← История

История · id 9999

أسواق العرب في الجاهلية والإسلام

سعيد الأفغاني

Полный текст (499 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد أخبر به القرآن الكريم, وهو أبرز حادث في تاريخ العرب التجاري قبيل الإسلام. وفي تحديد معنى الإيلاف مذاهب، منها: ١- أنه الدأب, فسره بذلك ابن سعد صاحب الطبقات. ومنها: ٢- أنه ربح مخصوص جعله هاشم لرؤساء القبائل, فيحمل لهم متاعا مع متاعه ويسوق إليهم إبلا مع إبله، ليكفيهم مئونة الأسفار ويكفي قريشا الأعداء١. ومنها: ٣- أنه العهد وشبه الإجازة والخفارة٢, قاله صاحب القاموس.

стр. 142

ومن التفصيل الذي سنسوقه لك تعرف أن المعاني الثلاثة تجتمع في الإيلاف معا. ذكر الثعالبي أن قريشا "كانت لا تتاجر إلا مع من ورد عليها مكة في المواسم وبذي المجاز وسوق عكاظ في الأشهر الحرم، لا تبرح دارها ولا تجاوز حرمها؛ للتحمس في دينهم والحب لحرمهم والإلف لبيتهم، ولقيامهم لجميع من دخل مكة بما يصلحهم. وكانوا بوادٍ غير ذي زرع, كما حكى الله عن إبراهيم حين قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ ١. فكان أول من خرج إلى الشام ووفد إلى الملوك، وأبعد في السفر، ومر بالأعداء وأخذ منهم الإيلاف الذي ذكره الله، هاشم بن عبد مناف, وكانت له رحلتان: في الشتاء نحو العباهلة من ملوك اليمن ونحو اليكسوم من أرض الحبشة، ورحلة في الصيف نحو الشام وبلاد الروم. وأبى رواة الأخبار إلا أن يجعلوا لهاتين الرحلتين بدءا يكون لهما كالسبب والعلة, فرووا عن ابن عباس:

стр. 143

"أن السبب في هاتين الرحلتين هو أن قريشا إذا أصاب واحدا منهم مخمصة، خرج وعياله إلى موضع، وضربوا على أنفسهم خباء حتى يموتوا، إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه وكان له ابن يقال له: أسد، وكان له تِرْب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه، فشكا إليه الضر والمجاعة. فدخل أسد على أمه يبكي، فأرسلت إلى أولئك بدقيق وشحم فعاشوا فيه أياما. ثم أتى ترب أسدا مرة أخرى وشكا إليه الجوع. فقام هاشم خطيبا في قريش فقال: "إنكم أجدبتم جدبا تقلون فيه وتذلون, وأنتم أهل حرم الله وأشراف ولد آدم، والناس لكم تبع" قالوا: "نحن تبع لك, فليس عليك منا خلاف". فجمع هاشم كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن, وفي الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم. فجاء الإسلام وهم على ذلك، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا ولا أعز من قريش. وهذا معنى قول شاعرهم فيهم: والخالطون فقيرهم بغنيهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي"١.

стр. 144

وكان هاشم يأخذ الإيلاف من رؤساء القبائل ورؤساء العشائر لخصلتين: "إحداهما: أن ذؤبان العرب وصعاليك الأعراب وأصحاب الغارات وطلاب الطوائل كانوا لا يؤمنون على أهل الحرم ولا غيرهم، والخصلة الأخرى: أن أناسا من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة ولا للشهر الحرام قدرا كبني طيء وخثعم وقضاعة, وسائر العرب يحجون البيت ويدينون بالحرمة له ... فكان الإيلاف صلاحا للفريقين, إذ كان المقيم رابحا والمسافر محفوظا, فأخصبت قريش وأتاها خير الشام واليمن والحبشة, وحسنت حالها وطاب عيشها". وقول الله: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ يعني: الضيق الذي كان فيه أهل مكة قبل أن يأخذ هاشم لهم الإيلاف، والخوف الذي كانوا عليه ممن يمرون به من القبائل والأعداء وهم مغتربون ومعهم الأموال, وهو قوله عز ذكره: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ ١ يعني: في تلك الأسفار ولم يرد ذلك وهم مقيمون في حرمهم وأمنهم؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ ٢ مع قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ٣ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ٤.

стр. 145

ويعلق عدد من المفسرين مطلع السورة "لإيلاف" بسورة الفيل التي قبلها ويكون تسلسل الكلام عندهم: "فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف" والمعنى: أنه أهلك أصحاب الفيل "الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك فيتهيبوهم زيادة تهيب ويحترموهم فضل احترام حتى ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم, فلا يجترئ عليهم أحد ولا يتعرض لهم، والناس غيرهم يتخطفون ويغار عليهم"١. هذا, وقد عم مطرود الخزاعي بني عبد مناف بذكر الإيلاف؛ لأن جميعهم قد فعل ذلك فقال: يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا حللت بآل عبد مناف المنعمين إذا النجوم تغيرت ... والظاعنين لرحلة الإيلاف٢ سفرين سنهما له ولقومه ... سفر الشتاء وسفرة الأصياف

стр. 146

ومر بك تعداد الكميت مآثر أجداد هشام بن عبد الملك, فذكر منها الإيلاف ص٩٧. وفي اختصاص قريش بالإيلاف دون غيرهم من العرب, قال الشاعر وهو يردّ على بني أسد ما يدّعونه من قرابة قريش: زعمتم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف أولئك أومنوا خوفا وجوعا ... وقد جاعت بنو أسد وخافوا ا. هـ وهناك قول بتفسير الإيلاف غير صحيح جاء في شرح ابن أبي الحديد, وهو قوله: "إن هاشما جعل على رؤساء القبائل ضرائب يؤدونها إليه ليحمي بها مكة" والأمر على العكس, فالمستفيد من الإيلاف مادة هم رؤساء القبائل، ومكة لم يؤثر أن اعتدى على حرمتها أحد من العرب فبلغ منها. وقد آن أن نذكر الإيلافات أو المعاهدات التجارية التي عقدها هاشم وإخوته: المطلب وعبد شمس ونوفل مع العرب والروم والحبشة وفارس، فأخرجوا بذلك تجارة قريش من طابعها المحلي وأفقها المحصور إلى الآفاق الأجنبية، فصارت لقريش العلائق الخارجية مع الدول المعروفة حينئذ, وأثرت هذه العلاقات في حالاتها الاجتماعية تأثيرا بعيدا نحن متعرضون له بعد قليل.

