وكانوا بطبيعة الأمر مسيطرين على الأسواق الثلاث الكبرى التي تقوم قريبا من مكة, وهي: عكاظ ومجنة وذو المجاز, وفيها يجتمع أكبر حفل من بلاد العرب من جميع أطرافها لوقوع هذه الأسواق في أيام الحج, وقريبا من أمكنته.
ويظهر أن قريشا لم تكتف بما لها من نفوذ في قبائل العرب, بل أرادت أن تصبغ نفسها صبغة تمتاز بها منهم في الدين نفسه، كأنهم طبقة خاصة تتمتع بحقوق ليس لغيرهم أن يتمتع بها، ورمت من وراء ذلك إلى أن تمكن هيبتها في نفوس الأعراب الغفل, أقصد بذلك ما يعرف في كتب السير بحديث "الحُمْس":
مادة "حمس" في اللغة تفيد الشدة والصلابة في الدين والقتال.
تلقبت قريش بالحمس هي وأحلافها من كنانة، وخزاعة، وجديلة، وكلاب, وكعب, وعامر, بنو ربيعة بن عامر بن صعصعة١, ومن تبعهم في الجاهلية، وخلاصة هذا الحديث في بدعتهم تلك أنهم قالوا فيما بينهم:
"نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقطّان مكة، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له
стр. 72
العرب مثل ما تعرف لنا. فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم, فإنكم إن فعلتم ذلك استخف العرب بحرمتكم وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم". فأجمعوا على هذا الرأي وتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها كما يفعل سائر العرب. وهم مع إقرارهم أن الوقوف بعرفة من مشاعر الحج ودين إبراهيم، ومع أنهم يأمرون العرب عامة بالوقوف والإفاضة، ابتدعوا لأنفسهم البقاء في الحرم واعتذروا لذلك بقولهم: "نحن أهل الحرم, فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرم, ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس". فـ "لا نفيض إلا من الحرم، نحن قطين الله فلا نخرج من حرمه"١ وجعلوا لأنفسهم حق تمييز غيرهم بما ميزوا به أنفسهم. ثم ترقوا في الامتياز فحرموا على أنفسهم ائتقاط الأقط وسَلْء٢ السمن ما داموا حرما، كما حرموا الاستظلال بغير بيوت الأدم محرمين، وكما حرموا على أنفسهم أن يدخلوا بيتا ما داموا محرمين. ثم حظروا على غيرهم الأكل من غير طعام الحرم, فمن جاء بطعام من غير الحرم، وكان حاجا أو معتمرا حرم عليه الأكل منه. ولم يقتصر تحكمهم بغيرهم على هذا،
стр. 73
بل تعداه إلى الثياب فحجروا على كل إنسان من غيرهم الطواف بالبيت أول ما يقدمون إلا بثياب الحمس، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا عراة ومن طاف في غير ثياب الحمس حرمت عليه بعد الطواف فألقاها ولم يُنتفع بها قط١.
وكانت العرب إذا أحرمت لم تدخل البيوت من أبوابها, وإنما تنقب في ظهورها نقبا فتدخل منه وتخرج ويزعمون أن ذلك من البر، إلا الحمس فإنهم امتازوا من بين سائر العرب بدخول البيوت من أبوابها وهم محرمون، وجروا على ذلك حتى في الإسلام وكانوا يستنكرون من غير الحمس أن يدخل أحد بيته محرما من بابه، فيذكرون أنه "بينما رسول الله ﷺ في بستان, إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري, فقالوا: يا رسول الله, إن قطبة رجل فاجر وإنه خرج معك من الباب!! " فقال له: "ما حملك على ما فعلت"؟ قال: "رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت" قال: "إني رجل أحمسي" قال له: "فإن ديني دينك"٢. ورووا مثل هذا الحادث لصحابي اسمه رفاعة, فلما خرج مع النبي من الباب قالوا: "يا رسول الله نافق رفاعة! "٢.
стр. 74
استغلوا سذاجة من حولهم من الأعراب؛ لينفردوا بالحرمة والتقديس فيأمنوا بعدها على تجارتهم, ويستفيدوا من هذا التمويه ثراء وبسطة عيش. فلما جاء الإسلام دكت الامتيازات كلها جملة واحدة, ونزل قول الله لقريش:
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ١ كما نزل قوله تعالى في نسخ إتيان البيوت من ظهورها: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ ٢, فشعائر الدين بعد هذه الآية يذعن لها الناس جميعا بلا تمييز.
واستوى في الحج القرشي وغيره بعد أن كانت قريش تنفرد دون جميع الحجاج إذا خرجوا من مكة يوم التروية وترووا من الماء, فتنزل الحمس أطراف الحرم من نمرة يوم عرفة، وتنزل الحلة عرفة. وقد أجمع أصحاب السير أن رسول الله ﷺ وقف مع الناس بعرفة في سنته التي دعا فيها قبل الهجرة ولم يقف مع الحمس في طرف الحرم, فكان هذا مما جلب نظر الناس. وروى ابن هشام عن جبير٣ بن
стр. 75
مطعم أنه قال: "أضللت بعيرا في يوم عرفة, فخرجت أقصه وأتبعه بعرفة, إذ أبصرت محمدا بعرفة! فقلت: هذا من الحمس، فما يقفه ههنا؟! فعجبت له"١.
تزيُّد قريش في دينها أو في ابتداعها على الأصح، علّم بعض الاحتيال، وما زال الدين -كما عليه الوطنية في أيامنا- مبتلى بمكر المرتكبين والمحتالين ورواد المنافع. فكان إذا أحدث أحد العرب حدثا وخاف على نفسه وجد في حرمة الشهر وحرمة الحرم خير معاذ يعتصم به من أن يناله القصاص. والظاهر أن أمثال هذه الحوادث تكررت حتى حلت من حياة العرب الاجتماعية محل العادات المستحكمة, فقد ذكر الأزرقي أنه كان من سنتهم أن الرجل يحدث الحدث: يقتل الرجل أو يلطمه أو يضربه, فيربط لحاء من لحاء٢ الحرم قلادة في رقبته ويقول: "أنا ضرورة" فيقال: "دعوا الضرورة بجهله, وإن رمى بجعره٣ في رحله" فلا يعرض له أحد, فقال النبي
стр. 76
صلى الله عليه وسلم: "لا ضرورة في الإسلام، وإنه من أحدث حدثا أخذ بحدثه" ١ ا. هـ.
