يوم.
إننا آمنا بأن المنهج الصالح في دراسة فقة اللغة هو المنهج الاستقرائي الوصفي الذي يعترف بأن اللغة ظاهرة إنسانية اجتماعية بها تستقصي الملامح المميزة لكل مجتمع، فلم نحاول أن نفرض معايير اللغويين العرب المتقدمين ولا آراء الباحثين المعاصرين كما تفرض أحكام القانون، بل قمنا أو رغبنا في القيام بوظيفة اللغوي في وصف الحقائق، ونقد الوثائق، وتمحيص النصوص، والموازنة بين الآراء قديمها وحديثها، ومعتدلها ومغاليها، واستخلصنا بعد ذلك أحكامنا بتأنٍّ وروية، ثم لممنا شتات هذه الأحكام فكانت ضربة قاصمة للشعوبية.
إن الباحث المنصف قد وجد في كتابنا هذا -وهو في معزل عن المنطق الصوري، وبمفازة من عدواه- أهم خصائص العربية الفصحى، لا من خلال الزاوية التي تعبجه أو تعجبنا، بل من خلال مقارنة الخصائص في اللغة الفصحى بما يقابلها في اللهجات الأخرى أو في اللغات التي تربطها بها أواصر القربى.
وفي ضوء هذا المقياس العلمي الدقيق، لم يكُ من ضرورة لتعليل كل صوت لغوي أو رمز دلالي في العربية بأنه على وجه الحكمة كيف وقع. ولم يكُ من مسوغ للظن بأن خصائص العريبة تميز لهجة قريش لذاتها، فإنما ميزتها هاتيك الخصائص لتمثلها خير ما في اللهجات العربية الصحيحة بالتوليد والاشتقاق، وخير ما في اللغات الأجنبية بالنقل والتعريب.
وفي دراستنا لخصائص العربية، برز في كل فصل من فصول الكتاب وجه عربي أصيل؛ فالإعراب ليس قصة، ولقد ورث فصحاء العرب لغتهم آيات معربات بينات. ولمح بعض العلماء في كل حرف
стр. 352
عربي قيمة تعبيرية موحية يسرت لهم القول بالمناسبة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله. والثنائية واضحة في نشأة العربية وأخواتها الساميات، خلافًا لما يفترضه المذهب اللغوي الجديد من ابتداء الكلمات طويلة في أصل بنائها، ثم ميلها نحو التقصير. والاشتقاق في ظلال دلالته الوضعية وسيلة رائعة للتمييز بين الأصيل والدخيل، والحسي فيه أسبق في الوجود من المعنوي المجرد، لكن في الاشتقاق الكبير تجوزًا في التعبير، وفي الاشتقاق الأكبر تعسفًا في التأويل. والنحت أيضًا وسيلة من الاشتقاق نادرة لا يلجأ إليها إلا عند الضرورة القصوى, ولا بد من تنزيل المنحوت على أحكام العربية وصياغته على وزن من أوزانها.
وفي فصل "الأصوات العربية" لاحظنا أن علماءنا المتقدمين عرفوا لكل حرف صوته صفة ومخرجًا، مثلما عرفوا له إيحاءه دلالة ومعنى، وأن وصفهم لجهاز النطق ووظائف أعضائه اتسم بالدقة والاستقصاء، وأن علم الأصوات اللغوية إنما بني على مباحثهم في التجويد. وفي العربية ظاهرة مدهشة تتعلق بأصواتها، فقد ظلت محتفظة بها ثابتة الأصول، ومعروفة الأنساب. ولها محصول لغوي ضخم من المترادفات والمشتركات والأضداد أتاحه لها تنوع الاستعمال. وليست العربية باللغة الجامدة، فهي تقترض من اللغات كما تقرضها، وتتأثر بها مثلما تؤثر فيها، وتدخل في ثروتها الكثير من ألفاظ الحضارة الإنسانية، ومن مصطلحات العلوم والفنون، بعد أن تسبكها على قوالبها سبكًا. وتنزلها على أوزانها تنزيلًا.