стр. 147

ومتى عرفنا ما أسدى أولاد عبد مناف لقريش وللعرب من أيادٍ تبيّنّا مدى الصدق في قولة ابن عباس: "والله, لقد علمت قريش أن أول من أخذ الإيلاف وأجاز لهم العير لهاشم، والله ما شدت قريش رحلا ولا حبلا بسفر ولا أناخت بعيرا لحضر إلا بهاشم". ونحن فيما سنعرض عليك من حديث، عيال على القالي الذي انفرد دون غيره من أصحاب الأمهات بتفصيل تلك الأحلاف، ولا بد من تنبيهك إلى أن العرب كثيرا ما تسمي عامل الشام قيصر وهو المراد في حديث القالي، ولعل عامل أنقرة هو المراد أيضا من قيصر أنقرة فيما روى ابن سعد في طبقاته, إذ قال: "كان اسم هاشم عمرا وكان صاحب إيلاف قريش. وإيلاف قريش: دأب قريش، وكان أول من سنّ الرحلتين لقريش، ترحل إحداهما في الشتاء إلى اليمن وإلى الحبشة إلى النجاشي فيكرمه ويحبونه، ورحلته في الصيف إلى الشام إلى غزة, وربما بلغ "أنقرة" فيدخل على قيصر فيكرمه ويحبوه"١. ولا ينبغي أن تستغرب ما تقرأ في رواية القالي من اهتمام قيصر

стр. 148

بهاشم, فإن الروم كانوا يهتمون بمن ينزل أرضهم من العرب الغرباء وليس من المعقول أن يكون أمرهم هملا, فالغالب أن هناك موظفين وعيونا من العرب أو ممن يعرفون العربية يوافون العامل بأخبار الطراء والتجار الأجانب, قال أبو علي القالي١: "كانت قريش تجارا، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة، إنما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم ثم يتبايعونها بينهم ويبيعونها على من حولهم من العرب، فكانوا كذلك حتى: ١- ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام فنزل بقيصر, فكان يذبح كل يوم شاة ويصنع جفنة ثريد ويجمع من حوله فيأكلون, وكان هاشم من أجمل الناس وأتمهم، فذكر ذلك لقيصر فقيل له: "ههنا رجل من قريش يهشم الخبز ثم يصب عليه المرق ويفرغ عليه اللحم" وإنما كانت العجم تصب المرق في الصحاف ثم تأتدم بالخبز. فدعا به قيصر، فلما رآه وكلمه أعجب به، فكان يبعث إليه في كل يوم فيدخل عليه ويحادثه. فلما رأى نفسه تمكن عنده قال له: "أيها الملك, إن قومي تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتابا تؤمن تجارتهم فيقدموا عليك بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه فتباع عندكم فهو

стр. 149

أرخص عليكم" فكتب له كتاب أمان لمن يقدم منهم. فأقبل هاشم بذلك الكتاب، فجعل كلما مر بحي من أحياء العرب أخذ من أشرافهم إيلافا -والإيلاف: أن يأمنوا عندهم في أرضهم بغير حلف، وإنما هو أمان الطريق- على أن قريشا تحمل إليهم بضائع فيكفونهم حملانها, ويؤدون إليهم رءوس أموالهم وربحهم، فأصلح هاشم ذلك الإيلاف بينهم وبين أهل الشام حتى قدم مكة فأتاهم بأعظم شيء أتوا به بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج هاشم معهم يجوزهم ويوفيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب حتى أوردهم الشام وأحلهم قراها, ومات في ذلك السفر بغزة. ب- وخرج المطلب بن عبد مناف إلى اليمن فأخذ من ملوكهم عهدا لمن تجر إليهم من قريش، وأخذ الإيلاف كفعل هاشم. وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف وكان يسمى الفيض, وهلك بردمان من اليمن. ج- وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى الحبشة، فأخذ إيلافا كفعل هاشم والمطلب, وهلك عبد شمس بمكة فقبره بالحجون. د- وخرج نوفل بن عبد مناف وكان أصغر ولد أبيه, فأخذ عهدا من كسرى لتجار قريش وإيلافا ممن مر به من العرب. ثم قدم

стр. 150

مكة ورجع إلى العراق فمات بسلمان. واتسعت قريش في التجارة في الجاهلية وكثرت أموالها. فبنو عبد مناف أعظم قريش على قريش منة في الجاهلية والإسلام" ا. هـ. يمتاز هذا الخبر مما تقدمه بالدقة, فقد عرفنا أن صاحب القاموس ومحمد بن حبيب فسرا الإيلاف بالعهد. وما يتبادر إلى الذهن من ذلك حقوق متقابلة وحلف دائم, فقصر الإيلاف هنا على أمان الطريق فقط. وخرجنا من رواية القالي بأربع معاهدات تجارية، إلا أن الفكر ليستشرف لمعرفة نصوص هذه المعاهدات ويتوقع تفصيلا أكثر. أما الكتاب الذي أشار القالي إلى أن قيصر كتبه لهاشم فإنا لم نجد له ذكرا بعد موت هاشم، فيما بين أيدينا من المصادر. وهو -إن صح وقوعه- من الخطر بمكان، بل هو مما يجب أن يعضّ عليه بنو هاشم بالنواجذ, ففيه لهم فخر كبير وهم الحريصون على قيد كل صغيرة وكبيرة مما يدخل في باب المفاخرة, فمن العجيب سكوت الأخباريين عن ذكره في المناسبات التي كثيرا ما تعرض. وهؤلاء "هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل" هم أصحاب الإيلاف "الذين رفع الله بهم قريشا ونعش فقراءها ... وكل كان رئيس من يخرج معه ممن يتجر في وجهه ... فهؤلاء سادة قريش

