"ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها عليهم وتسميها: أهل الله"١. وأبلغ تعبير عما بلغته قريش في نفوس العرب من منزلة في الجملة, قول رسول الله ﷺ فيما بعد: "الناس تبع لقريش في الخير والشر" ٢.
والقرشيون من بين عامة سكان الحجاز أغنياء مهرة في أمور التجارة لا يكاد يعرف لكثير منهم عمل غير الاتجار "ومن لم يكن من قريش تاجرا, فليس بشيء"، فكانوا ينظمون عيرهم في الشتاء إلى اليمن حيث يتبايعون سلع الهند والحبشة المستفيضة هناك فيحملونها إلى الحجاز، وعيرا في الصيف إذ يرحلون بما حملوا من الحبشة والهند وما عندهم أيضا من محصول بلادهم كالتمر والأدم إلى الشام, فيفرغون في أسواقها: غزة وبصرى وغيرهما، ما في أحمالهم ويأخذون بدلا منها ما في الشام مما لا يكون بالهند ولا بالحبشة.
وكانوا يسيرون قوافل عظيمة معها حامياتها وأدواتها ومعهم الأدلاء يسيرون بين أيديهم. أما الحاميات فأكثر ما تكون من بني غفار ومن إليهم، ممن يتقاضون على مرافقة العير وحمايتها جُعْلا من قريش، هذا عدا عبدان قريش ومواليها وأحلافها.
اختلاط القرشيين بالروم والفرس والحبشان بسبب التجارة
стр. 107
جعلهم يتميزون من سائر العرب بميزات أفادوها من هذا الاختلاط؛ فتعلم فريق منهم الكتابة من الحيرة ونشروها لما رجعوا إلى بلادهم, فكان في مكة والطائف عدد يسير يحسنون الكتابة١. ويذكرون أنه كان لبشر أخي أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل صحبة بحرب بن أمية التاجر القرشي الكبير؛ لتجارته عندهم في بلاد العراق, فتعلم حرب منه الكتابة ثم سافر معه بشر إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب، فتعلم منه جماعة من أهل مكة, فبهذا كثر من يكتب بمكة من قريش قبل الإسلام. ولذلك قال رجل كندي من أهل دومة الجندل يمنّ على قريش بذلك:
لا تجحدوا نعماء "بشر" عليكم ... فقد كان ميمون النقيبة أزهرا
أتاكم بخط الجزم حتى حفظتم ... من المال ما قد كان شتى مبعثرا
وأتقنتم ما كان بالمال مهملا ... وطامنتم ما كان منه منفرا
فأجريتم الأقلام عودا وبدأة ... وضاهيتم كتاب كسرى وقيصرا
وأغنيتم عن مسند الحي حمير ... وما زبرت في الصحف أقيال حميرا٢
стр. 108
ومهما يكن, فقد كان أكثر كتاب الوحي لرسول الله ﷺ منهم, ومن هنا كان القرشيون أقرب العرب من علم وثقافة وتهذيب؛ لمخالطتهم هؤلاء الأجانب المتحضرين وقبسهم شيئا من تعاملهم في بيوعهم, وأنظمتهم في تجارتهم حسبما كانوا يرون في الأسواق التي كانوا يحطون رحالهم فيها. وهذه الأسواق وإن لم تكن في الدرجة الأولى بين أسواق الرومان، ولا كان أهلها سابقين في مضمار الحضارة كثيرا, لم تخل من آثار بعيدة في التحضر استفاد منها تجار مكة شيئا بعتد به في السياسة والاقتصاد.
بل, لقد تأثروا برحلاتهم هذه ببعض المعتقدات أيضا؛ فقد ذكروا أن عبادة الأصنام طارئة على أهل مكة من الشام، وأن عمرو بن لحي -فيما زعموا- أول من نشر عبادة الأصنام حول الكعبة حين حمل معه صنما من أصنام وجدها في جنوب الشام, فنصبه في الكعبة١.
وفشت في جماعة من قريش زندقة, حتى قال صاعد: "كانت الزندقة في قريش, أخذوها عن أهل الحيرة"٢.
فأنت ترى أن هذه الرحلات أثّرت حتى في معتقدات العرب
стр. 109
ومن القريب المألوف أن يحمل الرحّالون من البلاد التي ينزلونها شيئا من طرائقها في العادات والدين والأخلاق والعروض والأزياء يتحدثون عنه إذا ردتهم أسفارهم إلى بلادهم, فيعجبون منه ذويهم وجيرتهم ممن لم يكن له بتلك البلاد عهد، وما أكثر ما يحاول الإنسان تقليد من يملأ عينه.
أفادت قريش من هذه الرحلات وهذا الاختلاط بالأمم التي سبقتهم، كثيرا من اللباقة والكياسة إلى ما عرفت به من الفصاحة المشهود لهم بها, حتى إن العرب كانت تعرض شعرها على قريش. وعرض علقمة الفحل عليهم شعره فوصفوه بسِمْط الدهر١، وثقفت ألوانا من الدهاء والاحتيال، لا يحسنها إلا من رسخت قدمه في التجارة وأسبابها وضروب تعاطيها، حتى إذا دار الزمان وقضي للعرب أن تكون لهم دولة ذات سياسة داخلية وخارجية، كان أقطاب هذه الدولة وأركانها أولئك التجار الذين يعرفون كيف يتأتون للأمور, ويتلطفون لمواجهة الصعاب وتذليل العقبات وحل المشكلات من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وأبي سفيان ومعاوية وعمرو بن العاص وزياد والمغيرة، وتلك الطبقة الممتازة من أكابر التجار٢ في الجاهلية
стр. 110
وكبار أهل الحل والعقد في الإسلام.
