← История

История · id 9999

أسواق العرب في الجاهلية والإسلام

سعيد الأفغاني

Полный текст (499 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فسعى الأشرف بعضهم إلى بعض, وعقدوا الحلف وأكّدوه ونصبوا أنفسهم لحمايته. أما السبب المباشر لعقد هذا الحلف, فما ذكروا١ من أن رجلا من زبيد من أهل اليمن باع سلعة من العاص بن وائل السهمي "وهو قرشي" فظلمه بالثمن, فأوفى على جبل أبي قبيس رافعا عقيرته وقريش في أنديتها، فذكر ظلامته في شعر له وهو: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال وبين الحِجْر والحَجَر إن الحرام لمن تمت مكارمه ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر٢ فتداعت لذلك قريش واجتمعت إليه بنو هاشم وزهرة وبنو أسد بن عبد العزى, فدخلوا دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه, وتعاقدوا بالله: ليكونُن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه. فلا يجدون بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه, وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته ا. هـ.

стр. 177

وزاد الجاحظ: "وفي التآسي في المعاش, والتساهم بالمال"١ وكان من أسرعهم تلبية له الزبير بن العوام٢. شهد هذا الحلف رسول الله ﷺ وهو فتى, فلما أكرمه الله بالرسالة حمد أثره, وكان به جذلان مغتبطا حتى رووا عنه قوله: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت"، "لا يزيده الإسلام إلا شدة". وكان هذا الحلف منصرف قريش من حروب الفجار لعشرين سنة من عام الفيل, فتكون سن رسول الله حينئذ عشرين سنة٣. وذكروا في سبب تسميته حلف الفضول، أنه أشبه حلفا وقع لثلاثة من جرهم, كل واحد منهم يقال له: الفضل. وأقرب من هذا

стр. 178

المذهب إلى الواقع ما ذكره صاحب القاموس من أن سبب تسميته بذلك؛ لأنهم تحالفوا ألا يتركوا عند أحد فضلا يظلمه أحدا إلا أخذوه له منه. وهذا هو الصحيح لوضوحه وقربه, ولأن ثمرة الحلف كله هي رد الفضول لأهلها. ومن يتدبر الأسباب التي تكلفها الرواة فجعلوها كمقدمات لعقده, ويمحصها يجد أن الداعي الأول له حرص قريش على سمعة بلدهم التجارية أن تثلم بين العرب, فتتزعزع ثقتهم بقريش وبلدهم. وليس يظفر من كل تلك الأسباب المذكورة بالقبول إلا ما تقدم, فإن الحوادث وحالة مكة وأمور قريش يومذاك تؤيده كل التأييد. ومن البعيد أن يعقد مثل هذا الحلف من أجل ظلامة الزبيدي هذا، من غير أن تتكرر الحوادث المشابهة لها حتى تفاقم الأمر, وألف رجال كثيرون إتيان المظالم. عظمت قريش أمر حلف الفضول واهتمت به كل الاهتمام, ولم ينقطع أمره بالإسلام بل ظل مستمرا أقوى ما كان قط, وحسبك قول النبي ﷺ : "ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت". ثم كان يدعو بهذا الحلف كل مظلوم: دافع أبي بن خلف الجمحي بارقيا عن ثمن سلعته, فتظلم هذا قائلا:

стр. 179

أيأخذني في بطن مكة ظالما ... أبي ولا قومي لدي ولا صحبي وناديت قومي صارخا لتجيبني ... وكم دون قومي من فياف ومن سهب ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي ... بني جمح والحق يؤخذ بالغصب١ فأخذ له بنو هاشم ثمن سلعته. ورأى نُبيه بن الحجاج "قتول" بنت التاجر الخثعمي وكانت حسناء باهرة، فكابر التاجر على ابنته حين رأى جمالها فتظلم إلى ذوي الحلف, فانتزعوا ابنته من نبيه الذي قال في ذلك: إنني والذي يحج له ... شمط إياد وهللوا تهليلا وخشيت الفضول حين أتوني ... قد أراني ولا أخاف الفضولا لبراء مني قتيلة يا للنا ... س هل يبتغون إلا القتولا٢ وذكر الجاحظ أن بني هاشم وحلفاءهم انتزعوا الظلامات من رجال كثيرين, وأنه "لم يكن يظلم بمكة إلا رجال أقوياء, ولهم العدد