إذا أضفت هذه التزيدات إلى ما في نفوس العرب من نفرة للخضوع حتى للدين، استطعت أن تستسيغ وجود قبائل تستهين بالحرمات وتتجاهل مكان قريش فتراها كغيرها من سائر العرب دماء وأموالا، بل تذهب أبعد من ذلك فلا ترعى حرمة شهر ولا أيام حج. ومن هنا تخوَّف الناس بعض التخوف من ورود الأسواق عزلا، ولو كانت مواسمها في الأشهر الحرم. فإن كنت علمت أن عكاظ ومجنة وذا المجاز, الأسواق الكبرى للعرب, تقام في الأشهر الحرم, فاعلم أن الأمن فيها هو أكثر حالها والأغلب من أيامها, وأن ما وقع فيها من أحداث استحلت فيها حرمتها، صادر ممن لا يرى لها حرمة وهم أقلية قلما يقيم المؤرخون لها حسابا.
انقسم العرب إزاء حرمة هذه الأسواق أقساما ثلاثة:
١- فأما قسم, فقد استحلوا المظالم فيها في أشهر الحج، ففعلوا المناكر وأحلوا الحرام وفتكوا وسرقوا ولم يحفظوا للمكان ولا للشهر ولا لقريش حرمة ما، فسموا "المحلين" لما استحلوا من الحرم
стр. 77
وهم قبائل من أسد وطيء وبكر بن عبد مناة, وقوم من بني عامر بن صعصعة١, وأناس من خثعم وقضاعة. وغير هؤلاء أيضا: ذؤبان وصعاليك وخلعاء، ممن نفاهم قومهم وتبرءوا منهم.
١- وأما القسم الثاني, فأقوام حفظت للمكان قدسه وللشهر حرمته وللقُوَّام على البيت منزلتهم، فكفت عن الفتك والسرقة وسائر المظالم, وأنكرت على المحلين استخفافهم، ونصبت أنفسها لنصرة المظلوم وحقن الدماء ومنع الأذى فسموا بـ "الذادة المحرمين" وهم أغلب العرب.
٣- والقسم الثالث "أهل هوى شرعه لهم صلصل بن أوس من بني عمرو بن تميم، فإنه أحل قتال المحلين"٢ فيلبسون سلاحهم؛ ليدفعوا عن الناس أذى المحلين من الفريق الأول. وكان في هؤلاء أيضا قبائل من طيء وخثعم، وناس من بني أسد بن خزيمة.
أما سائر العرب ممن لم نعد، فهم في صف المحرّمين: يضعون أسلحتهم في الأشهر الحرم و"كان الرجل إذا خرج من بيته حاجا أو داجا "والداج: التاجر في الأشهر الحرم" أهدى وأحرم ثم قلّد
стр. 78
وأشعر١, فيكون ذلك أمانا له في المحلين. وكان الداج إذا انفرد وخشي على نفسه ولم يجد هديا، قلد نفسه بقلادة من شعر أو وبر، وأشعر نفسه بصوفه فيأمن بها, وإذا صدر من مكة تقلد من لحاء شجر الحرم. وكان الداج وغيره إذا أمّ البيت وليس له علم بذلك ولا هو في سيماء المحرم أخذ المحلون ما معه. وكانت العرب جميعا تنزع أسنتها في الأشهر الحرم، غير المحلين والذين يقاتلونهم، فإنهم كانوا يقاتلونهم حتى في الأشهر الحرم"٢.
خير تلك الطوائف الطائفة الثالثة التي نعتها المرزوقي بأنها أهل هوى؛ إذ لا يكفي أن يكون الإنسان محرما يرعى ذمام الشهر والمكان، كافّا أذاه عن غيره وهو ينظر إلى المحلين يسفكون الدم الحرام وينهبون المال الحرام. ليس من البر أن يترك هؤلاء وانتهاكهم, بل البر كل البر أن يكون المرء محرما ثم مدافعا عن المحرمين شر هؤلاء المعتدين, وبذلك تستأصل شأفتهم ويحسم ضرهم. أما كف
стр. 79
اليد والاقتصار عليه بينما العين تنظر مكان المستبيحين ومدى أذاهم في الآمنين البريئين، فإنه إن لم يكن إثما لم يكن برا, وإن دان به أكثر العرب. ولعل خير ما يمثل هؤلاء كلمة الزبير بن عبد المطلب أحد الحمس, وكان شاعرا خطيبا سيدا جوادا:
ولولا الحمس لم يلبس رجال ... ثياب أعزة حتى يموتوا
ثيابهم شمال أو عباء ... بها دنس كما دنس الحميت١
ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... لنا الحبرات والمسك الفتيت
ويقطع نخوة المختال عنا ... رقاق الحد ضربته صموت
بكف مجرب لا عيب فيه ... إذا لقي الكريهة يستميت١
بقي أمر، وهو أي الحرمتين العرب أكثر رعاية لها: آلشهر أم الحرم؟ فإن المرء ليحب أن يعرف الواقع ليستطيع أن يتمم فكرته عن مفاضلتهم بين الحرمتين. ومن يتتبع ما وراء الحوادث يعرف أن العرب أرعى لحرمة الحرم منها لحرمة الشهر، ولنا على ذلك أدلة:
١- منها أن حرمة الحرم لا تكلفهم إلا رعاية مكان محدود مدة إقامتهم فيه, فهي ميسورة لهم وقل أن حفظ التاريخ انتهاكا لحرمة
стр. 80
الحرم. وليس كذلك حرمة الشهر فإن أمد رعايتها طويل جدا وهو ثلث السنة, فيجب عليهم أن يكفوا عن الاعتداء مدة أربعة أشهر في أي بقعة كانوا, وهو قيد صعب على طبيعة العربي النفور من القيود.