ومتى رميت برجل ذي ذكاء ومواهب، في قطر تجاري كالشام أو العراق "قبل الإسلام" فاختلط بالتجار، وقاسى محيطا غير محيطه، تفتّحت تلك المواهب، وانجلت عن نبوغ كبير ما كان لينكشف لو جمد صاحبه في محيطه الضيق، بين شعاف مكة وبطاحها. إن شئت فانظر إلى هذا الاحتيال المضاعف الذي أتاه المغيرة بن شعبة وضحك به على كل خمّار في الحيرة "إن كان ليعجز عن أقل منه أقطاب فضائح "ستافسكي" رغم ما يجهزهم به العصر العشرون من وسائل وعدد".
ولعل في هذه القصة التي سأوردها لك بيانا شافيا لهذا الدهاء التجاري الذي تمرّست به قريش, وامتازت به من العرب قاطبة:
قال المغيرة بن شعبة:
"أول ما عرفني به العرب من الدهاء والحزم، أني كنت في ركب من قومي، في طريق لنا إلى الحيرة فقالوا لي: "قد اشتهينا الشراب, وما معنا إلا درهم زائف" فقلت: "هاتوه وهلموا زقين". فقالوا: "وما يكفيك لدرهم زائف زق واحد! " قلت: "أعطوني ما طلبت وخلاكم ذم" ففعلوا وهم يهزءون من قولي.
стр. 111
فصببت في أحد الزقين شيئا من ماء ثم جئت إلى خمّار فقلت له: "كِل لي ملء هذا الزق" فملأه. فأخرجت الدرهم الزائف فأعطيته إياه. فقال: "إن ثمن هذا الزق عشرون درهما جيادا، وهذا درهم زائف! " فقلت: "أنا رجل بدوي وظننت أن هذا يصلح كما ترى، فإن صلح وإلا فخذ شرابك". فاكتال مني ما كاله وبقي في زقي من الشراب بقدر ما كان فيه من الماء، فأفرغته في الزق الآخر وحملتهما على ظهري وخرجت، فصببت في الزق الأول ماء ودخلت إلى خمار آخر فقلت: "إني أريد ملء هذا الزق خمرا فانظر إلى ما معي منه، فإن كان عندك مثله فأعطني" فنظر إليه "وإنما أردت ألا يستريب بي إذا رددت الخمر عليه" فلما رآه قال: "عندي أجود منه" قلت: "هات" فأخرج إلي شرابا فاكتلته في الزق الذي فيه الماء ثم دفعت إليه الدرهم الزائف، فقال لي مثل قول صاحبه فقلت: "خذ خمرك" فأخذ ما كال لي وهو يرى أني خلطته بالشراب الذي أريته إياه. وخرجت فجعلته مع الخمر الأول.
ثم لم أزل أفعل ذلك بكل خمار في الحيرة حتى ملأت زقي الأول وبعض الآخر. ثم رجعت إلى أصحابي فوضعت الزقين بين أيديهم ورددت درهمهم.
стр. 112
فقالوا: "ويحك! أي شيء صنعت؟ " فحدثتهم فجعلوا يعجبون وشاع لي الذكر في العرب بالدهاء حتى اليوم"١.
هذا احتيال لا يخترعه إلا عقل تاجر ماهر، ملم بحرفته وأسرارها وبالغش وضروبه، أحسنته قريش وشركاؤها كما أحسنت ضربا آخر من اللباقة وحسن التأتي مع الدول المجاورة التي تاجروا في بلادها، فكانوا بهذه الكياسة، ينجون من عقاب المخالفات التي يرتكبونها وعواقب المغامرات التي يقتحمونها. ولما أرادت قريش أن تفتح لها أسواق فارس ولم تكن ترتادها كما ترتاد أسواق الشام، كان لا بد في سبيل الوصول إلى ذلك من مغامرات ومخاطرة وتعرض للأذى وكانت الحاجة تخلق لها مغامرين أذكياء منها أو من شركائها يصلون برفقهم ودهائهم إلى ما يريدون مع السلامة والغنيمة. ونحن ذاكرون لك هنا شاهدا، مهما يكن حظ التزيد فيه فإن ما يخلص منه بعد الامتحان صالح لأن يعطيك صورة صحيحة عن فطنة القوم في أمور التجارة والاحتيال لها والجرأة فيها:
ذكر الرواة أن أبا سفيان خرج في جماعة من قريش يريدون العراق بتجارة، فلما ساروا ثلاثا جمعهم أبو سفيان فقال لهم: "إنا من
стр. 113
مسيرنا هذا لعلى خطر، ما قدومنا على ملك جبار لم يأذن لنا في القدوم عليه، وليست بلاده لنا بمتجر؟ ولكن أيكم يذهب بالعير, فإن أصيب فنحن براء من دمه, وإن غنم فله نصف الربح؟ "
فقال غيلان بن سلمة: "دعوني إذًا فأنا لها". فدخل الوادي فجعل يطوفه ويضرب فروع الشجر ويقول:
ولو رآني أبو غيلان إذ حسرت ... عني الأمور إلى أمر له طبق
لقال رعب ورهب يجمعان معا ... حب الحياة وهول النفس والشفق
إما بقيت على مجد ومكرمة ... أو أسوة لك فيمن يهلك الورق
ثم خرج في العير، وكان أبيض طويلا جعدا ضخما, فلما قدم بلاد كسرى تخلّق ولبس ثوبين أصفرين وشهر أمره وجلس بباب كسرى حتى أذن له، فدخل عليه فخرج إليه الترجمان, وقال له: "يقول لك الملك: ما أدخلك بلادي بغير إذني؟ " فقال: "قل له: لست من أهل عداوة لك، ولا أتيتك جاسوسا لضد من أضدادك، إنما جئت بتجارة تستمتع بها، فإن أردتها فهي لك, وإن لم تردها وأذنت لي بذلك رددتها". فتكلم كسرى فلما سمع صوته غيلان سجد، فقال الترجمان: "يقول لك الملك: لم سجدت؟ " فقال: "سمعت صوتا عاليا حيث لا ينبغي لأحد أن يعلو صوته إجلالا للملك، فعلمت أنه لم يقدم على رفع
стр. 114
الصوت هناك غير الملك, فسجدت إعظاما له". فاستحسن كسرى ما فعل وأمر له بمرفقة توضع تحته، فلما أتي بها رأى عليها صورة الملك فوضعها على رأسه، فاستجهله كسرى واستحمقه وقال للترجمان: "قل له: إنما بعثنا بهذه لتجلس عليها" قال: "قد علمت، ولكني لما أتيت بها رأيت عليها صورة الملك، فلم يكن حق صورته على مثلي أن يجلس عليها، ولكن كان حقها التعظيم، فوضعتها على رأسي لأنه أشرف أعضائي وأكرمها علي". فاستحسن فعله جدا ثم قال له: "ألك ولد؟ " قال: "نعم" قال: "فأيهم أحب إليك؟ " قال: "الصغير حتى يكبر, والمريض حتى يبرأ, والغائب حتى يئوب" فقال كسرى: "زهْ، ما أدخلك علي ودلك على هذا القول والفعل إلا حظك، فهذا فعل الحكماء وكلامهم، وأنت من قوم جفاة لا حكمة فيهم، فما غذاؤك؟ " قال: "خبز البر" قال: "هذا العقل من البر, لا من اللبن والتمر". ثم اشترى منه التجارة بأضعاف ثمنها وكساه "وبعث معه من الفرس من بنى له أطما بالطائف, فكان أول أطم بني بها"١ فهذا نمط مما بلغ إليه القوم.