стр. 180

والعارضة"١. ويحلو لي هنا أن أبين للقارئ امتداد هذا الحلف التجاري في حياة المسلمين وتمسكهم به، فابن هشام يروي: أن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كان واليا على المدينة، ولّاه عليها عمه معاوية, وكان بين الوليد والحسين بن علي منازعة في مال كان بينهما بذي المروة, وكان الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه يومئذ، فقال الحسين: "أحلف بالله: لتنصفنّي من حقي أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله ﷺ ثم لأدعون بحلف الفضول ... " وكان عبد الله بن الزبير حاضرا مجلسهما هذا, فغضب للحسين وقال يتهدد الوليد: "وأنا أحلف بالله: لئن دعا به لآخذن سيفي, ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا". وبلغ هذا الخبر المسور بن مخرمة بن نوفل, فقال مثل ما قال ابن الزبير، وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ كل هذا الوليد بن عتبة خاف مغبتها, وأنصف الحسين من حقه٢. فأنت ترى كيف كان القوم سراعا إلى تنفيذ هذا الحلف, وكيف

стр. 181

تهيئوا لنصرته وللاستجابة لمن دعا به وهو أثر غير قليل. وأي معاهدة تمضي فتبقى لها مثل هذه القوة بعد أكثر من سبعين سنة من عقدها! بل لقد تحمس لها الصحابة أشد التحمس وكان اندفاعهم لصيانتها أقوى مما تقدم. لقد تحفزوا للقيام بوجه خليفة ذي سلطان قاهر وكادت تكون فتنة لولا أن أذعن معاوية كما أذعن واليه ابن عتبة. ومن الخير أن أنقل لك صورة هذا الاندفاع؛ لتتعرف مدى بلوغها من قلوب القوم: جاء في شرح نهج البلاغة "٣/ ٤٦٤" ما يأتي: "كان بين الحسين ومعاوية كلام في أرض للحسين، فقال له الحسين: اختر مني واحدة من ثلاث خصال: إما أن تشتري مني حقي، وإما أن ترده عليّ، أو تجعل بيني وبينك ابن عمر وابن الزبير حكما، وإلا فالرابعة وهي الصَّيْلَم١. قال معاوية: وما هي؟ قال: "أهتف بحلف الفضول ... " ثم قام فخرج وهو مغضب، فمر بعبد الله بن الزبير فأخبره, فقال عبد الله: والله لئن هتفت به وأنا مضطجع لأقعدن، أو قاعد لأقومن، أو قائم لأمشين، أو ماشٍ لأسعين، ثم لتنفذنّ روحي مع روحك أو لينصفنّك ... ". فبلغت معاوية فقال: "لا حاجة لنا بالصيلم". ثم أرسل إليه:

стр. 182

"أن ابعث فانتقد مالك, فقد ابتعنا منك". ومما لا شك فيه أن موقف غير ابن الزبير لو استفحل الأمر سيكون مثل موقفه، ومعاوية أدهى من أن يؤلب عليه من لم ينفض يده بعد من تألفهم، ومن لا تزال السيوف التي حاربوه بها على عواتقهم، لمّا ينقض على إغمادها كبير زمن وما هي بحاجة لتشهر إلى كبير أمر ... وقد عرّض ابن الزبير بحلف الفضول مرة أخرى يهدد معاوية، فقد تحدثا عن الحسين بن علي, فقال ابن الزبير: "أما والله إني وإياه ليد عليك بحلف الفضول" فقال معاوية: "من أنت؟! لا أعرض لك وحلف الفضول ... والله ما كنت فيها إلا كالرهينة تثخن معنا, وتردى هزيلا"١. وانظر هذه الحسرة الخفية من يعسوب الأمويين عبد الملك بن مروان، على أن أمية لم تدخل الحلف، وتأمل كيف أراد بصورة غير مباشرة أحد سراة بني نوفل، على أن يتملقه فيشهد له بدخول أمية ونوفل فيها، وكيف لم يستطع هذا إلا أن يجهر له بالحق لقرب العهد بأصحاب الفضول، ولأن الذين يعرفونها ويعرفون عاقديها لم يموتوا بعد. قال ابن هشام:

стр. 183

"كان محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف من أعلم قريش، فدخل على عبد الملك بن مروان حين قتل ابن الزبير، واجتمع الناس على عبد الملك، فلما دخل عليه قال له: "يا أبا سعيد, ألم نكن نحن وأنتم "يعني: بني عبد شمس بن عبد مناف, وبني نوفل بن عبد مناف" في حلف الفضول؟ " قال محمد: "أنت أعلم! ... " قال عبد الملك: "لتخبرني يا أبا سعيد بالحق من ذلك" فقال: "لا والله، لقد خرجنا نحن وأنتم منه" قال: "صدقت". كانت قريش إذًا ذات مشاكل تجارية, فقام لها هذا الحلف مقام المحاكم التجارية والقوة التنفيذية معا، فكان سلطانها مهيبا في النفوس، وكانت خير وازع لمن تحدثه نفسه بظلم وإن تمتع بالسلطان, وكانت أحسن ضامن لحقوق الضعفاء ممن عدموا المنعة والنصير.