٢- كثير من القبائل انتهكت حرمة الشهر، ولم تجرؤ على انتهاك حرمة الحرم على حين أن ثأرها وشرفها -وأنت تعلم قيمتهما عندهم- كان يتقاضيانها غض النظر عن حرمة الحرم. كان من هؤلاء القبائل قريش نفسها, فسيمر بك في حرب الفجار التي كانت بين قريش وأحلافها من جهة وهوازن وقيس وأحلافهما من جهة أخرى, أن القوم اقتتلوا بعكاظ في الشهر الحرام فاستووا جميعا في انتهاك حرمته مع أن قريشا هي القيّمة على دين العرب بحكم مكانها من البيت.
إلا أن قريشا لما انسلّت من عكاظ حين أتاها نبأ اعتداء أحد أحلافها على هوازني، خوفا من هوازن التي كانت متكاثرة في السوق، علمت هوازن بالأمر فاتبعت قريشا فاقتتلوا حتى جاء الليل ودخلت قريش الحرم, فأمسكت عنهم هوازن رعاية لحرمته. فهم جميعا يرون للحرم من الرعاية ما لا يرون للشهر.
٣- للعرب أساطير تقص العقاب الشديد الذي نزل بمن لم يبالِ
стр. 81
حق الحرم، وليس لهم في قوتها أساطير تعاقب من انتهك حرمة الشهر. واقرأ إن شئت حديث إساف ونائلة١ اللذين مسخا صنمين؛ لأنهما لم يحفظا للبيت حرمة، واقرأ إن شئت الأحداث التي ترويها سيرة ابن هشام "١/ ١٨ فما بعد" في ذلك والأشعار، وكلها متضافرة في بيان تعظيم حرمة البيت والعقاب الشديد الذي حل بمن أراد انتهاكها.
٤- أمر النسيء وهو تلاعب محض بالتقاليد التي تخص الشهر، ولم يؤثر لهم مثله ولا قريب منه فيما يخص الحرم. جاء في أمالي القالي:
"إنهم كانوا إذا صدروا عن منى قام رجل من بني كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة فقال: "أنا الذي لا أعاب ولا يرد لي قضاء" فيقولون له: "أنسئنا شهرا" أي: أخر عنا حرمة المحرم فاجعلها في صفر.
وذلك أنهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهر "ذو القعدة وذو الحجة والمحرم" لا تمكنهم الإغارة فيها؛ لأن معاشهم كان من الإغارة, فيحل لهم "نعيم بن ثعلبة" المحرم ويحرم عليهم "بدلا منه"
стр. 82
صفرا، فإذا كان في السنة المقبلة حرم عليهم المحرم وأحل لهم صفرا، فقال الله : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ الآية١.
وقال الشاعر:
ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما"٢
هذا وقد وقر في نفوس العرب "أن مكة لا تقر فيها بغيا ولا ظلما، لا يبغي فيها أحد إلا أخرجته ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك مكانه"٣. وذهب الزرقاني إلى أنها سميت "بكة"؛ لأنها تبك "تدق" أعناق الجبابرة.
فللحرم في صدورهم رهبة, لا يدانيه فيها غيره.
رأيت أن اسم الحرم الذي تضاف إليه قريش، كان خير حارس لتجارتها وعيرها. تسير بفضله آمنة مطمئنة، تتمتع بالرعاية والحرمة إلى اليمن وإلى العراق وإلى الشام.
وقد ذكر النيسابوري في تفسيره "عند الكلام على الإيلاف"
стр. 83
أن أشراف مكة لما كانوا يرتحلون للتجارة في الشتاء والصيف, كانوا "يأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب, وإن ملوك النواحي كانوا يعظمونهم ويقولون: هؤلاء جيران بيت الله وقطّان حرمه، فلا يجترئ عليهم أحد". وظاهر أن المقصود بملوك النواحي أمراء العرب في اليمن والعراق والشام؛ فإن هؤلاء هم الذين يعظمون البيت؛ لا قيصر وكسرى.
هذا مكان قريش من العرب في الأعم الأغلب، ولا حكم للنادر. ولو لم يكن ذلك مستتبا لقريش ما كان هناك من معنى لسعي هاشم في طرق أبواب الأسواق الخارجية يفتحها لقبيله، بينما تجارته المحلية غير آمنة. فهو وإخوته ما شرعوا بمفاوضاتهم التجارية مع دول الرومان والفرس واليمن الحبشة إلا وقد فرغوا من الاطمئنان إلى الطرق الموصلة إلى هذه الممالك.
стр. 84
الباب الثاني: أحداث قريش التجار ية
قريش التجار:
"١"
في سبب تسمية هذه القبيلة قريشا أقوال مبثوثة في كتب السيرة والأدب تبلغ العشرين عدا. أما القَرْش في اللغة فهو الجمع, وإليك زبدة هذه الأقوال:
١- سموا قريش لتجمعهم إلى الحرم بعد تفرقهم في البلاد، وذلك حين غلب على مكة١ قصي بن كلاب الذي سمي مُجمِّعا لذلك، وقال فيه الشاعر:
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر
٢- أو لأنهم كانوا أهل تجارة وتكسب وضرب في البلاد ابتغاء الرزق، يتقرشون البياعات فيشترونها ولم يكونوا أهل زرع
стр. 85
وضرع, من قولهم: فلان يتقرش المال أي: يجمعه.
٣- أو لأنهم كانوا يفتشون الحاج فيسدون خلتها؛ فمن كان محتاجا أغنوه, ومن كان عاريا كسوه، ومن كان معدما واسوه، ومن كان طريدا آووه، ومن كان خائفا حموه، ومن كان ضالا هدوه ... إلخ.
٤- أو لأن أباهم النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يوما, فقالوا: تقرش.
٥- أو لأنه جاء إلى قومه, فقالوا: كأنه جمل قَرِيش أي: شديد.
٦- أو لأن قصيا كان يقال له: القرشي.
٧- أو سميت القبيلة بمصغر القرش, وهي دابة بحرية تخافها دواب البحر كلها١.
٨- أو سميت بقريش بن يخلد بن غالب بن فهر وكان
стр. 86
صاحب عيرهم أو دليلها، فكانوا يقولون: قدمت عير قريش, خرجت عير قريش١.
فهذه ثمانية وجوه في هذا الاسم, وكل وجه منها معه شفيع من معنى أو مناسبة، ينفذ به إلى القبول.