стр. 151

وناعشوهم"١. لقد انتقلت أحوال قريش التجارية بهاشم وإخوته من طور إلى طور، فبعد أن كانت قاصرة على مكة يقدم عليهم فيها التجار الأعاجم فيشترون منهم سلعهم، خلصوا من تحكم الأجانب ومارسوا هم أنفسهم التجارة الخارجية بعد أن أمنوا الطريق, وعقدوا المحالفات فعظمت ثرواتهم وفاض غناهم, وأصبح معظم اتجار الجزيرة مع الأمم المجاورة حكرة لهم، وقد اعترفت قريش لأولاد عبد مناف بفضلهم وجميل صنيعهم لقومهم فسموهم "المجبرين"٢, إذ بهؤلاء النفر الأربعة جبرت قريش وتبحبحت في الخير والغنى والمقام. ويزيد ابن سعد في طبقاته، فيذكر لنا شيئا مما في عهد قيصر، ويذكر أيضا كتابا آخر أرسله قيصر إلى النجاشي يوصيه بهم ولم يشر إلى شيء من مضمون هذا الكتاب, قال٣: "كان هاشم رجلا شريفا, وهو الذي أخذ الحلف لقريش من قيصر لأن تختلف آمنة. وأما من على الطريق "يعني قوافل العرب" فألفهم على أن تحمل قريش بضائعهم ولا كراء على أهل الطريق. فكتب له قيصر كتابا وكتب إلى النجاشي أن يدخل قريشا أرضه".

стр. 152

وفي شرح نهج البلاغة "٣/ ٤٥٨" أن هاشما سأل قيصر أن يأذن لقريش في القدوم عليه بالمتاجر وأن يكتب لهم كتب الأمان فيما بينهم وبينه, ففعل. والغموض الذي في الرواية المتقدمة يكتنف هذه أيضا, فليس فيها صيغة هذا الأمان ولا شروطه. ومهما يكن من شيء, فإلى هؤلاء الإخوة الأربعة يرجع الفضل كله في تثمير تجارة قريش١, وبنائها على أسس قوية حتى اتسعت فصارت شبه دولية بعد أن كانت موضعية لا تعدو الأسواق القريبة من مكة. فهم في الحقيقة أبطال قريش ورجالاتها في الاقتصاد, وهم دعائمها التجارية التي قامت تلك الثروة العريضة بمساعيهم وكفاياتهم، وليس بقليل أن تفتح أربع ممالك أسواقها لقوافل قريش وتجاراتها. وما أنا إلى الغلو إذا زعمت أن فضل هذه الأحلاف امتد حتى زمن الإسلام، وأن المسلمين الأولين ما اختِيرت لهم الحبشة مهاجرا إلا لاعتيادهم الرحلة إليها متاجرين، وإلا لمعرفتهم بها وبأهلها لكثرة ارتيادهم

стр. 153

إياها وحمدهم مقامهم فيها, وحسن ما يلقون من معاملة طيبة. في الخبر بعد، إشارة إلى كرم هاشم وكثرة إنفاقه على إخوانه، وأن أفعاله نمّت على أصله وسيادته وشرفه، كما فيه تصريح بأسلوب الروم وأسلوب العرب في أكل اللحم والمرق, وكيف عجب الروم من الثريد لأنه طراز لم يألفوه. ذكروا أن اللام في قوله تعالى أول السورة: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ للتعجب, فالمعنى: اعجبوا لإيلاف قريش، وآخرون علقوها ومجرورها بالفعل فقالوا: إن المعنى: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم١. فجعلوا الفاء في الفعل زائدة لتحسين اللفظ, وتقوية المعنى كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ وجعلوا "إيلاف" الثانية توكيدا للأولى. وقد امتنّ الله عليهم بإيمان خوفهم من الغارات والحروب والقتال, وغير ذلك من الأمور التي يخافها كل عربي غيرهم, حتى إن الرجل منهم ليصاب في حي من أحياء العرب, فإذا قال: أنا حرمي "أي: من أهل الحرم" أطلقوه, وكفوا عن ماله إكراما له. وقد أمّن الله أهل مكة من خوف آخر هو جيش أبرهة أصحاب

стр. 154

الفيل حين ردهم الله عن مكة, والبيت بعد أن اعتصم أهلها بالشعاف والهضاب. ومنّ عليهم حين أنقذهم من جوع السنين التي أصابهم قحطها من قبل. فذكر ابن عباس وعكرمة١ أن الله أمرهم في هذه السورة بالإقامة بمكة لعبادة رب هذا البيت؛ إذ كفاهم مئونة رحلتيهم بعد أن كانوا لا يكادون يرتاحون في صيف ولا شتاء. لخص صاحب القاموس ما تقدم حين عرض لتفسير الإيلاف, فقال: "والإيلاف في التنزيل "العهد" وشبه الإجازة بالخفارة وأول من أخذه هاشم من ملك الشام، وتأويله أنهم كانوا سكان الحرم، آمنين في امتيارهم وتنقلاتهم شتاء وصيفا والناس يُتَخَطَّفون من حولهم, فإذا عرض لهم عارض قالوا: "نحن أهل حرم الله" فلا يتعرض لهم أحد ... وكان هاشم يؤالف إلى الشام، وعبد شمس إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار بحبال "عهود" هؤلاء الإخوة، فلا يتعرض لهم. وكان كل أخ منهم أخذ حبلا من ملك ناحية سفره؛ أمانا له".