стр. 115
حتى الأجيال التي انقطعت عن التجارة من القرشيين كانت ألفاظ التجارة وحساباتها أسرع إلى أفكارهم وعلى ألسنتهم حين التعبير، فهذا إسماعيل بن علي بن العباس يقول لطلحة بن عمر بن عبد الله: "أنت أتجر الناس! " فيقول طلحة: "والله ما عالجت تجارة قط! " فيجيبه: "بلى حين تزوجت فاطمة بنت القاسم بأربعين ألفا فولدت لك إبراهيم ورملة، فزوجت رملة بمائة ألف دينار فربحت ستين ألفا وإبراهيم" في خبر طريف١.
مكانة قريش من العرب, وقيامها على الدين كلفاها مغارم كانت تؤديها عن طيب نفس، ويتعاون أفراد هذا الحي على الإنفاق في كل ما يعود على مكة والبيت وأهله بالفخر والتكرمة. ولنا على ذلك دليلان مشهوران هما خير ما يمثل لنا تضامن هذا الحي في المكارم، وما يتكلف من بذل وخدمة في سبيل تقوية منزلته من نفوس العرب, وفي سبيل تعظيم حرمة البيت وأهله وحفظ قدسيته في قلوب القبائل كافة:
стр. 116
أما الأول فالرفادة التي كانت من مناقب قريش خاصة، مما تفاخر به أحياء العرب قاطبة, وهي -كما ذكرنا في موضع آخر- "شيء تترافد به قريش في الجاهلية, تخرج فيما بينها مالا تشتري به للحاج طعاما وزبيبا" ولعل في هذا الأمر شيئا وراء إكرام حجاج البيت الحرام، وما إلى ذلك من أمور تتصل بشعائر وعقائد تمتّ إلى الدين، وهذا الشيء هو إغراء العرب بحج تلك الأسواق التجارية والإقبال عليها حتى تغصّ بالبائعين والشارين، فتأمن قريش على أرباحها وتكفل من ذلك رواج تجاراتها التي هي قوام أمورها في الحياة. فالغرض الحقيقي -فيما يبدو لي- تجاري أكثر منه دينيا. ولا يفسر ذلك أحسن تفسير إلا الحوادث التي رافقت البعثة، وما لاقى رسول الله ﷺ أول أمره من الألاقي والأذى. وما كانت قريش -وهي ما هي حصافة عقول- لتعمى عن نور الإسلام لولا أنها خافت على زعامتها التجارية والدينية أن يدكها الإسلام ويذهب ريحها، وإنما تسلطت قريش على نفوس العرب السذج بتلك الخرافات التي جعلت من أصنام الكعبة آلهة مقدسة لُفِّق حولها أباطيل وقصص اتخذت مع الزمن شكل العقائد، وجعلت من قريش قُوّاما على هذا الدين الذي دانته العرب في الجاهلية.
стр. 117
وأما الأمر الثاني فما كانت تتشارك فيه من كسوة الكعبة, جاء في "أخبار مكة للأزرقي ص١٧٤":
"إن الكعبة كانت تكسى في الجاهلية كسا شتى، كانت البدنة تجلل الحبرة والبرود والأكسية، وغير ذلك من عصب اليمن، وكان هذا يهدى للكعبة سوى جلال البدن، هدايا من كسا شتى: خز وحبرة وأنماط تعلق فتكسى فيه الكعبة ويجعل ما بقي في خزانة الكعبة. فإذا بلي منها شيء أخلف عليها مكانه ثوب آخر، ولا ينزع مما عليها شيء من ذلك، وكان يهدى إليها خلوق ومجمر، وكانت تطيب بذلك في بطنها ومن خارجها".
ويظهر أن الحرص على شرف هذه الكسوة كان بالغا، وكان مما تباهي به قريش سائر العرب حتى كان في الأفراد من اشرأبّ للاستئثار بهذه المكرمة وحده بلا شريك، ففي ص١٧٥ من الكتاب المذكور:
كانت قريش في الجاهلية ترافد في كسوة الكعبة, فيضربون ذلك على القبائل بقدر احتمالها من عهد قصي بن كلاب, حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة بن عمرو بن عبد الله بن مخزوم، وكان يختلف إلى اليمن يتجر بها، فأثرى في المال فقال لقريش:
"أنا أكسو وحدي الكعبة سنة، وجميع قريش سنة" فكان يفعل ذلك حتى مات؛ يأتي بالحبرة الجيدة من الجَنّد "إحدى قرى
стр. 118
اليمن ومن أسواق العرب" فيكسوها الكعبة, فسمته قريش "العدل"؛ لأنه عدل فعله بفعل قريش كلها، فسموه إلى اليوم العدل ويقال لولده: بنو العدل".