إلا أن منها جميعا قولين يظفران على التمحيص، أما الأول فهو أنه أطلق على النضر بن كنانة، فكل من كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي. وهناك مذهب آخر له شأنه من حيث رواته الثقات، يرمي إلى أن هذ اللقب أطلق على حفيده "فهر بن مالك بن النضر" نقله صاحب المصباح عن السهيلي, وشارح القاموس عن ابن الكلبي, وقال: "إنه مرجع في هذا الشأن". وذُكر أيضا في سيرة ابن هشام. ونحن إذا دققنا في صيغة الرواية عند ابن هشام وصاحب المصباح وجدناها مبنية للمجهول: "ويُقال ... " وبهذا نعلم أن الراويين ضعفّاها فكفيانا بذلك المئونة٢. وقول الشاعر:
стр. 87
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر١
المتقدم الذكر لا يمنع أن يكون ولد النضر جميعا من قريش, والنص على فهر لا يخرج إخوته وأولاد عمه من القرشية.
ولا بد من التنبيه هنا على حجة قوية ولعلها قاطعة, جاءت في سيرة ابن هشام وهي كفيلة بالفوز بطمأنينة الباحث، فقد ذكر بيتا لجرير في مدح هشام بن عبد الملك يعني فيه برة بنت مر أخت تميم بن مر وهي أم النضر هذا، وذلك قوله:
فما الأم التي ولدت قريشا ... بمقرفة النجار ولا عقيم
وما قرم بأنجب من أبيكم ... وما خال بأكرم من تميم٢
وجرير من تميم.
وأما الثاني ففي بيان السبب في هذه التسمية وأي التفاسير هو الأرجح:
يستبعد الذهن أن تكون دابة البحر هي التي أوحت هذا الاسم ولو روي هذا القول عن ابن عباس؛ لبعد العرب حول مكة عن البحر وجهلهم حيوانه, ففي هذا الشرح تكلف ظاهر كالذي في اشتقاقه من الجمل القَرِيش. والذي لا يجد المرء غيره مذهبا يرتضيه هو أن
стр. 88
تكون "قريش" من القرش بمعنى الجمع؛ لما كانوا يتعاطون من التجارة وجمع١ المال, إذ كانوا معروفين بذلك عند العرب عامة. ذكر ابن هشام أن التقرش: التجارة والاكتساب، وأن القروش "أيضا" التجارة والاكتساب وأتى على ذلك بشاهد من كلام العرب. لكن الجاحظ أزال اللبس في ذلك وأحسن الإيضاح حين قال في صدد كلامه عنهم:
"وبالتجارة كانوا يعرفون؛ ولذلك قالت كاهنة اليمن: "لله در الديار، لقريش التجار" وليس فوقهم قرشي كقولهم هاشمي وزهري وتميمي؛ لأنه لم يكن لهم أب يسمى قريشا فينتسبون إليه, ولكنه اسم اشتق لهم من التجارة والتقريش"٢.
وقد تقدم الدليل آنفا على أن النضر هو قريش, ولا داعي لتسميته بذلك إلا لمعنى التجارة والكسب.
وقريش في الأصل طبقتان: قريش البطاح وقريش الظواهر٣
стр. 89
أما قريش البطاح فهم الذين نزلوا بطحاء مكة وبطنها وهم سادة القرشيين، فيهم بنو هاشم وبنو أمية, ومنازلهم الشِّعب بين أخشبي مكة١ وهم صُبابة قريش وصميمها وساداتها وأغنياؤها، اختطوا منازلهم في البطحاء ونزلوها.
وأما قريش الظواهر فهم الذين لم تسعهم الأباطح فنزلوا أعلى مكة خارج الشعب، فانتشروا حولها في ظواهرها وهم دون أولئك شرفا وغنى وشأنا. قال في لسان العرب: "وقريش البطاح أكرم وأشرف من قريش الظواهر". واستشهد لذلك بقول الشاعر٢:
فلو شهدتني من قريش عصابة ... قريش البطاح لا قريش الظواهر
ويقول الفرزدق في مباهاته جريرا:
تنحّ عن البطحاء إن قديمها ... لنا، والجبال الراسيات الفوارع٣
стр. 90
وقول الكميت:
فحللت معتلج البطا ... ح وحل غيرك بالظواهر١
وهناك قرشيون استوطنوا الطائف, وغيرها حيث اتخذوا الأموال والمزارع فلم ينسبوا إلى ظواهر ولا إلى بطاح. روى صاحب تاج العروس أن "في قريش من ليس بأبطحية, ولا ظاهرية".
أول بانٍ لمجد قريش وموطد لنفوذها هو قصي بن كلاب، إذ استنقذ أمر مكة وولاية البيت من جرهم وخزاعة بعد حرب شديدة, وجمع أشتات قومه فأنزلهم حول الحرم وملك أمرهم "فكان أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه. فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف مكة كله وقطع
стр. 91
مكة رباعا بين قومه, فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها ... فسمته قريش مجمعا لما جمع من أمرها, وتيمنت بأمره فما تنكح امرأة ولا يتزوج رجل من قريش ولا يتشاورون في أمر نزل بهم ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره ... إلخ"١.
فأنت ترى أن قصيا مكَّن دعائم قريش ونظم أمورهم ثم جعل من داره التي اتخذها لنفسه وجعل بابها إلى الكعبة مجلس شورى لقريش ودار حكومة معا وسماها دار الندوة. وكانت قريش بعده لا تقضي أمرا إلا فيها، فيها ينظمون عيرهم إلى الشام أو اليمن فلا تخرج عير إلا منها ولا يقدمون إلا نزلوا فيها، ويتفاوضون في أمر تجارتهم وحربهم وسلمهم. وفيها كان معظم المؤامرات التي ائتمروا بالنبي وأصحابه في بدء الدعوة، وكانت لهم محكمة يلجأ إليها المتخاصمون ويقضي فيها شيوخهم المقدمون. ولا ريب أن أمور التجارة القرشية بعد الذي صنع قصي لهم اطرد تقدمها وازدهارها, فاتسعت ونمت.