стр. 155

ج- حرب الفجار: أفردت هذا البحث وإن كان حقه أن يذكر في أحداث سوق عكاظ؛ لخطره وبعد أثره, ولأن هذا الفجار كان في حقيقته نزاعا على النفوذ التجاري والأدبي، بين قريش وأحلافها وبين هوازن القبيلة المعروفة بعددها وبطشها. وقعت هذه الحرب وكان بودّ قريش ألا تقع؛ لميلها إلى السلم الضروري لتجارتها وكانت تجنح إلى السلم في كثير من أمورها, وخاصة مع قبيلة هوازن التي لها القوة والمنعة حول عكاظ. فإن قريشا ترهب جانبها وتجتنب ما يعكر الصفو بينها وبين هوازن؛ حرصا على سلامة الموسم وعلى تجاراتها فيه. يدلنا على ذلك أن عبد الله بن جدعان كان طرد مائة ناقة لكلاب بن ربيعة, فأرسل كلاب إلى قريش: "إن سفيهكم أغار عليّ وطرد لي مائة ناقة، فليس لكم أن تشهدوا عكاظ ولي عليكم ترة". وكانت عكاظ في وسط أرض قيس بن عيلان. قال ابن جدعان: "وإن قريشا ائتمرت بقتلي؛ لئلا أجني عليهم الجرائر فيطلبون بسببي

стр. 156

وهم تجار, لا يستغون عن بلد"١. وهذا صريح في إشفاق قريش من كل ما يعكر أمن تجارتها وقد أذعنت للتهديد حتى كادت تسلم أحد أفرادها، وهو شيء لا تسمح به العرب أبدا حتى تفنى عن آخرها. وبهذا عرفوا، وما كانت قريش لتخرج على ذلك لولا الضرورة الملحة, ولولا أنها تهدد موردها الوحيد وهو التجارة. أيام الفجار أربعة. وإنما نريد هنا الكلام على الفجار الآخر أي: الرابع؛ لأنه هو الذي أدى إلى الحروب، وهو الذي كان سببه التزاحم على الكسب والتجارة, أما بقية الأيام فستمر بها عند الكلام على عكاظ. وقد سميت بالفجار؛ لأنها وقعت في الأشهر الحرم وهي الشهور التي تعظمها العرب وتحرم فيها القتل والقتال فيما بينها. فلما خرج المتحاربون فيها على شريعة العرب كانوا فاجرين٢ بذلك, وأيامها خمسة تفرقت على أربع سنين. وها نحن أولاء نأتي عليها بالتفصيل الممكن, معتمدين فيه على الأغاني وبلوغ الأرب, وعلى العقد الفريد خاصة.

стр. 157

سنتها: من الصعب تعيين سنة هذه الحروب؛ لما ورد فيها من تضارب الروايات، فقد أجمعت المصادر على أن رسول الله ﷺ حضرها بنفسه، ثم افترقت فرقتين: فابن هشام ومن تابعه يجعلون سن الرسول لما حضرها أربع عشرة سنة، ومنهم صاحب العقد الفريد الذي يروي في ذلك حديثا هذا نصه: "كنت أنبل على أعمامي يوم الفجار, وأنا ابن أربع عشرة سنة". وابن إسحاق ومن تابعه -ومنهم: صاحب القاموس والأصفهاني وابن سعد- جعل سنه حينئذ عشرين سنة. وهناك غموض آخر اشترك فيه الفريقان معا, وهو أن أيام الفجار الآخر تفرقت على أربع سنين، ففي أيتهن كان عمره أربع عشرة أو عشرين؟ وأنا لم أهتد بعد إلى الحق الذي لا حق غيره في هذه الروايات. ونبله ﷺ على أعمامه فسر بوجهين: أما صاحب العقد الفريد فقال: أنبل بمعنى: أناولهم النبل وهو خلاف ما ذهب إليه ابن هشام في سيرته من أن معناه أنه كان يرد عنهم نبل عدوهم. إلا أن تعدية الفعل بـ "على" ترجح التفسير الأول, فقد جاء في القاموس: نبل عليه: لقط له النبل, وروى الحديث "في مادة فجر" -وكذلك رواه ابن سعد- على هذه الصيغة: "كنت أنبل على عمومتي يوم الفجار، ورميت فيه بأسهم، وما أحب

стр. 158

أني لم أكن فعلت". فإن يكن رسول الله ﷺ قد حضر الأيام جميعها وكانت سنه أول ما هاجت خمس عشرة سنة -على إحدى روايتي ابن هشام- أمكن التوفيق بين الروايات على وجه التقريب, فتكون الحرب قد وضعت أوزارها وقد أشرفت سنه على العشرين. فكان يلتقط السهام في أولها ويرمي بنفسه في آخرها. فعلى الرواية الأولى تكون الحرب قد وقعت قبل البعثة بخمسة وعشرين عاما وتوافق سنة "٥٨٥" للميلاد المسيحي. سبب الحرب: من عادة النعمان بن المنذر ملك الحيرة أنه يرسل كل عام إلى سوق عكاظ لطيمة "وهي: الجمال تحمل المسك والطيب" بجوار رجل شريف من أشراف العرب، يحميها له حتى تصل إلى السوق, فتباع فيها ويشترى له بثمنها أدم من أدم الطائف. ولا يقوم عادة بعبء حمايتها إلا رجل منيع، لقومه عدد وعزة. وكان الذي يجيرها في الغالب سيد مضر١. فلما جهز النعمان اللطيمة لهذا العام "٥٨٥م" قال: "من يجيرها؟ "

стр. 159

وكان بحضرته أناس من أشراف القبائل، فانبرى له البراض بن قيس الضمري وكان فتاكا يضرب بفتكه المثل فقال: "أنا أجيرها على بني كنانة" فقال النعمان: "ما أريد إلا رجلا يجيرها على أهل نجد وتهامة" فقام عروة الرحّال أحد أشراف هوازن وكبرائهم فقال: "أكلب خليع يجيرها لك؟ أبيت اللعن، أنا أجيرها لك على أهل الشيح والقيصوم" يريد عامة العرب, فحقدها عليه البراض وقال: "أعلى بني كنانة تجيرها يا عروة؟ " قال: "نعم وعلى الناس كلهم" فحمي البراض إذ عدها استهانة به واستخفافا بقومه، وأضمرها في نفسه غدرة شنعاء. دفع النعمان اللطيمة إلى عروة فخرج بها, فتبعه البراض وعروة يرى مكانه ولا يخشى منه شيئا لأنه منيع بين قومه من غطفان، حتى إذا بلغوا "فدك" نزل عروة في أرض يقال لها: "أوارة" فشرب الخمر وغنته قينة ثم قام فنام. اغتنم الفرصة البراض، وانسلّ إليه في خبائه، فلما رآه عروة ناشده واعتذر إليه وقال: "كانت مني زلة" فلم يفد الاعتذار شيئا ولم يخفف مما يضطرم في صدر البراض من الحقد، فانقض على عروة فقتله وخرج يرتجز ويقول:

стр. 160

قد كانت الفعلة مني ضلة هلا على غيري جعلت الزلة فسوف أعلو بالحسام القلة ثم أنشد: وداهية يهال الناس منها ... شددت لها بني بكر ضلوعي قدمت بها بيوت بني كلاب ... وأرضعت الموالي بالضروع جمعت له يدي بنصل سيف ... فخرّ يميد كالجذع الصريع١ واستاق اللطيمة إلى خيبر، وبعث رسولا مستعجلا إلى حرب بن أمية يخبره أنه قتل عروة فليحذر قيسا٢، فتبعه رجلان من غطفان يريدان قتله، فكان هو أول من لقيهما فعرف ما قصدا إليه فنوى التعجيل بهما فقال لهما: "من الرجلان؟ " قالا: "من غطفان وغني" قال البراض: "ما شأن غطفان وغني بهذه البلدة؟ " قالا: "ومن أنت؟ " قال: "من أهل خيبر" قالا: "ألك علم بالبراض؟ " قال: "دخل علينا طريدا خليعا فلم يئوه أحد بخيبر, ولا أدخله بيتا" قالا: "فأين

стр. 161

يكون؟ " قال: "فهل لكما به طاقة إن دللتكما عليه؟ " قالا: "نعم" قال: "فانزلا" فنزلا فعقلا راحلتيهما. قال البراض: "فأيكما أجرأ عليه وأمضى مقدما وأحدّ سيفا؟ " قال الغطفاني: "أنا" قال: "فانطلق أدلك عليه ويحفظ صاحبك راحلتيكما" ففعل. وانطلق البراض يمشي بين يدي الغطفاني حتى انتهى إلى خربة في جانب خيبر، خارجة عن البيوت فقال البراض: "هو في هذه الخربة وإليها يأوي, فأنظرني حتى أنظر: أثم هو أم لا؟ " فوقف له الرجل ودخل البراض ثم خرج إليه وقال: "هو نائم في البيت الأقصى خلف هذا الجدار عن يمينك إذا دخلت, فهل عندك سيف فيه صرامة؟ " قال: "نعم" قال: "أرني سيفك أنظر إليه أصارم هو؟ " فأعطاه إياه، فهزه البراض ثم ضربه به فقتله, ووضع السيف خلف الباب. وأقبل على الغنوي فقال: "ما وراءك؟ " قال البراض: "لم أر أجبن من صاحبك، تركته قائما في الباب الذي فيه الرجل -والرجل نائم- لا يتقدم إليه ولا يتأخر عنه" قال الغنوي: "يا لهفاه! لو كان أحد ينظر راحلتينا" قال البراض: "هما علي إن ذهبتا" فانطلق الغنوي والبراض خلفه حتى إذا جاوز الغنوي باب الخربة, أخذ البراض السيف من خلف الباب ثم ضربه به حتى قتله. وأخذ سلاحيهما

стр. 162

وراحلتيهما ثم انطلق. يوم نخلة: بلغ قريشا خبر البراض وقتله عروة, وفزعوا أن تعلم بذلك هوازن فتدهمهم وكانوا في عكاظ في الشهر الحرام, فخلصوا نجيا "واتفق رأيهم أن يخاطبوا عامر بن مالك سيد قيس بذلك, فأتوه وأخبروه فأجاز مالك بين الناس, وأعلم قومه ما قيل له, وأوشكوا أن يصطلحوا". لكن فريقا منهم خافوا أن يكون قومهم بمكة في ضيق, فانسلوا من عكاظ وهوازن لا تشعر بهم, وتوجهوا نحو مكة رجاء أن ينصروا إخوانهم إن كان حزبهم أمر. وكان من عادة العرب إذا وفدت على عكاظ أن تدفع أسلحتها إلى عبد الله بن جدعان، وكان هذا سيدا حكيما مثريا من المال، فتبقى عنده أسلحة الناس حتى يفرغوا من أسواقهم وحجهم فيردها عليهم إذا ظعنوا. فلما كان من أمر البراض ما كان, قال حرب بن أمية لابن جدعان: "احتبس قِبَلك سلاح هوازن" فقال عبد الله: "أبالغدر تأمرني يا حرب؟ فوالله لو أعلم أنه لا يبقى فيها سيف إلا ضربت به ولا رمح إلا طعنت به ما أمسكت منها شيئا. ولكن لكم مائة درع ومائة رمح ومائة سيف تستعينون بها" ثم صاح ابن جدعان

стр. 163

في الناس: "من كان له قِبَلي سلاح, فليأت وليأخذه" فأخذ الناس أسلحتهم. وبعث ابن جدعان وحرب بن أمية وهشام والوليد ابنا المغيرة إلى أبي براء سيد قيس: "إنه قد كان بعد خروجنا حرب, وقد خفنا تفاقم الأمر فلا تنكروا خروجنا" وساروا راجعين إلى مكة١. فلما كان آخر النهار بلغ أبا البراء قتل البراض عروة, فقال: "خدعني حرب وابن جدعان" وركب فيمن حضر عكاظ من هوازن في إثر القوم, فأدركوهم في نخلة قبيل الحرم, فناوشوهم شيئا من القتال يسيرا حتى جاء الليل ودخلت قريش الحرم فأمسكت هوازن عنهم ونادوهم: "يا معشر قريش! إنا نعاهد الله ألا نبطل دم عروة الرحال أبدا أو نقتل به عظيما منكم، وميعادنا وإياكم هذه الليالي من العام المقبل". ونادى رجل من بني عامر: لقد وعدنا قريشا وهي كارهة ... بأن تجيء إلى ضرب رعابيل٢ فقال حرب بن أمية لأبي سفيان ابنه: قل لهم: "إن موعدكم قابل في هذا اليوم". وتعرف هذه الوقعة بيوم نخلة, وقد تعطلت السوق فلم تقم تلك