стр. 184

الباب الثالث: أسواق العرب مدخل ... الباب الثالث أسواق العرب: أنشأ العرب -ومركزهم التجاري ما قدمنا- أسواقا لهم يتبايعون فيها. ولعل هذه الكلمة -كما ذكر ابن سيده- اشتقت من سَوْق الناس بضائعهم إليها، ولا يستدعي وجودها في اللغات السامية أن تكون كلمة السوق العربية مأخوذة منها، فلعل الواقع هو العكس. وليس من لزوم في هذا الاستقصاء المتكلف, ما دامت هذه الأخوات من أم واحدة. فمن هذه الأسواق ما كان يقتصر على ما يجاوره من القرى وما ينزل بساحه من القبائل كسوق هجر وحَجْر اليمامة والشحر وغيرها، ومنها ما كان عاما تفد إليه الناس من أطراف الجزيرة كلها كعكاظ. ولكل مدينة -بطبيعة الحال- أسواق, وإنما المقصود هنا الأسواق الموسمية منها، التي لها أيام معينة تقوم فيها ويؤمها الناس. فإذا كان لإحدى هذه الأسواق موقع جغرافي ذو بال، كأن تكون على ساحل البحر

стр. 185

مثل سوق عدن وصنعاء وعمان ... كان شأنها ممتازا من بقية الأسواق التي في قلب الجزيرة كحجر أو كحضرموت؛ لشيوع الاتجار فيها مع الجيران من هند وحبشة وفرس في الأولى، واقتصار الثانية على القبائل المتاخمة لها. فتتميز الأسواق التي على فُرَض البحر بوجود النزال الأجانب وتأثر أصحابها باختلاطهم بهؤلاء, وما يستتبع ذلك من تغيير في العادات والرقيّ والصبغة، فليس من المعقول أن تكون أحوال سوق صنعاء مثلا مشابهة كل المشابهة الأحوال التي لسوق هجر، أو التي لسوق الجند١ القديمة باليمن، أو سوق الجُرَيب وهي خاصة باليمن أيضا، يتسوقها في موعدها عشرة آلاف٢, أو سوق وادي القرى, أو سوق "قُرْح"٣ الذي هلك فيه قوم عاد فيما يزعمون.

стр. 186

كان يلي أمر الناس, والنظر في شئونهم التجارية في بعض هذه الأسواق أمراء يعشرون الناس كأكيدر في دومة الجندل والمنذر بن ساوى في سوق حَجْر، وهناك رؤساء يهبطون الأسواق لجمع الإتاوة وأشراف يتوافون بتلك السوق التي هي في الغالب تحت سيطرة أمير من الأمراء؛ ليستوفوا نصيبهم من الربح الذي جعله لهم ذلك الأمير ... بل إن بعض الأسواق كانت تقع إلى سلطان دولة أجنبية كسوق المشقَّر الذي تحكم كسرى بأهله وتجارته، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام على الأسواق سوقا فسوقا. أما عروض التجارة التي كانت تُحمل إلى الأسواق, فأكثرها لا يتعدى التمر والزبيب والزيت والسمن والأدم والورس والغالية والبرود, وبعض ضروب الحيوان كالمواشي والأنعام والخيل حتى القرود أحيانا. وكانت هجر أشهر البلدان بتمرها، وعمان يحمل إليها الورس ويعالج فيها. وكانت لطائم النعمان تسير إلى عكاظ، ولطائم كسرى إلى المشقر، تأتي كل سنة فتباع ويشترى بأثمانها الأدم والتمر. وكان يقوم بحمايتها عرب الحيرة ما دامت في مناطق نفوذهم، فإذا فصلت نحو عكاظ كان لا بد لها من حامٍ منيع الجانب, عزيز القبيلة ليجيزها على عامة

стр. 187

القبائل, وقد استفاد العرب من هذه الحماية فوائد مادية جلّى. تلك الأسواق في الجزيرة, وما إليها كانت تلبية لضرورات محلية اقتضتها معيشة العرب وطبيعة توزعهم في أرضيهم، وليست شيئا مجلوبا حاكوا به غيرهم كما يتكلف بعض المتعرضين لهذا البحث١. حملت هذه الحركة التجارية كثيرا من ألوان الترف إلى العرب وكان لا عهد لهم بمثلها، فتغالى أشرافهم بالثياب والبرود والسلاح والطيب, بل إن الرواة ليذكرون أن خمرا حملت من بصرى وغزة من بلاد الشام إلى سوق مجنة قرب مكة. ويظهر أن العرب اعتادت استجادة الخمر والافتنان بشربها واستطابتها من معادنها المشهورة كالبلدتين المذكورتين وأذرعات وأندرين وغيرها، شاع ذلك في الرجال والنساء. وسيمر بك عند الكلام على عكاظ أن امرأة أرسلها زوجها إلى عكاظ بسمن ومعها راحلتان, فشربت الخمر بثمن السمن فاستطابتها ثم باعت راحلتيها, فشربت بثمنهما, ثم رهنت ابن الرجل وشربت أيضا٢.