وأراد قصي تثبيت هيبة قريش في نفوس العرب ففرض عليهم
стр. 92
خرجا يخرجونه في كل موسم من أموالهم, فإذا كان الحج قال قصي:
"يا معشر قريش: إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله وأهله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة, فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم" فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه, فيصنعه طعاما للناس أياما منى فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد١ من الحجاج وأهل مكة, وهذه هي الرفادة.
امتدت أيام قصي حتى كبر فعهد إلى ولده عبد الدار باللواء والسقاية والرفادة؛ لأنه لم يشرف في حياته وكان بكره، فقد بطأ به عمله عن أن يلحق بأخيه عبد مناف الذي بلغ في الشرف والسيادة شأوا بعيدا، فخص قصي عبد الدار بذلك؛ جبرا له حتى يلحق بأخيه.
ثم تنازع على الشرف بنو عبد الدار وبنو عبد مناف وتحزب لكل من الفريقين أقوام وأفضى النزاع إلى الاستعداد للحرب، وتعاهد عند الكعبة بنو عبد الدار وحلفاؤهم على النصرة فسموا الأحلاف، وتعاقد بنو عبد مناف وغمسوا أيديهم في جفنة مملوءة طيبا فسموا المطيبين، ثم كان سعي بين الفريقين انفرج عن صلح بينهما على أن
стр. 93
يكون لبني عبد مناف السقاية والرفادة, وأن يكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار، فتحاجز الناس على ذلك حتى أتى الإسلام وهم عليه.
ازدهر مجد قريش التجاري وبلغ أوجه في الحقيقة، بهاشم بن عبد مناف؛ لأن تجارة قريش قبله لم تكن تعدو مكة "وإنما كان يقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم ثم يتبايعونها بينهم ويبيعونها على من حولهم من العرب"١, حتى جاء هاشم ففتح في وجوههم ما فتح.
كانت لهاشم دون إخوته الرفادة والسقاية فقام بأمرهما, إذ كان أخوه عبد شمس رجلا سفّارا مقلا ذا عيال, وهاشم موسر طماح بعيد النظر، وقد ضرب القرشيون على عهده في الأرض فأكثروا الأسفار التجارية. ومن الغريب أن أولاد عبد مناف كلهم حليفو أسفار طوحتهم الغربة فمات كل بناحية: أما هاشم فمات بغزة من أرض الشام فسميت به غزة هاشم، وأما أخوه المطلب فقد مات بردمان من أرض اليمن، وأما أخوه نوفل فمات بسلمان من أرض العراق، وعبد شمس مات بمكة.
اضطلع هاشم بأعباء الأمور وأكثر من الأسفار, وهو أول من
стр. 94
عقد المعاهدات التجارية لقريش "كما سيأتي قريبا عند الكلام على الإيلاف" فثمّر الأموال, وارتفع له ذكر نابه بين قومه, واستفاضت له مكارم سار بها الركبان١. قال ابن سعد:
"كان اسم هاشم عمرا فأصابت قريشا سنوات ذهبن بالأموال, فخرج هاشم إلى الشام فأمر بخبز كثير فخبز له فحمله في الغرائر٢ على الإبل حتى وافى مكة, فهشم ذلك الخبز -يعني كسره- وثرده ونحر تلك الإبل, ثم أمر الطهاة فطبخوا. ثم كفأ القدور على الجفان فأشبع أهل مكة, فكان ذلك أول الحيا بعد السنة التي أصابتهم, فسمي بذلك هاشما. وقال ابن الزبعرى في ذلك:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
وقال وهب بن عبد قصي في ذلك:
تحمّل هاشم ما ضاق عنه ... وأعيا أن يقوم به ابن بيض
أتاهم بالغرائر متأقات ... من أرض الشام بالبر النقيض
فأوسع أهل مكة من هشيم ... وشاب الخبز باللحم الغريض
فظل القوم بين مكللات ... من الشيزاء حائرها يفيض٣ ا. هـ.
стр. 95
والظاهر أن هاشما لقي مجدا وعزا ومكانة لم يحظ ببعضها أحد، فأثار بذلك حسد الأقران له لما انقطعوا دون بلوغ شأوه وأورثوا هذا الحسد أبناءهم من بعدهم، ولم يشفع لهاشم ما قدم لقومه من خير وما رفع لهم من ذكر وما وطد لهم من تجارات، فإن ابن سعد يروي لنا بعد ما تقدم من صنع هاشم، أول ما زرع الشر بين بني أمية وبني هاشم قال: "فحسد هاشما أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان ذا مال فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره، فلم تدعه قريش وأحفظوه. فقال لأمية: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين، فرضي أمية بذلك وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي, فنفّر هاشما عليه، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين, فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية"١.
جرى بنو قصي على سنة أبيهم في إطعام الحاج إلا أن هاشما
стр. 96
امتاز منهم جميعا فسار بهذه السنة إلى شوط بعيد لم يبلغه أحد قبله ولا بعده، ولا غرو فقد كان من الغنى بالمكان المشهور وأسعفه في التجارة حظ قلما أتيح لغيره. وعلى يده وأيدي إخوته فتحت لقريش أسواق في بلاد الروم وفارس والحبشة، فصنع للحاجّ ما لم يصنعه أحد. ونحن عارضون لك من ذلك ما وصفه ابن أبي الحديد ومنبهوك خاصة على شرف هاشم وكمال مروءته في حرصه على ألا يطعم الحاج إلا ما حل كسبه:
كان يقوم أول نهار اليوم الأول من ذي الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها, فيخطب قريشا فيقول: "يا معشر قريش, أنتم سادة العرب، أحسنها وجوها وأعظمها أحلاما وأوسطها أنسابا وأقربها أرحاما. يا معشر قريش, أنتم جيران بيت الله, أكرمكم بولايته وخصكم بجواره دون بني إسماعيل، وحفظ منكم أحسن ما حفظ منكم جار من جاره, فأكرموا ضيفه وزوار بيته, فإنهم يأتونكم شعثا غبرا من كل بلد. فورب هذه البنية، لو كان لي مال يحمل ذلك لكفيتكموه, ألا وإني مخرج من طيب مالي وحلاله ما لم يقطع فيه رحم ولم يؤخذ بظلم ولم يدخل فيه حرام فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل. وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج منكم رجل من ماله
стр. 97
لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيبا لم يؤخذ ظلما ولم يقطع فيه رحم ولم يغتصب" فكانت قريش تخرج من صفو أموالها ما تحتمله أحوالها, وتأتي به إلى هاشم فيضعه في دار الندوة لضيافة الحاج١. ا. هـ.