والحق أن الأمر لم يقتصر على هذه "المكارم الرسمية" من الرفادة وكسوة الكعبة وما إليهما، بل كان ذلك من أخلاق قريش الملازمة لهم في حلهم وترحالهم, فـ "لم يكن أحد يتزود مع قريش في سفر، وكانوا يطعمون كل من يصحبهم" وعرف ثلاثة نفر منهم لمبالغتهم في هذه الخصلة بـ "أزواد الركب" وهم: مسافر بن أبي عمرو بن أمية, وزمعة بن الأسود، وأبو أمية بن المغيرة١.
لم تنج قريش من ألسنة العرب، ولم تخل ممن نفس عليها مكانها أو حقد عليها استئثارها بالغنى من أفناء العرب الذين يقدمون مكة فيعانون من تجارتها عنتا وإرهاقا، عدا ما يسامون من الهزء أحيانا ومن أداء الربا المضاعف لهؤلاء. وكان اشتغال التجار بتجارتهم وانكبابهم على شئونها قد صرفهم بعض الصرف عن معالجة شئون الحرب كما يعالجها أمثالهم من غير التجار. ولاحظ ابن سلام أن الذي
стр. 119
قلل شعر قريش عدم اشتغالها بالحروب "فلم يكن بينهم ثائرة ولم يحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عمان وأهل الطائف"١, وعمان والطائف أيضا بلدان تجاريان. ولما أرادت أن تباهي الأنصار ولم يكن لها أيام ولا أشعار جعلت "تزيد في أشعارها"٢. عرف بعض العرب ذلك من أمرها, والبدو يحقرون التجارة بطبعهم ككل الأمم التي تعيش من الغزو والسلب, فصاروا يعيرونهم بها، وطارت لهم أشعار في ذلك؛ منها ما يحقر التجارة نفسها، ومنها ما يقصد إلى قريش مباشرة، وانظر إن شئت قول القائل يريد مكة:
ولا مرتع للعين أو متقنص ... ولكن تجرا والتجارة تحقر
وقول ابن الزبعرى:
ألهى قصيا عن المجد الأساطير ... ...............
............... ... وقولها: رحلت عير أتت عير
ومن هنا كانت استهانة بعض العرب بقريش وعدم الهيبة منها؛ لانكبابها على التجارة وشغلها عن الحروب من دون سائر العرب، عرف ذلك من أمرهم القاصي والداني. جاء في تاريخ الطبري عند كلامه على فتوح سعد بن أبي وقاص قائد الجيوش الإسلامية في العراق, ما يأتي:
стр. 120
سأل النعمان بن قبيصة الطائي، وكان على مرابطة كسرى, عن سعد بن أبي وقاص فقيل له: "رجل من قريش" فقال: "أما إذ كان قرشيا فليس بشيء، والله لأجاهدنه القتال، إنما قريش عبيد من غلب، والله ما يمنعون خفيرا ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير"١، إلا أنه لما عانى من شدة بأسهم ما عاناه علم أن في جلود أولئك التجار مغاوير حرب ومذاويد حق٢.
كان لهؤلاء القرشيين معارف في بلدان الشام واليمن وفارس, وكانت قريش تنظم وفودا تفد على ملوك النواحي, ونحن نعلم أن عمرو بن العاص كان يعرف مصر وغزة والشام تمام المعرفة ويعزى نجاحه في فتح مصر إلى عوامل منها إجادة معرفته بها. ولما كان أمام غزة دخل على حاكمها بصفة موفد وعرفه الحاكم وأمر حاجبه سرا بقتله لولا أن نبهه عربي نصراني كان يعرف عمرا في الجاهلية حين كان يتاجر والقصة مشهورة. وعرف من القرشيين تجار كبار ذوو أسفار بعيدة
стр. 121
كثيرة، فأبو سفيان كان "تاجرا يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى أرض العجم"١, ولعل أول عير طرقت بلاد فارس العير التي كان هو صاحبها، والتي دخل بها غيلان مخاطرا كما تقدم. ثم كانت له عودات إلى فارس، ودخل وافدا مرة على كسرى وأهدى إليه "خيلا وأدما, فقبل الخيل ورد الأدم" قال أبو سفيان: "أدخلت على كسرى فكأن وجهه وجهان من عظمه. فألقى إلي مخدة كانت عنده فقلت: وا جوعاه! هذه حظي من كسرى بن هرمز! " فخرجت من عنده, فما أمر على أحد من حشمه إلا أعظمها حتى دفعتها إلى خازن له, فأخذها وأعطاني ثمانمائة إناء من فضة وذهب"٢.
وكان يخرج إلى اليمن أيضا, ويتصل بطبقات أهلها وأحبار يهودها كما يتصل غيره, فيعلمون من الأخبار والسياسة ما لا يعلمه غيرهم، واقرأ في الأغاني كيف يشرح لك الحرب بين هرقل وفارس وكيف انتصر هرقل، وكيف خرج من حمص ليصلي ببيت المقدس شكرا لله. وهو حديث طويل مستوفى في كتب السيرة هو والحوار الذي دار بين هرقل وأبي سفيان في شأن بعثة النبي ﷺ . ولا بأس في أن أنقل هنا أول هذا الحديث؛ لعلاقته بموضوعنا, قال أبو سفيان:
"كنا قوما تجارا وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله ﷺ قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا. فلما كانت الهدنة "هدنة الحديبية"
стр. 122
بيننا وبين رسول الله ﷺ خرجت في نفر من قريش إلى الشام، وكان وجه متجرنا منه غزة, فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من الفرس ... إلخ"١.