стр. 188

ونحن نعلم أن كثيرا من الشعراء والفتيان كانوا يتمدحون بالإنفاق على الخمر والتردد على أصحاب الحوانيت والجلوس إليهم، واذكر إن شئت أبيات عنترة: ولقد شربت من المدامة بعدما ... ركد الهواجر بالمشوف المعلم

стр. 189

بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مفدَّم فإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم ... ١ أو قول الأعشى: "وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... إلخ". والظاهر أن حب الخمرة تغلغل في نفوس عامة العرب وغمرت بحوانيتها أسواقهم, وعكفوا عليها حتى ما يستطيعون لها تركا. وإن الأعشى الشاعر هذا، أراد أن يقصد النبي ﷺ بالمدينة فيسلم، وأشفق مشركو مكة من هذا السلاح أن ينضم للإسلام فصدوه عن وجهه ذاك، وكان أقوى عامل في رده ما أخبروه من أن الإسلام يحرم الخمرة، ولم يكن بالشاعر قدرة على تركها فصرفه ذلك عن قصده وقفل راجعا، فأدركته المنية ولم يكتب له الإيمان٢. وخير ما نستدل به على استفاضتها في أسواقهم, وإدمانهم لها أن الأخباريين يعدون في الجاهلية

стр. 190

كلها أشخاصا لا يبلغون العشرين حرّموا على أنفسهم الخمر١, فتميزوا

стр. 191

بهذا الوصف من سائر العرب، ولم يكن لتميزهم هذا من قيمة لولا فشوّها في قبائل العرب فشوّا قويا جعلها في حكم الضرورة التي لا مندوحة عنها. يغشى هذه الأسواق عامة العرب؛ لما تقدم من أن شغل أكثرهم التجارة, ومن لم يتاجر قصدها للكسب والشراء حتى صار غشيان السوق والمشي فيها، هما والاتجار ألفاظ مترادفة، ففي البخاري: "استأذن أبو موسى على عمر فلم يؤذن له فرجع، ففرغ عمر فقال: "ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ ائذنوا له" قيل: "قد

стр. 192

رجع". فدعاه فقال "أبو موسى": "كنا نؤمر بذلك". فقال عمر: "تأتيني على ذلك بالبينة". فانطلق "أبو موسى" إلى مجلس الأنصار فسألهم فشهد أبو سعيد الخدري، فقال عمر: "أخفي هذا علي من أمر رسول الله ﷺ ؟! ألهاني الصفق في الأسواق؟! " يعني: الخروج إلى التجارة١. وكان في جملة ما احتج به المشركون على رسول الله ﷺ قولهم: " ... فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك, سل ربك ... فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمس ... إلخ"٢. وحكى الله عنهم قولهم هذا فقال: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ ٣ وقال في المرسلين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ ... ﴾ ٤, فكنى بالمشي في الأسواق عن التجارة، ووُصف ﷺ بأنه ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق٥. ولأن العرب لا تحتشد لشيء

стр. 193

احتشادها في هذه الأسواق، كان رسول الله ﷺ يقصدها أول دعوته, ويعرض نفسه على القبائل في هذه المواسم. كان أعظم ما يحدو العرب في الجاهلية على قصد تلك الأسواق ما قدمت لك من قيام كثير منها في الأشهر الحرم, ولشيوع الأمن حرمة للشهر، ولأن مواسم بعض الأسواق كعكاظ ومجنة وذي المجاز تقع في أيام حجهم وهي أعمر أسواق العرب بمختلف القبائل يأتونها من كل أوب ومعهم خيرات بلادهم, وتلك ميزة لا تتمتع بها بلدة غير مكة ولا قوم غير قريش، وقد امتن الله عليهم بذلك فقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١. وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ٢. وافقت هذه المواسم زمن الحج٣, واختلط أمرها بشعائره "فمنى

стр. 194

وعرفة وعكاظ ومجنة وذو المجاز مواعيدها مواسم الحج" فإذا انفضّوا من ذي المجاز تروّوا من الماء ونادى بعضهم بعضا: "ترووا من الماء"؛ لأنه لا ماء بعرفة يومئذ ولا بالمزدلفة، ولهذا سمي اليوم الثامن من ذي