والمرء -وإن حدثته نفسه فيما روى ابن أبي الحديد- موقن أن هاشما في الغاية من النبل والشرف وتحري الطيب من المكاسب. كان إذا جمع الأموال من قريش يأمر بحياض٢ من أدم فتجعل في موضع زمزم ثم يستقى فيها الماء من آبار مكة فيشربه الحاج, وكان يطعمهم أول ما يطعم, قبل التروية بيوم بمكة وبمنى وجمع٣ وعرفة. وكان يثرد لهم الخبز واللحم والسمن والسويق والتمر ويجعل لهم الماء فيسقون بمنى -والماء يومئذ قليل- في حياض من الأدم إلى أن يصدروا من منى, فتنقطع الضيافة ويتفرق الناس لبلادهم.
لم تكن أمور قريش وخدمة الحجيج لتصرف هاشما عن تجاراته وأسفاره, بل كان بين هذا وذاك يقود قوافل قريش إلى الشام, وقد تزوج قبيل وفاته في إحدى هذه الرحلات. والفضل لابن سعد في وقوفنا على بعض تفاصيل للعير التي خرج بها هاشم، كما له الفضل في
стр. 98
معرفتنا ممارسة المرأة العربية للتجارة, ومشاركة الرجال في الجاهلية بالخروج إلى الأسواق والاتجار فيها, قال:
"خرج هاشم في عير لقريش، فيها تجارات. وكان طريقهم على المدينة، فنزلوا بسوق النبط فصادفوا سوقا تقوم بها في السنة يحشدون لها, فباعوا واشتروا ونظروا إلى امرأة على موضع مشرف من السوق، فرأى امرأة تأمر بما يشترى ويباع لها، فرأى امرأة حازمة جلدة، مع جمال. فسأل هاشم عنها: أأيّم هي أم ذات زوج؟ فقيل له: "أيّم, كانت تحت أحيحة بن الجلاح فولدت له عمرا ومعبدا، ثم فارقها" وكانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها، فإذا كرهت رجلا فارقته. وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. فخطبها هاشم فعرفت شرفه ونسبه، فزوجته نفسها ودخل بها وصنع طعاما ودعا من هناك من أصحاب العير الذين كانوا معه وكانوا أربعين رجلا من قريش, فيهم رجال من بني عبد مناف ومخزوم وسهم، ودعا من الخزرج رجالا وأقام بأصحابه أياما. وعلقت "منه" سلمى بعبد المطلب فولدته في رأسه شيبة فسمي شيبة. وخرج هاشم في أصحابه إلى الشام حتى بلغ غزة فاشتكى فأقاموا عليه حتى مات, فدفنوه بغزة
стр. 99
ورجعوا بتركته إلى ولده"١.
ذكر ياقوت أن قبر هاشم بغزة حيث مات، وأنها لذلك يقال لها: غزة هاشم, وروى لمطرود الخزاعي في رثائه:
مات الندى في الشام لما أن ثوى ... فيه بغزة هاشم لا يبعد
قال ياقوت: "مات هاشم بغزة وعمره خمس وعشرون سنة وذلك الثبت, وقيل: عشرون". وفي النفس من هذا التقدير شيء؛ لأن ما حفلت به حياة هاشم وما تم لقومه على يديه يندر أن يكمل لابن خمس وعشرين.
قام بأمر قريش بعد هاشم أخوه الأصغر المطلب بن عبد مناف, وكان ذا شرف في قومه وفضل, وكانت قريش إنما تسميه الفيض لسماحته٢ وفضله, وقد ضم إليه ابن أخيه شيبة بن هاشم في أحد أسفاره فدخل به مكة مردفا إياه على بعيره, فظنت قريش أنه غلامه فقالوا: عبد المطلب, فقال المطلب: ويحكم, إنه شيبة ابن أخي هاشم، قدمت به من المدينة. ولما خرج المطلب في رحلة له إلى اليمن مات بردمان، وكان آخر من مات من بني عبد مناف: نوفل الذي تقدم أنه مات بسلمان من أرض العراق، فذكرهم مطرود بن كعب الخزاعي في رثائه فقال:
стр. 100
أربعة كلهم سيد ... أبناء سادات لسادات
ميت بردمان وميت بسلـ ... ـمان وميت بين غزات١ ... إلخ
ثم انتهت السقاية والرفادة من بعده إلى عبد المطلب بن هاشم, فأدار أمور قومه وأهم ما صنع لهم حفر بئر زمزم, وقد كان في قريش ذا هيبة ومكانة.
وفي أيامه هددت مكة وتعرضت مكانتها التجارية للهبوط؛ إذ قصدها أبرهة "يريد بلا شك الاستيلاء على مكة ومفاتيح تجارتها"٢, فاعتصمت قريش في شعف الجبال وفي الشعاب؛ تخوفا من معرة الجيش, وأخذ عبد المطلب بحلقة باب الكعبة مع نفر من قريش يستعدي رب البيت على الأحباش بما لا غرض لنا بذكره هنا، إلا أننا لا نرى مندوحة
стр. 101
عن التعرض للتقدمة التي قدّم بها أنيس "سائس فيل أبرهة", عبد المطلب إلى أبرهة, إذ قال له: "أيها الملك! هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك, وهو صاحب عير مكة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في رءوس الجبال"١. وكان أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير أصابها خارج مكة فأتاه يستردها. وإذا كان مائتا بعير مما يملك مثل عبد المطلب وأضفت إلى ذلك ما يذكر الرواة من أن عبد المطلب أمهر امرأته فاطمة بنت عمرو مائة ناقة ومائة رطل من الذهب٢، وهو لم يشتهر بكثرة الأسفار كما اشتهر غيره من القرشيين، أمكنك أن تتصور الغنى الذي تمتع به هذا البطن من العرب.