стр. 164

السنة, فقال خداش بن زهير يذكر قريشا بها ويعيرهم، وكانت العرب تسمي قريشا "سخينة" لأكلها السخينة, وهي طعام رقيق يتخذ من دقيق: يا شدة ما شددنا غير كاذبة ... على "سخينة" لولا الليل والحرم إذ يتقينا هشام بالوليد ولو ... أنا ثقفنا هشاما شالت الخدم لما رأوا خيلنا تزجي أوائلها ... آساد غيل حمى أشبالها الأجم ولوا شلالا وعظم الخيل لاحقة ... كما تخب إلى أعطانها النعم١ بين الأراك وبين المرج تبطحهم ... زرق الأسنة في أطرافها السهم فإن سمعتم بجيش سالك شرفا ... وبطن مر فأخفوا الجرس واكتتموا وهذا غاية في التعبير, وفي وصف شدة الحرب حتى صار الأخ يفتدي نفسه بأخيه. يوم شمظة: شمظة٢ موضع في عكاظ نزلته كنانة بعد عام من يوم نخلة حسبما

стр. 165

اتعدوا هم وهوازن. فاحتشدت كنانة، قريشها وعبد منافها والأحابيش١ ومن لحق بهم، وسلّح يومئذ عبد الله بن جدعان مائة كمي بأداة كاملة سوى من سلّح من قومه. وعلى إحدى مجنبتي كنانة عبد الله بن جدعان، وعلى الثانية كريز بن ربيعة، وأمر الجميع إلى حرب بن أمية الذي كان في القلب. أما هوازن وأحلافها فأمرها إلى مسعود بن معتب الثقفي, واعتزل فريق من الحيين فلم يشهدوا الحرب. ثم تناهض الناس وزحف بعضهم إلى بعض، فكانت الدائرة أول النهار لكنانة على هوازن، حتى إذا كان آخر النهار تداعت هوازن وصابرت، فانقشعت كنانة واستحرّ القتل فيهم، فقتل منهم تحت رايتهم مائة رجل، ولم يقتل من قريش يومئذ أحد يذكر، وذلك قول خداش بن زهير: فأبلغ إن عرضت بنا هشاما ... وعبد الله أبلغ والوليدا أولئك إن يكن في الناس خير ... فإن لديهم حسبا وجودا

стр. 166

هم خير المعاشر من قريش ... وأوراهم إذا قدحت زنودا بأنا يوم "شمظة" قد أقمنا ... عمود الدين إن له عمودا فجاءوا عارضا بردا وجئنا ... كما أضرمت في الغاب الوقودا فعانقنا الكماة وعانقونا ... عراك النمر واجهت الأسودا ونادوا: يا لعمرو لا تفروا ... فقلنا: لا فرار ولا صدودا فولوا نضرب الهامات منهم ... بما انتهكوا المحارم والحدودا١ فلم أر مثلهم هزموا وقلوا ... ولا كذيادنا عنقا مذودا يوم العبلاء: عاد الأحياء المذكورون من هؤلاء وأولئك فالتقوا من قابل في اليوم الثالث من أيام عكاظ بالعبلاء إلى جنب عكاظ, فاقتتلوا على التعبئة التي تقدمت. فكان هذا اليوم أيضا لهوازن على قريش وكنانة, فأصيبت قريش وقتل أحد صناديدها العوام بن خويلد، والد الزبير بن العوام حواري رسول الله ﷺ ، قتله مرة بن معتب الثقفي، فقال في ذلك

стр. 167

رجل من ثقيف يفتخر بقتله؛ لما له من الخطر: منا الذي ترك العوام مجندلا ... تنتابه الطير لحما بين أحجار وفي هذا يقول شاعر هذه الحروب من هوازن, خداش بن زهير: ألم يبلغكم أنا جدعنا ... لدى العبلاء خندف بالقياد فقدتكم ولحظكم إلينا ... ببطن عكاظ كالإبل الغِداد١ ضربناهم ببطن عكاظ حتى ... تولوا طالعين من النجاد ويقول: ألم يبلغك ما لقيت قريش ... وحي بني كنانة إذ أبيروا دهمناهم بأرعن مكفهر ... فظل لنا بعقوتهم زئير٢ يوم شرب ٣: ثم التقوا على رأس الحول في اليوم الثالث من عكاظ أيضا بشرب، وشرب من عكاظ. ولم يكن بين الفريقين يوم أعظم منه، صدقوا

стр. 168

فيه الحملة، وصبروا حفاظا وحمية، وقد أبلت فيه قريش بلاء حسنا. وكان الذي أحماهم أن لهوازن عليهم يومين ذهبت بفخرهما, فحافظت قريش وكنانة وصابرت بنو مخزوم وبنو بكر، وقيّد ثلاثة شجعان من قريش وأشرافها أنفسهم وقالوا: "لا يبرح منا رجل مكانه حتى يموت أو نظفر" وهم: أبو سفيان وحرب ابنا أمية، وأبو سفيان بن حرب والد معاوية فسموا "العنابسة" من يومئذ. وكان على الفريقين رؤساؤهم السابقون، واستمر القتال بهذه الشدة حتى انهزمت هوازن وقيس كلها رغم عددها وعدتها، إلا بني نصر فإنهم صبروا مع ثقيف؛ وذلك لأن عكاظ بلدهم، لهم فيه نخل وأموال إلا أنهم لم يغنوا شيئا ثم انهزموا أيضا, وقتلت هوازن يومئذ قتلا ذريعا. وذهبت بفخر هذا اليوم كله كنانة وقريش، فارتفعت أصوات شعرائهم تخلد هذا النصر المؤزر، وما لها لا تفعل، وقد لقيت خزيا كبيرا من شعراء هوازن؟! وما شأن شاعر تفقده أمته يوم الحاجة؟! وأي غناء لشاعر لا قوم له؟! فقال أمية بن أسكر الكناني: ألا سائل هوازن يوم لاقوا ... فوارس من كنانة معلمينا لدى شرب وقد جاشوا وجشنا ... فأوعب في النفير بنو أبينا١

стр. 169

وقال: قومي اللذو بعكاظ طيّروا شررا ... من روس قومك ضربا بالمصاقيل١ وقال جذل الطعان: جاءت هوازن أرسالا وإخوتها ... بنو سليم فهابوا الموت وانصرفوا فاستُقبلوا بضراب فض جمعهم ... مثل الحريق فما عاجوا ولا عصفوا وقال عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش "والمشركين فيما بعد": ألا لله قوم و ... لدت أخت بني سهم هشام وأبو عبد ... مناف مدره الخصم وذو الرمحين أشباك ... من القوة والحزم فهذان يذودان ... وذا من كثب يرمي٢