واقرأ أيضا ما كان بينه وبين العباس وحبر من أحبار اليهود في متجرهم باليمن "الأغاني ٦/ ٣٤٩" فستعرف من كل ذلك أن هؤلاء التجار كانوا على اتصال بما كان يجري في زمنهم من أحداث سياسة، شديدو الاهتمام بذلك لما يعود على علائقهم بالبلدان وعلى تجاراتهم. وكانوا ينقلون إلى بلادهم بعض ما يجدون في متاجرهم الخارجية من طرف وغرائب، ولعلهم استفادوا من بعض الأنظمة الاجتماعية التي وجدوا عليها الروم أو فارس. بل ما يدرينا أن دار الندوة نفسها اقتباس مغير مصغر عن مجامع الروم الدينية والمدنية, فقد كانت مجلسا منظما "لتشاور قريش وعقد الألوية في حروبهم, ولا ينكح رجل من قريش إلا فيها, ولا يعقد لواء الحرب لهم ولا لغيرهم إلا فيها، ولا يعذر غلام إلا فيها٢, ولا تدرع جارية من
стр. 123
قريش إلا فيها, يشق عليها درعها ثم تدرع وينطلق بها إلى أهلها, ولا تخرج عير من قريش إلا منها، ولا يقدمون إلا نزلوا فيها". وهذا عبد الله بن جدعان أتى العرب بطعام لا عهد لهم به: وفد على كسرى فأطعمه الفالوذج, فسأل عن صنعه وحمل معه غلاما يحسن له عمله، فصار يطعم أهل مكة منه. وهو من سراة مكة وأجوادهم وأحد أغنيائهم الكبار و"وضع الموائد بالأبطح إلى باب المسجد, ثم نادى مناديه: ألا من أراد الفالوذج فليحضر، فحضر الناس"١. وقال فيه أمية بن أبي الصلت يصف طعامه هذا:
له داع بمكة مشمعلّ ... وآخر فوق دارته ينادي
إلى رُدُح من الشيزى ملاء ... لباب البر بلبك بالشهاد٢
стр. 124
وممن كان يواصل أسفاره في التجارة أبو طالب والعباس عما النبي ﷺ وقد أخرج أبو طالب ابن أخيه محمدا مرتين إلى الشام في تجارة: مرة وهو فتى لا تتجاوز سنه الخامسة عشرة, ومرة وهو شاب في سن الخامسة والعشرين.
وقد تجر أبو بكر إلى الشام, وتجر عمر إلى غزة وفيها استغنى في الجاهلية على ما قال ابن حوقل١، واستمر عمر مشتغلا بالتجارة في الإسلام وأسف على اشتغاله هذا؛ إذ حرم من علم كثير، وجهل في خلافته مسألة في الاستئذان, فلما رويت له عبر عن أسفه بقوله: "أخفي علي "هذا" من أمر رسول الله!! ألهاني الصفق بالأسواق!! " يعني: الخروج إلى التجارة٢.
وقل أن تجد قرشيا ذا شأن في الجاهلية والإسلام إلا كان
стр. 125
تاجرا١, واستفاض لهم غنى عريض وثروة واسعة حتى كثر منهم الأجواد وغزرت عطاياهم وقصدهم العفاة وأصحاب الحاجات, وكان من ذلك ما نقرؤه من أخبار جودهم الكثيرة في العقد الفريد والأغاني وغيرهما من الأمهات.
ولم تكن النساء القرشيات لتقصر عن الرجال في هذا المدى, بل كان منهن من اتسعت ثروتها من التجارة حتى فاقت كثيرا من الرجال. ولعل السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين خير مثال نقدمه على ذلك: فقد كانت من أكبر تجار قريش وأكثرهم مالا وأوفرهم غنى، وكانت في حسب ومقام رفيع في قومها، مع مزايا في أخلاقها طيبة. كانت تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم. ترسل بأموالها إلى الشام, وإلى عكاظ وحباشة وغيرهما من أسواق العرب, وكثيرا ما كانت ترجع هذه الأموال بربح وافر. وذكروا أن عير
стр. 126
خديجة كعامة عير قريش١. ولما بلغها عن محمد بن عبد الله ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه عرضت عليه أن يخرج إلى الشام، ولعل الحقيقة ما ذكره الزرقاني شارح المواهب من أن الرسول نفسه استشرف للسفر بمال خديجة, فقد ذكر:
"أن أبا طالب قال له: "يابن أخي, أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة, وليس لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة تبعث رجالا من قومك يتجرون في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها لفضّلتك على غيرك؛ لما يبلغها عنك من طهارتك" فقال محمد: "لعلها ترسل إلي في ذلك" فقال أبو طالب: "إني أخاف أن تولي غيرك" ".
وبلغ خديجة ما كان من محاورتهما, فقالت لمن بلغها: "ما علمت أنه يريد هذا". ثم أرسلت إليه وقالت له: "دعاني إلى البعثة إليك ما يبلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك" فذكر ذلك لعمه فقال: "إن هذا لرزق ساقه الله إليك" وكان عمره ﷺ في هذه الرحلة خمسا وعشرين سنة. "وخرج رسول الله إلى سوق بصرى فباع سلعته
стр. 127
التي أخرج واشترى غيرها, وقدم بها فربحت ضعف ما كانت تربح. .."١.
كانت قريش تنظم كل سنة عيرا بتجارة إلى الشام، وكانت هذه القوافل تزيد شأنا عاما فعاما.