وعبد المطلب هذا هو الذي رأس وفد قريش الذي ذهب إلى سيف بن ذي يزن ليهنئه بالملك وبالظفر. وقد لقي الوفد ورئيسه خاصة من إجلال الملك وإكرامه ما تجد تفصيله في العقد الفريد "١/ ١٧٥"
стр. 102
فارجع إليه ثمة، وكان قبيل ذلك قد وفد إلى معديكرب حين ملك على اليمن١. وينسب إلى عبد المطلب هذه الأبيات يذكر فيها حرمة البيت, ويعرض لجيش أبرهة:
نحن آل الله في ذمته ... لم نزل فيها على عهد قدم
إن للبيت لربا مانعا ... من يرد فيه بإثم يُخترم
لم تزل لله فينا حرمة ... يدفع الله بها عنا النقم٢
ثم أفضى الأمر من بعده إلى أصغر أولاده العباس بن عبد المطلب ورسول الله ﷺ يومئذ ابن ثماني سنين, وبقي الأمر في يده حتى جاء الإسلام.
ومن تمام الوصف أن نختصر هنا عن العقد الفريد توزيع "الوظائف الرسمية" على بطون قريش، في هذه الجمهورية التجارية في مكة، التي شبهها "لامنس" بجمهوريتي البندقية وقرطاجة؛ لسيطرة الماليين من أرباب التجارة وأصحاب رءوس الأموال٣:
стр. 103
قال ابن عبد ربه١:
"من انتهى إليه الشرف من قريش في الجاهلية فوصله بالإسلام عشرة رهط من عشرة أبطن، وهم هاشم وأمية ونوفل وعبد الدار وأسد وتيم ومخزوم وعدي وجُمح وسهم:
١- فكان من هاشم: العباس بن عبد المطلب؛ يسقي الحجيج في الجاهلية وبقي له ذلك في الإسلام.
٢- ومن بني أمية: أبو سفيان بن حرب؛ كانت عنده العُقاب راية قريش، وإذا كانت عند رجل أخرجها إذا حميت الحرب، فإذا اجتمعت قريش على أحد أعطوه العقاب وإن لم يجتمعوا على أحد رأسوا صاحبها فقدموه.
٣- ومن بني نوفل: الحارث بن عامر, وكانت إليه الرفادة.
٤- ومن بني عبد الدار: عثمان بن طلحة, كان إليه اللواء والسدانة مع الحجابة والندوة.
٥- ومن بني أسد: يزيد بن زمعة بن الأسود، وكانت إليه المشورة. وذلك أن قريشا لا تجتمع على أمر حتى يعرضوه عليه, فإن وافقه والاهم عليه، وإلا تخير وكانوا له أعوانا.
стр. 104
٦- ومن بني تيم: أبو بكر الصديق؛ وكانت إليه في الجاهلية الأشناق وهي الديات والمغرم. فكان إذا احتمل شيئا من الدماء فسأل فيه قريشا صدقوه وأمضوا حمالة من نهض معه, وإن احتملها غيره خذلوه.
٧- ومن بني مخزوم: خالد بن الوليد؛ وكانت إليه القبة والأعنة، فأما القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش، وأما الأعنة فإنه كان على خيل قريش في الحرب.
٨- ومن بني عدي: عمر بن الخطاب؛ وكانت إليه السفارة في الجاهلية. وذلك أنهم كانوا إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب بعثوه سفيرا، وإن نافرهم حي لمفاخرة جعلوه منافرا ورضوا به.
٩- ومن بني جمح: صفوان بن أمية؛ وكانت إليه الأيسار وهي الأزلام يستقسم لهم بها, إذا أرادوا أمرا من أمورهم العامة.
١٠- ومن بني سهم: الحارث بن قيس؛ وكانت إليه الحكومة والأموال المحجّرة التي سموها لآلهتهم.
فهذه مكارم قريش التي كانت في الجاهلية, وهي: السقاية والعمارة١ والعقاب والرفادة والسدانة والحجابة والندوة واللواء والمشورة
стр. 105
والأشناق والقبة والأعنة والسفارة والأيسار والحكومة والأموال المحجرة، إلى هؤلاء العشرة من هذه البطون العشرة على حال ما كانت في أوليتهم، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر.
وجاء الإسلام فوصل لهم ذلك. فكانت سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وحلوان النفر في بني هاشم, والعمارة هي ألا يتكلم أحد في المسجد الحرام بهُجر ولا رفث ولا يرفع صوته، فكان العباس ينهاهم عن ذلك. وأما حلوان النفر فإن العرب لم تكن تملك عليها في الجاهلية أحدا, فإن كان حرب أقرعوا بين أهل الرياسة فمن خرجت عليه القرعة أحضروه صغيرا كان أو كبيرا، فلما كان يوم الفجار أقرعوا بين بني هاشم فخرج سهم العباس وهو صغير, فأجلسوه على المجن".
"٢"
هذا أمر سراة قريش ورؤسائهم, فأما عامتهم فقد أخذوا يشغلون مركزا ممتازا بين قبائل العرب ساعدهم على بلوغه مقامهم في مكة حيث البيت والحرم، إذ كانوا يقومون بسدانة البيت وما يحتاج إليه من خدمة وعناية. فكانت العرب تعرف لقريش شرفها ومكانتها وغناها كما تعرف لها زعامتها الدينية وسيطرتها على مكة وإدارتها.
стр. 106
"ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها عليهم وتسميها: أهل الله"١. وأبلغ تعبير عما بلغته قريش في نفوس العرب من منزلة في الجملة, قول رسول الله ﷺ فيما بعد: "الناس تبع لقريش في الخير والشر" ٢.
والقرشيون من بين عامة سكان الحجاز أغنياء مهرة في أمور التجارة لا يكاد يعرف لكثير منهم عمل غير الاتجار "ومن لم يكن من قريش تاجرا, فليس بشيء"، فكانوا ينظمون عيرهم في الشتاء إلى اليمن حيث يتبايعون سلع الهند والحبشة المستفيضة هناك فيحملونها إلى الحجاز، وعيرا في الصيف إذ يرحلون بما حملوا من الحبشة والهند وما عندهم أيضا من محصول بلادهم كالتمر والأدم إلى الشام, فيفرغون في أسواقها: غزة وبصرى وغيرهما، ما في أحمالهم ويأخذون بدلا منها ما في الشام مما لا يكون بالهند ولا بالحبشة.