стр. 195

الحجة بيوم التروية. وكانوا في الجاهلية لا يتبايعون في منى ولا في عرفة، يخصون هذين المكانين بالحج الخالص، لا يخلطونه ببيع ولا شراء؛ فلما جاء الإسلام فكأنهم تأثّموا أن يتجروا في المواسم, فأنزل الله تعالى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ١. وزاد ابن عباس في قراءته: "في مواسم الحج" والفضل هو الرزق والكسب والاتجار، وكذلك كان يتلوها أبي تلاوة٢. والغريب أن هذه الأسواق، كما يقصدها طالب الربح والشراء،

стр. 196

يقصدها طالب الأمن والفداء، فكم أوى إليها من خائف يطلب من يجيره فيجده ويلجأ إليه ويأمن, وكم من رجل حمل معه فداء أسيره ففكه من آسره, وكم من سادات تحملوا ديات ودماء فكانوا سبب الصلح بين قبيلين كبيرين، بل إنا لنسمع فيها منادين ينادون ذوي الحاجات لتقضى حاجاتهم، كما نرى فيها أمراء ورسل ملوك يقصدونها لأخذ ما لهم على بعض القبائل من إتاوات وغرامات كل سنة, فموعدهم بها أيام المواسم. وإذ إن أكثر هذه الأسواق حولية تقوم أياما معلومات في كل عام، كان من المعقول أن تكون ميدانا لغير البيع والشراء، كان فيها تناشد أشعار، وكان فيها تفاخر وتكاثر، وتنافر ومقارعة ومعاظمة ... فيفوز في هذا أقوام ويخسر آخرون، وتحتفل العرب لها الاحتفال اللائق بها. وكان لهم حكام معلومون يفضّون المشاكل بين القبائل١، ولهم محكِّمون يحتكم إليهم الناس في مفاخراتهم وأشعارهم، كما لهم في هذه الأسواق خطباء.

стр. 197

يغشى الناس الأسواق إذًا لمآرب شتى، وغايات متباينة؛ فمن طالب قاتل أبيه يريد ليعرفه حتى يتربص به السوء فيما بعد، ومن ملتمس حماية شريف من عدو ألد، ومن باغٍ زوجا، أو مستطيل بعز ومنعة، أو جالس ليأتيه أتباعه بإتاوة، ومن عارض سلَب قتيل ليبيعه فيظفر به أهل القتيل، ومن فرسان يتقنعون، بعضهم حذرا من غدر أهل التارات، وآخرون يردون مقنعين خوفا من العين وحذرا على أنفسهم من النساء لجمالهم١، ومن بغايا ضرب عليهن القباب، وشبان يتعرضون للمتبرقعات من النساء ... إلى آخر ما هناك مما سيمر بك مفصلا, وخاصة عند الكلام على عكاظ. ولا يقل شأنًا عن النشاط التجاري في أسواقنا تلك، أثر هذا الاختلاط في اللغة والدين والعادات، فإن قيام قريش عليها الأعوام الطويلة قبل البعثة، مكّنها من أن تتبوّأ في اللغة المكان الأعلى؛ لأن لغات القبائل عامة يمنيها وعمانيها وشاميها وعراقيها ونجديها وتهاميها, تطرق مسامعها على الدوام فتختار منها ما يحسن، وتنفي ما يقبح. وقامت على هذا الاصطفاء زمنا كافيا حتى خلصت لها هذه اللغة الممتازة،

стр. 198

وتهيأت لينزل بها القرآن الكريم على أفصح وجه, وأبلغه وأتمه كمالا وسلاسة وجمالا. وكان الشعراء الذين ينظمون لينشدوا بعكاظ، يتوخون اللغة المجمع على فصاحتها، والتي صار لها من النفوذ والشيوع ما للغات العامة اليوم، فكأن لهجة قريش هي اللهجة الرسمية بين لهجات الجزيرة كلها, حتى اليمن والحيرة وغسان١. أما العادات فما أمرها بالذي يحتاج إلى شرح وتبيين، فإن كل اختلاط بين فريقين لا بد أن ينتهي بأثر في كل منهما؛ فاليمني يقبس شيئا من أخلاق الحجازي، والنجدي يحمل ألوانا من عادات العماني أو الحيري ... وهلم جرا. وكذلك قل في الدين، بل إن أثر هذا الاختلاط في الدين أبلغ؛ لقيام الجميع بمناسك واحدة يؤمهم فيها قريش أهل الحرم٢.