ولما بلغ أذى قريش من المسلمين ما بلغ، حتى اضطر هؤلاء إلى الهجرة إلى الحبشة٢، ثم الهجرة الكبرى إلى المدينة٣، واعتز المسلمون وقووا ... كان أول أمر ينتصفون به لأنفسهم، ويحملون أعداءهم من قريش بسببه على الكف من كيدهم وأذاهم لمن في بلدهم من ضَعَفَة المسلمين، هو التعرض لتجارتهم, وإن جارينا مصطلح عصرنا قلنا: أن يضربوا على قريش حصارا اقتصاديا، لعلمهم أن ذلك أبعث على الرعب وأبلغ في النكاية بهم وأفتك ما تكون الحرب في العدو
стр. 128
حين توهى "اقتصادياته", فأرسل الرسول ﷺ سرية عليها عبد الله بن جحش أميرا؛ لتتعرض لعير قريش، وكانت راجعة من الشام فترصدوها بموضع بين مكة والطائف يعرف بنخلة، وكان في العير العلاء بن الحضرمي، فلما مرت بهم حملوا على من فيها واحتجزوا الأموال وكانت زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش. فقتل من حامية القافلة من قتل، وأسر من أسر, وقوى الله المسلمين بما غنموا من عدوهم الذي أخرجهم من ديارهم وأبنائهم، وبلغ الخبر قريشا فكانت الأذية منهم بالغة.
وكان السبب في استدراج المسلمين قريشا إلى المعركة الحاسمة بين الإسلام والشرك في بدر الكبرى تجاريا أيضا: فإن قريشا أقبلت لها عير من الشام عليها أبو سفيان في ثلاثين راكبا، وكان فيها معظم أموالهم، قدرها المؤرخون بخمسين ألف دينار، وقالوا: "لم يبق قرشي ولا قرشية له مثقال إلا بعث به في العير". وبلغ النبي ﷺ خبرها فتجهز ليتعرض لها، ولكن أبا سفيان أخذ على الساحل فنجا بها بعد أن أرسل إليهم نذيرا ضمضم بن عمرو الغفاري يستنفرهم إلى العير.
فجدع هذا أنف بعيره وحول رحله وشق قميصه من قبل ومن دبر وصرخ في أهل مكة: إن محمدا مع أصحابه قد عرض لعير قريش،
стр. 129
يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، ما أرى أن تدركوها، الغوث الغوث ...
فنهضوا وقالوا: "أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي، كلا والله، ليعلمن غير ذلك". وخرجوا ألفا بين فارس وراجل، كل من قدر على النهوض نهض ومن لم يستطع أرسل بماله وسلاحه من يقوم مقامه. وكان كل ذي خطر إما في العير مع أبي سفيان، وإما في النفير إلى بدر، وصاروا بعد ذلك إذا استصغروا أحدا قالوا: "لا في العير ولا في النفير" فأرسلوها مثلا في الناس.
ثم نجت العير، والتقى الجمعان في بدر الكبرى وكان من أمرهم ما يعلم الجميع. وقرر كبراء قريش أن ترصد أرباح العير للتجهيز لغزو محمد؛ ثأرا لقتلى بدر.
وطفق الرسول ﵊ يبث سراياه، وأشفقت قريش من ذلك؛ إذ تتعطل تجاراتهم إذا لم تكن الطريق آمنة، وطريقهم المسلوكة المعبدة هي الطريق المساحلة إلى الشام وإلى اليمن، وقد أصبحت غير مأمونة بعد أن صارت كتائب المسلمين تترصد قوافل التجارة المكية، وأشفق أيضا القبائل المقيمة على هذا الطريق حول المدينة إلى مكة؛ إذ بانقطاع هذا الطريق التجاري موت لهم. وأيا كان, فقد فكرت قريش
стр. 130
في تغيير الطريق وسلوك طريق نجد فالعراق؛ لبعده عن منطقة الحصار الذي ضربه المسلمون على تجارة مكة. وقد قال صفوان بن أمية يوما في أحد منتديات قريش: "إن محمدا وأصحابه قد عوّروا علينا متجرنا, فما ندري كيف نصنع بأصحابه وهم لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعوه ودخل عامتهم معه, فما ندري أين نسكن؟! وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء, وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء".
فأشير على قريش أن تسلك طريق العراق، فخرجت عيرهم مثقلة بالعروض والفضة، وبلغ أمرها النبي فأرسل زيد بن حارثة في سرية اعترضت العير عند "القردة" أحد مياه نجد, فغنم العير وأسر الدليل.
كان هذا الحصار الاقتصادي الذي أحكمه الرسول أهم الممهدات لفتح مكة فيما بعد؛ إذ أضعف من قوة قريش الاقتصادية. وإنما قريش بتجارتها وأموالها، فإذا فقدت مكانتها التجارية فقد هوى شأنها بين العرب؛ ولذلك عادت تفكر في رفع هذا الحصار عنها في محاولات لم تنته بالنجاح. ولعل أشد ما أحمى قريشا في موقفها من الرسول وصحبه في مفاوضات الحديبية خوفها أن تفقد مكة ما عرفت به من حرمة وأمن إذا اقتحمها عليهم محمد ﷺ عنوة، فلا تعود العرب تقصدها للتجارة
стр. 131
فتتعطل أسواقها وتخسر قريش أرباحها وثراءها. فلذلك حالوا بكل ما يستطيعون دون وقوع قتال ودون دخول المسلمين لها عامهم ذاك؛ إبقاء على مصالحهم التجارية والأدبية بين العرب.
وليس يصور لنا ذلك الغنى المستفيض إلا الأخبار التي أثرت عن كبار القرشيين في الجاهلية والإسلام، ولا بأس في ذكر عبد الله بن جدعان مثلا في ذلك:
فقد تقدم أنه كان يبسط الموائد في مكة يطعم الناس الفالوذج, وله جفنة عظيمة يأكل منها الفارس على فرسه، وفي الحديث: $"كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان صكة عمي"١. ورويت له أخبار أشبه بما يروى عن الملوك؛ فقد كان يتخذ القيان يغنينه ثم يهبهن لمادحه، وكان يقضي عن الناس ديونهم، وله شاعر هو أمية بن أبي الصلت، وكان يلقب بحاسي الذهب، وما أجد حاجة إلى التنبيه على بطلان خرافة الكنز التي ذكروها تعليلا لوجود كل هذا الغنى عنده، فليس من كسب له ولا لقومه سوى التجارة، وما عرفنا أن رمال الجزيرة مما تبطن الكنوز.