стр. 170

يوم الحريرة: وهو آخر أيامهم. ثم التقوا على رأس الحول بالحريرة, وهي حرة إلى جنب عكاظ مما يلي مهب جنوبها، وعلى كل قوم رؤساؤهم

стр. 171

السابقون. فاقتتلوا قتالا شديدا كان شؤما على قريش وأحلافها، قتل فيه من كنانة ثمانية نفر، وقتل أبو سفيان بن أمية أخو حرب جد معاوية. وكان يوما لهوازن فخره ونصره. فلعلع صوت شاعر هوازن بهذه الصاعقة المجلجلة: إني من النفر المحمرّ أعينهم ... أهل السوام وأهل الصخر واللوب١ الطاعنين نحور الخيل مقبلة ... من كل سمراء لم تغلب، ومغلوب وقد بلوتم فأبلاكم بلاؤهم ... يوم الحريرة ضربا غير مكذوب لاقتهم منهم آساد ملحمة ... ليسوا بدارعة عوج العراقيب فالآن إن تقبلوا نأخذ نحوركم ... وإن تباهوا فإني غير مغلوب وقال الحارث بن كلدة الثقفي: تركت الفارس البذاخ منهم ... تمجّ عروقه علقا عبيطا دعت بنانه بالرمح حتى ... سمعت لمتنه فيه أطيطا لقد أرديت قومك يا صخر ... وقد جشمتهم أمرا شطيطا وكم أسلمت منكم من كمي ... جريحا قد سمعت له غطيطا٢

стр. 172

ثم كان الرجل منهم بعد ذلك يلقى الرجل، والرجلان يلقيان الرجلين فيقتل بعضهم بعضا. فلقي ابن محمية بن عبد الله الديلي زهير بن ربيعة أبا خراش, فقال زهير: "إني حرام جئت معتمرا" فقال له: "ما تُلقَى طوال الدهر إلا قلت: أنا معتمر" ثم قتله. انقضت هذه الأيام الخمسة في أربع سنين, ثم تداعى الفريقان إلى السلم على أن يذروا الفضل في الدماء والأموال, ويتعاهدوا على الصلح. عقدوا على ذلك المواثيق وبقيت هذه الأحداث للذكرى والفخر، يتمجد كل شاعر قوم بما فعل قومه، ويتغنى بما كان لهم من محامد. وانظر إن شئت أن ترى آثار ذكرها في مثل قول عبد الله بن الزبعرى السهمي: وإن قصيا أهل عز ونجدة ... وأهل فعال لا يرام قديمها هم منعوا يومي عكاظ نساءنا ... كما منع الشول الهجان قرومها١ أو قول بعضهم: نحن كنا الملوك من آل نجد ... وحماة الذمار عند الذمار

стр. 173

ومنعنا "الحجون" من كل حي ... ومنعنا الفجار يوم الفجار وقول خداش بن زهير: فلا توعديني بالفجار فإنه ... أحل ببطحاء "الحجون" المخازيا١ أو قول عاتكة بنت عبد المطلب, تخلد نصر قومها في هذه المقطوعة الرائعة: سائل بنا في قومنا ... وليكف من شر سماعه قيسا وما جمعوا لنا ... في مجمع باقٍ شناعه فيه السنور والقنا ... والكبش ملتمع قناعه بعكاظ يعشي الناظريـ ... ـن -إذا هم لمحوا- شعاعه فيه قتلنا مالكا ... قسرا وأسلمه رعاعه ومجدلا غادرنه ... بالقاع تنهسه ضباعه هكذا كانت تجارة العراق في عكاظ وما يفيده من يجيرها من أرباح مادية ومعنوية هو وقبيلته، سببا مغريا في هذه الحروب. وأي بدع في هذا؟! فإنا ما نزال إلى اليوم نرى أكثر الحروب في حقيقتها تطاحنا على النفوذ الاقتصادي, وتكاد أحداث القرن العشرين كلها تكون حول التنافس التجاري إن لم يكن بصورة جلية, فمن وراء الستار.

стр. 174

د- حلف الفضول: ما نظر القرشيون إلى حلف ولا عهد نظرهم إلى حلف الفضول؛ فهو يظفر منهم برعاية مقدسة وتبجيل وشرف قلما كان بعضه لحلف آخر. هو حلف تجاري بمقدماته ونتائجه، حفظ سمعة قريش وصان ازدهار أسواق مكة، وأسدل عليها ستارا من الإنصاف والأمن وحماية الضعيف بعد أن كاد الأمن فيها يتعرض للخطر، وكادت حوادث الاعتداء على حقوق الضعفاء تزداد حتى أوشكت أن تزعزع ثقة الأعراب, وتجار النواحي بأسواق مكة. ولم تنحصر ثمرته فيما سبق الإسلام, بل استمرت فيه وازدادت تأييدا وقوة ومنعة، أثنى عليه صاحب الرسالة ﷺ واعتزّ به. ولما هتف الهاتف به بعد نحو ثمانين سنة من عقده١ استجاب الناس له كأن عهدهم به أمس، فكان جديدا لم تخلق جدته تلك السنون الثمانون التي تمخضت عن أعظم الحوادث الكبار: ظهور الشريعة