стр. 199

فأعظم آثار الأسواق قبل البعثة هو هذا التوحيد الذي جرى بين القبائل العربية من عامة الأقطار. وأريد أن أنبه بصورة خاصة إلى التوحيد اللغوي، الذي كان للشعراء والحكام فيه على مدى سنين متطاولة أبلغ الأثر، في انتقاء الألفاظ والأساليب وشيوعها بوساطة الرواة في القبائل. وإذا شئت أن أختصر ذلك كله بكلمة واحدة قلت: إن نهضة الشعر مدينة للأسواق، بل مدينة لعكاظ خاصة. عرف لها هذا الأمر منذ الجاهلية وحتى اليوم. فلما كان الإسلام ضعُف الشعر، وانصرف العرب إلى الفتوح، واشتغلوا بالقرآن والسنة وفهم أحكام الشريعة، فضؤل أمر عكاظ وخمل ذكرها، وانقضى عصر الفتوح وليس لعكاظ عُشر شأنها

стр. 200

الأول ... حتى إذا أُنشئ المربد استمر أمر عكاظ على التناقص، وأخذ مربد البصرة يحل مكانها ويتمم رسالتها في الأدب والشعر، بل زاد عليها بما استجدّ الإسلام وحالة العرب الاجتماعية المتحضرة، من صنوف في الأدب وألوان في المعاش والاجتماع. وأصبح المربد مرتادا لعلوم الأدب والنحو واللغة والأخبار والنوادر و ... يأخذون عن أعرابه الذين لم تخالطهم لوثة العجمة، ما يجعلون منه مادة علمهم وينبوع ثقافتهم. ولما رسخت قدم المسلمين في المدينة، وتمت لهم المدن الكبرى والعواصم العظيمة المتناهية في الحضارة، أفل نجم هذه الأسواق إذ لم يعد لها من داعٍ, وكانت لم تزل قائمة في الإسلام وعاشت ما يزيد على مائتي سنة. فعكاظ التي أنشئت قبل الهجرة بأكثر من سبعين عاما, أهملت سنة ١٢٩ للهجرة، وآخر ما انقرض من الأسواق سوق حباشة؛ تركت عام ١٩٧ للهجرة. وقد آن لنا بعد هذه المقدمة أن نعرض لك معلومات عن أشهر الأسواق في الجاهلية والإسلام، متوسعين ما أمكننا التوسع في الكلام على عكاظ في الجاهلية وعلى المربد في الإسلام؛ إذ هما أعظم سوقين قامتا للعرب. في الأولى ترى أحوال الجاهلية من عامة نواحيها؛

стр. 201

في بيعها وشرائها ودينها واجتماعها وسياستها وحربها وسلمها، وفخرها وأدبها ولغتها وشعرها وعاداتها. وقد حرصت على أن أحافظ على عبارة كبار المؤلفين الذين استقيت هذه المعلومات من كتبهم كالأصفهاني والطبري وابن عبد ربه وابن سعد وابن هشام ... إلا ما رأيت أن الحاجة تضطرني فيه إلى شيء من التعديل يسير, وفي الثانية ترى كذلك أحوال العرب في الإسلام بالتفصيل المتقدم. واعلم أن حوادث المربد التي سأعرضها عليك يختلف زمن وقوعها بين سنة ست وثلاثين للهجرة وأواخر القرن الثاني الهجري. لسنا نجد اتفاقا بين قدامى المؤلفين في عدد هذه الأسواق ولا في تحديد أزمنتها؛ فبينا نرى القلقشندي "في صبح الأعشى" يعدها ثمانيا "١/ ٤١٠" نرى اليعقوبي في تاريخه "١/ ٣١٣، ٣١٤" والبغدادي في خزانته "٤/ ٣٦٠ السلفية" يعدانها عشرا، ثم يختلفان عليها فيذكر كل منهما بعضا ويترك بعضا. وجعلها التوحيدي في "الإمتاع والمؤانسة ١/ ٨٥" إحدى عشرة، بينا نراها عند المرزوقي تبلغ سبع عشرة سوقا "الأزمنة والأمكنة", ثم يأتي الألوسي فيذكر منها في بلوغ الأرب أربع عشرة. وأقدم المؤلفين وهو محمد بن حبيب, المتوفى سنة ٢٦٨هـ صاحب

стр. 202

كتاب "المحبَّر" عدّ منها اثنتي عشرة١. أما الهمداني فنحن معه في حيرة؛ لأنه يقول في كتابه صفة جزيرة العرب "ص١٧٩": أسواق العرب القديمة وقد ذكرناها: عدن, مكة، الجند، نجران، ذو المجاز، عكاظ، بدر، مجنة، منى، حجر اليمامة، هجر البحرين، الروض، روضة دعمي، روضة الأجداد ... إلخ, ثم يسرد أعلاما تبلغ الخمسين. فطالعت الكتاب المطبوع كله, فلم أجد للأسواق التي قال: إنه ذكرها, ذكرا أبدا. ولما رجعت إلى ياقوت في كثير من هذه الأعلام لم أجد لها ذكرا البتة. فأيقنت في نفسي أن في هذه الطبعة تشويشا, فإن عده الأسواق ينتهي في السطر الثاني عند قوله "هجر البحرين" ثم يستأنف كلاما