وأصحاب السير يقدمون لنا حسابا نستطيع أن نعتمد عليه هنا
стр. 132
في معرفة أرباحهم التجارية١ لنقدر نحن بعد ذلك الأمد الذي بلغوه في الثروة, قالوا: إن قريشا لما رجعوا من هزيمة بدر إلى مكة، وقد أصيب أصحاب القليب ورجع أبو سفيان بعيره "سالمة" مشى جماعة من أشراف قريش ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم يوم بدر فقالوا: "يا معشر قريش, إن محمدا وتركم وقتل خياركم, فأعينونا بهذا المال على حربه" يعنون: عير أبي سفيان ومن كانت له في تلك العير تجارة، والعير -كما تقدم من عادتهم- تنزل أول ما تنزل في دار الندوة حتى يتفق أصحابها على إخراجها للبيع، فائتمر القرشيون وشركاؤهم أن ينفقوا ربح هذه العير على تجهيز جيش يحاربون به محمدا ﷺ ، وكانت ألف بعير موقرة بما قيمته خمسون ألف دينار، وكانوا يربحون بكل دينار دينارا -على ما نقل الزرقاني- فيكون ما أُنفق على هذا الجيش خمسين ألف دينار أو -على رواية المقل- خمسة وعشرين ألف دينار. وهو على كل حال مبلغ ضخم جدا، وكان عدد من استأجرهم أبو سفيان
стр. 133
من الأحابيش فقط ألفين. وفي هذا الحادث نزل قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ ١.
وخليق بمن كانت أرباحهم بهذا المقدار أن يثروا في المدة الوجيزة الثراء الكبير. ونحن نعرف أن رسول الله ﷺ أخذ من العباس الفداء يوم بدر فكان مقداره عشرين أوقية من ذهب، وأن عثمان بن عفان وحده جهّز جيش العسرة "في غزوة تبوك" ألف بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ولما أقحط الناس أيام أبي بكر وأتت عير لعثمان خاصة جعلها جميعا في سبيل الله. ولما كانت الفتوحات زاد غناه بما لا يقدر, حتى إن ابن سعد صاحب الطبقات ليروي "٣/ ٥٣" أنه "كان له عند خازنه يوم قتل "٣٠.٥٠٠.٠٠٠" درهم و"١٥٠" ألف دينار, فانتهبت وذهبت, وترك ألف بعير بالربذة، وترك صدقات كان تصدق بها ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار".
وليس ما يروى في تقدير ثروة عبد الرحمن بن عوف بالقليل, فقد ذكر ابن سعد٢ عنه أنه: قدم المدينة فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: أخي, أنا أكثر
стр. 134
أهل المدينة مالا فانظر شطر مالي فخذه, وتحتي امرأتان فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها لك. فقال عبد الرحمن: "بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق ... " فاشترى وباع فربح, فجاء بشيء من أقط وسمن، ثم لبث ما شاء الله أن يلبث فجاء وعليه ردع "لطخ وأثر طيب" من زعفران, فقال له رسول الله ﷺ : "مهيم" فقال: "يا رسول الله تزوجت امرأة" قال: "فما أصدقتها"؟ قال: "وزن نواة من ذهب" قال: "أولم ولو بشاة" فقال عبد الرحمن: "فلقد رأيتني, ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا". وحسبك هذا دليلا على مهارتهم في الاتجار وخبرتهم بطرق الكسب.
أما تركته فكانت "ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس ترعى بالبقيع ... وكان فيما ترك ذهب قطع بالفئوس حتى مجلت أيدي الرجال منه. وترك أربع نسوة، فأُخرجت امرأة من ثُمُنها بثمانين ألفا١, وقد باع مرة أرضا له بأربعين ألف دينار، فتصدق بها كلها، وتصدق مرة بسبعمائة جمل بأحمالها قدمت من الشام، وأعان في سبيل الله بخمسمائة فرس عربية"٢ "وأوصى في السبيل بخمسين ألف دينار"٣.
стр. 135
"وكان الزبير بن العوام كثير المتاجر والأموال, قيل: كان له ألف مملوك يؤدون الخراج, فربما تصدق بذلك في مجلسه، وقد خلّف أملاكا بيعت بنحو أربعين ألف ألف درهم"١.
"وأرسل سعد بن أبي وقاص إلى مروان، بزكاة عين ماله خمسة آلاف درهم، وترك يوم مات "٢٥٠٠٠٠" درهم"٢. ومهما تسقط من هذه الأرقام مما تقدر أنهم كسبوه من غنائم الحرب فسيبقى لك بعد ذلك مقادير وأموال طائلة.
فهذا دون شك غنى واسع، ودنيا عريضة، وتوفيق عجيب أُتيح لهؤلاء التجار، وإن كلمة عبد الرحمن بن عوف: "لو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا" لتشرح لك مدى التوفيق التجاري الذي أحرزوه بما أتقنوا من هذه المهنة، وما تفننوا في أساليبها وطرقها.
وأظن هذا القدر كافيا في الدلالة على مبلغ اهتمام قريش بالتجارة حتى صاروا يعيّرون بذلك٣، حين جعلوها ديدنهم ومعاشهم
стр. 136
وهجيراهم في مجالسهم وأسمارهم، الكبير منهم والصغير والرجل والمرأة سواء، كلٌّ يسهم في العير بما يستطيع، وله من الربح على قدر ماله. كانوا يذهبون راحلين إلى اليمن أو إلى الشام أو إلى العراق, حتى جعلوا لأنفسهم محطات ومنازل خاصة بأصحابها على طول الطريق١، كل أسرة ترسل من أفرادها من استطاع، ولا يكادون يُعرفون في العرب بعمل غير التجارة وما إليها من معاملات٢.