تلك لغة العرب بوجهها الصريح دون طلاء، وملامحها المعبرة دون اصطناع، كما برزت بوضوح في مرآتها: هذا الكتاب.
стр. 353
جريدة المراجع على حروف المعجم:
١- باللغة العربية ١:
أبحاث ثنائية السنية "للأب مرمرجي الدومينيكي" ثلاثة كتب صغيرة ١٩٣٧ ثم ١٩٤٧ ثم ١٩٥٠م.
الإتباع والمزاوجة "لأحمد بن فارس" نشره المستشرق رودلف برو بمدينة غيسن سنة ١٩٠٦م "في ٢٤ صفحة".
إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر "لأحمد الدمياطي الشهير بالبنا" نشر عبد الحميد أحمد حنفي. القاهرة سنة ١٣٥٩هـ.
الإتقان في علوم القرآن "للسيوطي" جزآن، مطبعة حجازي بالقاهرة ط٣، ١٣٦٠هـ-١٩٤١م.
стр. 354
إرشاد الأريب: انظر معجم الأدباء.
أسرار اللغة: انظر من أسرار اللغة "للدكتور إبراهيم أنيس".
* الاشتقاق "لابن دريد" طبع بعناية المستشرق وستنفلد سنة ١٨٥٣م.
* الاشتقاق "لعبد الله أمين" القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط١، ١٣٧٦هـ-١٩٥٦م.
الاشتقاق والتعريب "للمرحوم عبد القادر المغربي" ط٢، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ١٣٦٦هـ-١٩٤٧م.
الأصوات اللغوية "للدكتور إبراهيم أنيس" ط٢ سنة ١٩٥٠م.
* أصول النحو = انظر في أصول النحو.
* الأضداد "لأبي حاتم السجستاني" ضمن ثلاثة كتب في الأضداد، نشرها الدكتور أوغست هفنر، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ١٩١٢م.
* الأضداد في اللغة "لابن الأنباري" المطبعة الحسينية بالقاهرة ١٣٢٥هـ.
* إعراب القراءات الشاذة "للعكبري" صورة شمسية للمخطوط بالمجمع العلمي العربي بدمشق "رقم ٥٩".
* الاقتراح = كتاب الاقتراح في علم أصول النحو "للسيوطي" ط٢ حيدر آباد ١٣٥٩هـ "ورجعنا أيضًا إلى الطبعة الأولى بحيدرآباد ١٣١٠هـ".
* الأمالي "لأبي على القالي" ط دار الكتب بالقاهرة ١٣٤٤هـ-١٩٢٦م.
إملاء ما منَّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن "للعكبري" مطبعة التقدم، القاهرة ١٣٤٧هـ.
стр. 355
الإنصاف في مسائل الخلاف "لابن الأنباري" مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة ١٣٦٤هـ.
الإيضاح في الوقف والابتداء "لابن الأنباري" مخطوطة الظاهرية، قراءات ٣٦.
البداية والنهاية في التاريخ "لابن كثير" ١٤ جزءًا، بالقاهرة ١٣٥١-١٣٥٨هـ.
البرهان في علوم القرآن "للزركشي" بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية ١٣٧٦هـ-١٩٥٧م.
* بغية الوعاة "للسيوطي" القاهرة ١٣٢٦هـ.
* تاريخ بغداد "للخطيب البغدادي" ط الخانجي بالقاهرة ١٣٤٩هـ-١٩٣١م.
تاريخ اللغات السامية "لإسرائيل ولفنسون: أبي ذؤيب" القاهرة سنة ١٩٢٩م.
تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد "لابن مالك" طبع مكة المكرمة.
التصحيف والتحريف، وشرح ما يقع فيه "لأبي أحمد العسكري" طبعة ناقصة "نصف الكتاب" القاهرة ١٣٢٦هـ.
* تهذيب التهذيب "لابن حجر العسقلاني" حيدر آباد ١٣٢٥-١٣٢٧هـ.
الجامع لأحكام القرآن "للقرطبي" دار الكتب بالقاهرة ١٣٥٨هـ-١٩٣٩م.