стр. 203

جديدا عن الرياض بادئا بروضة دعمي, ثم ينتقل خلاله إلى المياه، وجميع هذه في الكتاب المطبوع ذكرت تحت عنوان "أسواق العرب", وكان على الناشر "المستشرق الأوروبي" أن يتنبه إلى تغير البحث فيفرد كل بحث تحت عنوان خاص, ولا يحشرها جميعا في جريدة الأسواق. وسنذكر لك في هذا الكتاب الأسواق المهمة التي ترحل إليها العرب, حاذفين منها ما لا خطر له, وقد بلغنا بها العشرين سوقا. نستطيع أن نقسم هذه الأسواق أقساما ثلاثة: ١- أسواق خاضعة لنفوذ أجنبي تدار بنظم خاصة, وتتضاءل فيها الصبغة العربية كما نرى في الحيرة وهجر البحرين وعمان وغيرها من المواطن التي ترين عليها السيطرة الفارسية، وكما نرى في بصرى وأذرعات وغزة وأيلة وغيرها مما يدار بالإدارة الرومانية. والذي ينظر في هذه الأسواق عمال عرب يعينهم ولاة الفرس وولاة الرومان, وهؤلاء العمال الذين يتولون السوق هم الذين إليهم أعشار أهلها. ٢- أسواق أنشأها العرب أنفسهم بحكم الحاجة, فصارت مع الزمن تمثلهم أصدق تمثيل في عاداتهم في البيع والشراء والخصام والدين والزواج والحقوق ... ولا يشرف عليها إلا سراة أهلها. وهي مرآة العرب في الجاهلية, وبها نستطيع أن نعرف ما كان عليه العرب تقريبا في

стр. 204

معاملتهم وعلائقهم بعضهم ببعض, وهي في أماكن لا أثر للنفوذ الأجنبي عليها، ونمثل لهذا القسم بعكاظ. ولا عاشر في هذا القسم فهو منطقة حرة، والعرب يتبايعون فيه ببيوع خاصة بهم. ٣- أسواق ذات صبغة مختلطة؛ نظرا لموقعها الجغرافي, وهي التي تكون على البحر كعدن وصحار ودبى ... وفي هذه يجتمع تجار الحبشة والهند والصين وفارس, ويضؤل فيها الطابع القومي بمقدار ما يقوى شأنها التجاري. ومن الواجب أن ننبه هنا إلى أن أسواقا كثيرة كانت ولم يذكرها المؤلفون؛ لأنهم اقتصروا على الأسواق الموسمية التي تكون من العام إلى قابل, والتي تقصد من بعيد؛ إذ من البديهي أن كل بلدة لها سوق ولها متاع أو محصول تختص به. ومن القريب جدا أن يكون لكل قبيلة أو قبائل متجاورة سوق محلية١ تقوم في وقت معين، فكثيرا ما نجد حول كل ماء سوقا صغيرة يقيمها الضاربون حوله كما نجد مثل

стр. 205

ذلك في المحطات الصغرى التي تكون بين البلد والبلد, وكما نجد أيضا في كل مكان يسميه العرب روضة. وإنما عُني العلماء بالأسواق الكبرى العامة ولم يأبهوا لتلك الأسواق الضئيلة, بل إنهم أهملوا أسواقا كبرى تكون في المدن؛ لأنها لا يرحل إليها إلا القليل منهم من صاحب حاجة, أو غرض خاص. فنجدهم أغفلوا مثلا ذكر "دارين" وهي فرضة بالبحرين, بها سوق يحمل المسك من الهند إليها. واشتهرت هذه شهرة فائقة بتجارة العطر حتى صار معنى الداري "نسبة إلى دارين" هو العطار نفسه، وحتى جاء في الحديث: $"مثل الجليس الصالح مثل الداري، إن لم يحذك "يعطك" من عطره علقك من ريحه" قالوا: "الداري: العطار". وقال الشاعر: فلما اجتمعنا في العلالي بيننا ... ذكي أتى من أهل دارين تاجره وهناك أمتعة اشتهرت بتجويدها قرى مخصوصة كردينة, وهي قرية على شط البحر في المشرق تنسب إليها الرماح, فيقال: الردينيات للرماح المصنوعة هناك, كما يقال للرماح المصنوعة في الخط بالبحرين: "الخطية". فلا شك أن مثل هذه الأماكن المشهورة يقصدها تجار هذا الصنف أو الراغبون فيه، وتقوم له شبه أسواق دائمة إلا أنها غير عامة