стр. 137
ونختم هذا الفصل برأي لأحد سادات قريش في الجاهلية
стр. 138
والإسلام حكيم بن حزام, وكان واسع الغنى فاحش الثراء، تصدق
стр. 139
بعيره الخاصة غير مرة, وأعتق المئات من العبيد في عرفة، وتصدق بدور وأموال عظام، هذا الثري القرشي أحب أن يتصل لقريش هذا المجد التجاري، فلما شاور عمر الصحابة في فرض العطاء لقريش وافقوه إلا حكيم بن حزام فقال له: "يا أمير المؤمنين, إن قريشا أهل تجارة, ومتى فرضت لهم عطاء تركوا تجارتهم، فيأتي بعدك من يحبس عنهم العطاء فتكون قد خرجت من أيديهم"١.
стр. 140
ب- إيلاف قريش:
﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ, إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ, فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ, الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ .
إيلاف قريش "وإذا شئنا التعبير بلغة عصرنا قلنا: المعاهدات التجارية"١ مستفيض الشهرة في كتب السير والتاريخ والأدب.
стр. 141
وقد أخبر به القرآن الكريم, وهو أبرز حادث في تاريخ العرب التجاري قبيل الإسلام.
وفي تحديد معنى الإيلاف مذاهب، منها:
١- أنه الدأب, فسره بذلك ابن سعد صاحب الطبقات. ومنها:
٢- أنه ربح مخصوص جعله هاشم لرؤساء القبائل, فيحمل لهم متاعا مع متاعه ويسوق إليهم إبلا مع إبله، ليكفيهم مئونة الأسفار ويكفي قريشا الأعداء١. ومنها:
٣- أنه العهد وشبه الإجازة والخفارة٢, قاله صاحب القاموس.
стр. 142
ومن التفصيل الذي سنسوقه لك تعرف أن المعاني الثلاثة تجتمع في الإيلاف معا.
ذكر الثعالبي أن قريشا "كانت لا تتاجر إلا مع من ورد عليها مكة في المواسم وبذي المجاز وسوق عكاظ في الأشهر الحرم، لا تبرح دارها ولا تجاوز حرمها؛ للتحمس في دينهم والحب لحرمهم والإلف لبيتهم، ولقيامهم لجميع من دخل مكة بما يصلحهم. وكانوا بوادٍ غير ذي زرع, كما حكى الله عن إبراهيم حين قال:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ ١.
فكان أول من خرج إلى الشام ووفد إلى الملوك، وأبعد في السفر، ومر بالأعداء وأخذ منهم الإيلاف الذي ذكره الله، هاشم بن عبد مناف, وكانت له رحلتان: في الشتاء نحو العباهلة من ملوك اليمن ونحو اليكسوم من أرض الحبشة، ورحلة في الصيف نحو الشام وبلاد الروم.
وأبى رواة الأخبار إلا أن يجعلوا لهاتين الرحلتين بدءا يكون لهما كالسبب والعلة, فرووا عن ابن عباس:
стр. 143
"أن السبب في هاتين الرحلتين هو أن قريشا إذا أصاب واحدا منهم مخمصة، خرج وعياله إلى موضع، وضربوا على أنفسهم خباء حتى يموتوا، إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه وكان له ابن يقال له: أسد، وكان له تِرْب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه، فشكا إليه الضر والمجاعة. فدخل أسد على أمه يبكي، فأرسلت إلى أولئك بدقيق وشحم فعاشوا فيه أياما. ثم أتى ترب أسدا مرة أخرى وشكا إليه الجوع. فقام هاشم خطيبا في قريش فقال:
"إنكم أجدبتم جدبا تقلون فيه وتذلون, وأنتم أهل حرم الله وأشراف ولد آدم، والناس لكم تبع" قالوا: "نحن تبع لك, فليس عليك منا خلاف".
فجمع هاشم كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن, وفي الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم. فجاء الإسلام وهم على ذلك، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا ولا أعز من قريش. وهذا معنى قول شاعرهم فيهم:
والخالطون فقيرهم بغنيهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي"١.
стр. 144
وكان هاشم يأخذ الإيلاف من رؤساء القبائل ورؤساء العشائر لخصلتين: "إحداهما: أن ذؤبان العرب وصعاليك الأعراب وأصحاب الغارات وطلاب الطوائل كانوا لا يؤمنون على أهل الحرم ولا غيرهم، والخصلة الأخرى: أن أناسا من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة ولا للشهر الحرام قدرا كبني طيء وخثعم وقضاعة, وسائر العرب يحجون البيت ويدينون بالحرمة له ... فكان الإيلاف صلاحا للفريقين, إذ كان المقيم رابحا والمسافر محفوظا, فأخصبت قريش وأتاها خير الشام واليمن والحبشة, وحسنت حالها وطاب عيشها".
وقول الله: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ يعني: الضيق الذي كان فيه أهل مكة قبل أن يأخذ هاشم لهم الإيلاف، والخوف الذي كانوا عليه ممن يمرون به من القبائل والأعداء وهم مغتربون ومعهم الأموال, وهو قوله عز ذكره: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ ١ يعني: في تلك الأسفار ولم يرد ذلك وهم مقيمون في حرمهم وأمنهم؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ ٢ مع قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ٣ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ٤.
стр. 145
ويعلق عدد من المفسرين مطلع السورة "لإيلاف" بسورة الفيل التي قبلها ويكون تسلسل الكلام عندهم: "فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف" والمعنى: أنه أهلك أصحاب الفيل "الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك فيتهيبوهم زيادة تهيب ويحترموهم فضل احترام حتى ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم, فلا يجترئ عليهم أحد ولا يتعرض لهم، والناس غيرهم يتخطفون ويغار عليهم"١.
هذا, وقد عم مطرود الخزاعي بني عبد مناف بذكر الإيلاف؛ لأن جميعهم قد فعل ذلك فقال:
يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا حللت بآل عبد مناف
المنعمين إذا النجوم تغيرت ... والظاعنين لرحلة الإيلاف٢
سفرين سنهما له ولقومه ... سفر الشتاء وسفرة الأصياف