стр. 175

الإسلامية، وفتوح العرب وانقراض فارس وانكماش الروم. أهاب الداعي بأصحابه "وقد مات أكثرهم" فهب أبناؤهم متحفزين لنصرته حتى خافت القوة الحاكمة وأذعن والي المدينة، ورُد الحق إلى صاحبه. ولقد بلغ من شرفه واقتعاده تلك المكانة في نفوس الناس أن استشرف خليفة عظيم كعبد الملك بن مروان ليعده الناس ممن دخل فيه، فلما لم يظفر بذلك ندّت منة حسرة غير خفية. كان يهبط مكة من همل الأعراب وسذاجهم، وضعفاء المتكسبين وأرباب السلع أخلاط كثيرة، وهم لا ناصر لهم يحميهم ولا منعة فيهم، يؤمون أسواق مكة موقنين بأن أمن الحرم يسعهم جميعا. فلم يكونوا يتوقعون أن أحدا تحدثه نفسه بتكدير صفائه, لكن الواقع انكشف عن أنه لم تكن مكة لتخلو من أناس بطرين، يستهينون بالضعيف ولا يعفّون عن هضمه وسلبه. وكان يحدث حينئذ ما يحدث دائما في كل زمان، من استغلال السذاجة في هؤلاء الغرباء: تارة بغبنهم في الثمن وتارة بمطلهم بالديون, وآونة بغشهم وأخرى بالاستهتار بهم. وكانت تنشر هذه الحوادث حتى تصل إلى أسماع أشراف مكة فينكروها في أنفسهم. إلا أنها -في الظاهر- تعددت حتى لم يعد يصح السكوت عليها، وحتى خشي على البلد أن يفشو له ذكر سيئ

стр. 176

فسعى الأشرف بعضهم إلى بعض, وعقدوا الحلف وأكّدوه ونصبوا أنفسهم لحمايته. أما السبب المباشر لعقد هذا الحلف, فما ذكروا١ من أن رجلا من زبيد من أهل اليمن باع سلعة من العاص بن وائل السهمي "وهو قرشي" فظلمه بالثمن, فأوفى على جبل أبي قبيس رافعا عقيرته وقريش في أنديتها، فذكر ظلامته في شعر له وهو: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال وبين الحِجْر والحَجَر إن الحرام لمن تمت مكارمه ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر٢ فتداعت لذلك قريش واجتمعت إليه بنو هاشم وزهرة وبنو أسد بن عبد العزى, فدخلوا دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه, وتعاقدوا بالله: ليكونُن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه. فلا يجدون بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه, وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته ا. هـ.

стр. 177

وزاد الجاحظ: "وفي التآسي في المعاش, والتساهم بالمال"١ وكان من أسرعهم تلبية له الزبير بن العوام٢. شهد هذا الحلف رسول الله ﷺ وهو فتى, فلما أكرمه الله بالرسالة حمد أثره, وكان به جذلان مغتبطا حتى رووا عنه قوله: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت"، "لا يزيده الإسلام إلا شدة". وكان هذا الحلف منصرف قريش من حروب الفجار لعشرين سنة من عام الفيل, فتكون سن رسول الله حينئذ عشرين سنة٣. وذكروا في سبب تسميته حلف الفضول، أنه أشبه حلفا وقع لثلاثة من جرهم, كل واحد منهم يقال له: الفضل. وأقرب من هذا

стр. 178

المذهب إلى الواقع ما ذكره صاحب القاموس من أن سبب تسميته بذلك؛ لأنهم تحالفوا ألا يتركوا عند أحد فضلا يظلمه أحدا إلا أخذوه له منه. وهذا هو الصحيح لوضوحه وقربه, ولأن ثمرة الحلف كله هي رد الفضول لأهلها. ومن يتدبر الأسباب التي تكلفها الرواة فجعلوها كمقدمات لعقده, ويمحصها يجد أن الداعي الأول له حرص قريش على سمعة بلدهم التجارية أن تثلم بين العرب, فتتزعزع ثقتهم بقريش وبلدهم. وليس يظفر من كل تلك الأسباب المذكورة بالقبول إلا ما تقدم, فإن الحوادث وحالة مكة وأمور قريش يومذاك تؤيده كل التأييد. ومن البعيد أن يعقد مثل هذا الحلف من أجل ظلامة الزبيدي هذا، من غير أن تتكرر الحوادث المشابهة لها حتى تفاقم الأمر, وألف رجال كثيرون إتيان المظالم. عظمت قريش أمر حلف الفضول واهتمت به كل الاهتمام, ولم ينقطع أمره بالإسلام بل ظل مستمرا أقوى ما كان قط, وحسبك قول النبي ﷺ : "ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت". ثم كان يدعو بهذا الحلف كل مظلوم: دافع أبي بن خلف الجمحي بارقيا عن ثمن سلعته, فتظلم هذا قائلا:

стр. 179

أيأخذني في بطن مكة ظالما ... أبي ولا قومي لدي ولا صحبي وناديت قومي صارخا لتجيبني ... وكم دون قومي من فياف ومن سهب ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي ... بني جمح والحق يؤخذ بالغصب١ فأخذ له بنو هاشم ثمن سلعته. ورأى نُبيه بن الحجاج "قتول" بنت التاجر الخثعمي وكانت حسناء باهرة، فكابر التاجر على ابنته حين رأى جمالها فتظلم إلى ذوي الحلف, فانتزعوا ابنته من نبيه الذي قال في ذلك: إنني والذي يحج له ... شمط إياد وهللوا تهليلا وخشيت الفضول حين أتوني ... قد أراني ولا أخاف الفضولا لبراء مني قتيلة يا للنا ... س هل يبتغون إلا القتولا٢ وذكر الجاحظ أن بني هاشم وحلفاءهم انتزعوا الظلامات من رجال كثيرين, وأنه "لم يكن يظلم بمكة إلا رجال أقوياء, ولهم العدد

стр. 180

والعارضة"١. ويحلو لي هنا أن أبين للقارئ امتداد هذا الحلف التجاري في حياة المسلمين وتمسكهم به، فابن هشام يروي: أن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كان واليا على المدينة، ولّاه عليها عمه معاوية, وكان بين الوليد والحسين بن علي منازعة في مال كان بينهما بذي المروة, وكان الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه يومئذ، فقال الحسين: "أحلف بالله: لتنصفنّي من حقي أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله ﷺ ثم لأدعون بحلف الفضول ... " وكان عبد الله بن الزبير حاضرا مجلسهما هذا, فغضب للحسين وقال يتهدد الوليد: "وأنا أحلف بالله: لئن دعا به لآخذن سيفي, ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا". وبلغ هذا الخبر المسور بن مخرمة بن نوفل, فقال مثل ما قال ابن الزبير، وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ كل هذا الوليد بن عتبة خاف مغبتها, وأنصف الحسين من حقه٢. فأنت ترى كيف كان القوم سراعا إلى تنفيذ هذا الحلف, وكيف
следующие страницы →