وكانوا يسيرون قوافل عظيمة معها حامياتها وأدواتها ومعهم الأدلاء يسيرون بين أيديهم. أما الحاميات فأكثر ما تكون من بني غفار ومن إليهم، ممن يتقاضون على مرافقة العير وحمايتها جُعْلا من قريش، هذا عدا عبدان قريش ومواليها وأحلافها.
اختلاط القرشيين بالروم والفرس والحبشان بسبب التجارة
стр. 107
جعلهم يتميزون من سائر العرب بميزات أفادوها من هذا الاختلاط؛ فتعلم فريق منهم الكتابة من الحيرة ونشروها لما رجعوا إلى بلادهم, فكان في مكة والطائف عدد يسير يحسنون الكتابة١. ويذكرون أنه كان لبشر أخي أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل صحبة بحرب بن أمية التاجر القرشي الكبير؛ لتجارته عندهم في بلاد العراق, فتعلم حرب منه الكتابة ثم سافر معه بشر إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب، فتعلم منه جماعة من أهل مكة, فبهذا كثر من يكتب بمكة من قريش قبل الإسلام. ولذلك قال رجل كندي من أهل دومة الجندل يمنّ على قريش بذلك:
لا تجحدوا نعماء "بشر" عليكم ... فقد كان ميمون النقيبة أزهرا
أتاكم بخط الجزم حتى حفظتم ... من المال ما قد كان شتى مبعثرا
وأتقنتم ما كان بالمال مهملا ... وطامنتم ما كان منه منفرا
فأجريتم الأقلام عودا وبدأة ... وضاهيتم كتاب كسرى وقيصرا
وأغنيتم عن مسند الحي حمير ... وما زبرت في الصحف أقيال حميرا٢
стр. 108
ومهما يكن, فقد كان أكثر كتاب الوحي لرسول الله ﷺ منهم, ومن هنا كان القرشيون أقرب العرب من علم وثقافة وتهذيب؛ لمخالطتهم هؤلاء الأجانب المتحضرين وقبسهم شيئا من تعاملهم في بيوعهم, وأنظمتهم في تجارتهم حسبما كانوا يرون في الأسواق التي كانوا يحطون رحالهم فيها. وهذه الأسواق وإن لم تكن في الدرجة الأولى بين أسواق الرومان، ولا كان أهلها سابقين في مضمار الحضارة كثيرا, لم تخل من آثار بعيدة في التحضر استفاد منها تجار مكة شيئا بعتد به في السياسة والاقتصاد.
بل, لقد تأثروا برحلاتهم هذه ببعض المعتقدات أيضا؛ فقد ذكروا أن عبادة الأصنام طارئة على أهل مكة من الشام، وأن عمرو بن لحي -فيما زعموا- أول من نشر عبادة الأصنام حول الكعبة حين حمل معه صنما من أصنام وجدها في جنوب الشام, فنصبه في الكعبة١.
وفشت في جماعة من قريش زندقة, حتى قال صاعد: "كانت الزندقة في قريش, أخذوها عن أهل الحيرة"٢.
فأنت ترى أن هذه الرحلات أثّرت حتى في معتقدات العرب
стр. 109
ومن القريب المألوف أن يحمل الرحّالون من البلاد التي ينزلونها شيئا من طرائقها في العادات والدين والأخلاق والعروض والأزياء يتحدثون عنه إذا ردتهم أسفارهم إلى بلادهم, فيعجبون منه ذويهم وجيرتهم ممن لم يكن له بتلك البلاد عهد، وما أكثر ما يحاول الإنسان تقليد من يملأ عينه.
أفادت قريش من هذه الرحلات وهذا الاختلاط بالأمم التي سبقتهم، كثيرا من اللباقة والكياسة إلى ما عرفت به من الفصاحة المشهود لهم بها, حتى إن العرب كانت تعرض شعرها على قريش. وعرض علقمة الفحل عليهم شعره فوصفوه بسِمْط الدهر١، وثقفت ألوانا من الدهاء والاحتيال، لا يحسنها إلا من رسخت قدمه في التجارة وأسبابها وضروب تعاطيها، حتى إذا دار الزمان وقضي للعرب أن تكون لهم دولة ذات سياسة داخلية وخارجية، كان أقطاب هذه الدولة وأركانها أولئك التجار الذين يعرفون كيف يتأتون للأمور, ويتلطفون لمواجهة الصعاب وتذليل العقبات وحل المشكلات من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وأبي سفيان ومعاوية وعمرو بن العاص وزياد والمغيرة، وتلك الطبقة الممتازة من أكابر التجار٢ في الجاهلية
стр. 110
وكبار أهل الحل والعقد في الإسلام.
ومتى رميت برجل ذي ذكاء ومواهب، في قطر تجاري كالشام أو العراق "قبل الإسلام" فاختلط بالتجار، وقاسى محيطا غير محيطه، تفتّحت تلك المواهب، وانجلت عن نبوغ كبير ما كان لينكشف لو جمد صاحبه في محيطه الضيق، بين شعاف مكة وبطاحها. إن شئت فانظر إلى هذا الاحتيال المضاعف الذي أتاه المغيرة بن شعبة وضحك به على كل خمّار في الحيرة "إن كان ليعجز عن أقل منه أقطاب فضائح "ستافسكي" رغم ما يجهزهم به العصر العشرون من وسائل وعدد".
ولعل في هذه القصة التي سأوردها لك بيانا شافيا لهذا الدهاء التجاري الذي تمرّست به قريش, وامتازت به من العرب قاطبة:
قال المغيرة بن شعبة:
"أول ما عرفني به العرب من الدهاء والحزم، أني كنت في ركب من قومي، في طريق لنا إلى الحيرة فقالوا لي: "قد اشتهينا الشراب, وما معنا إلا درهم زائف" فقلت: "هاتوه وهلموا زقين". فقالوا: "وما يكفيك لدرهم زائف زق واحد! " قلت: "أعطوني ما طلبت وخلاكم ذم" ففعلوا وهم يهزءون من قولي.