стр. 206

وهي قاصرة على ضرب واحد فقط؛ فلهذا لم يعبأ بها المؤلفون. ثم نجدهم أغفلوا مواضع مهمة تقوم فيها أسواق ربما لا تقل شأنا عن التي أفردوها بالذكر، كالطائف وكأسواق العراق وكالسوق التي يقيمها النبط في المدينة أحيانا. فإنا نعلم أن الطائف مدينة قديمة جاهلية وهي "بلد الدباغ يدبغ بها الأهب الطائفية المعروكة" ولأهلها زراعة وتجارة وغنى، وربما قاربوا قريشا في شأنها التجاري. أما العراق فالظاهر أن للعرب فيها أسواقا١ يرحلون إليها كما يرحلون إلى التي في الشام, وخصوصا الحيرة, فإن شهرتها في تاريخ العرب وأدبهم تنم عن مكانتها التجارية. ولقريش رحلات إلى سوق الحيرة وفيها تعلموا الكتابة ومنها انتشرت في العرب. وصاحبها النعمان يجهز سنويا لطائمه إلى عكاظ وإلى اليمن. حتى إنا لنجد في بعض النصوص ما يدل على أن ضرائب منظمة تستوفى في أسواق العراق مما يباع, قال الشاعر:

стр. 207

أفي كل أسواق العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم قال صاحب المخصص١: "المكس: انتقاص الثمن في البياعة, ومنه أخذت المماكسة لأنه يستنقصه". وقيل: "المكس: دراهم كانت تؤخذ من بائع السلع في أسواق الجاهلية, ويقال للعشار: صاحب المكس". ا. هـ. أهملوا كل هذا, كما أهملوا أسواقا ثانوية تقام في نجران وبدر ومنى وأمثالها كثير؛ لما قدمنا من فقدان الصبغة العامة فيها. وهذه جرائد بأسماء الأسواق وترتيبها عند كل من المؤلفين الثمانية الذين أشرت إليهم آنفا٢, وكلها تبدأ بسوق دومة الجندل في ربيع الأول، مع ذكر مواقيتها إن كان لها مواقيت وذكر عاشرها الذي يجبي الضرائب فيها إن كان لها عاشر.

стр. 208

٣- صفة جزيرة العرب للهمداني, المتوفى سنة ٣٣٤هـ: السوق الزمن العاشر ١- عدن ٢- مكة ٣- الجَنَد ٤- نجران ٥- ذو المجاز ٦- عكاظ ٧- بدر ٨- مجنة ٩- منى ١٠- حجر اليمامة ١١- هجر البحرين

стр. 209

فهذه ست وعشرون سوقا، فإذا حذفنا منها خمسا انفرد بها الهمداني وهي: بدر والجَنَد ومكة ومنى ونجران، واثنتين انفرد بإحداهما المرزوقي وهي الأسقى والثانية شاركه فيها التوحيدي وهي سوق أدم، وأضفنا لها سوقا مهمة أغفلها كلهم وهي سوق الحيرة, وأضفنا كذلك السوق التي أنشئت في الإسلام وهي المربد، بقي لنا إحدى وعشرون سوقا سنتعرض لها جميعا بما تقتضيه مكانتها. أما الأسواق الضئيلة الشأن فهي صورة مختصرة عما سنتحدث عنه، وأما الخطيرة كمكة والمدينة فهي دائمية وليست بموسمية، وفي ذكر الأسواق المتاخمة لها غنى عن التعرض لها. هذا, ولعل السبب في اختلافهم في تاريخ قيام الأسواق أن العرب لم يكونوا يلتزمون كل سنة يوما معينا لإقامة السوق ويوما لتقويضها، بل يتقدم هذا اليوم في بعض السنين ويتأخر في بعض, وقد يهرع أقوام إلى السوق قبيل ميعادها وقد يتخلف آخرون بعد انقضائها إذا لم تنته أعمالهم, وقد تختلف العادة سنة عن سنة، فمن هنا كان هذا التفاوت اليسير. ثم قد نصّ محمد بن حبيب صاحب المحبر, وهو أقدم المؤلفين وأدقهم وأنا إلى أرقامه أكثر اطمئنانا، نصّ على أن سوقين تقومان في زمن واحد, وهما سوق الرابية بحضرموت وسوق عكاظ، فيأخذ بعض العرب إلى الأولى وبعض آخر إلى الثانية١.

стр. 210

في الجاهلية: سوق دُومة الجندل: دُومة الجندل, ويقال "دُوماء الجندل" كلاهما بالضم١: بلد يقع في نقطة متوسطة بين الشام والخليج الفارسي والمدينة، على منتصف الخط الواصل بين العقبة والبصرة تقريبا. بينها وبين دمشق خمس ليالٍ وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة؛ لعدم استقامة الطريق بينهما. وهي في غائط من الأرض طوله خمسة فراسخ وفيها حصن "مارد" المشهور، وإلى غربها عين تثج فتسقي ما به من النخل والزرع، وكانت خربة. وروى ابن سعد نقلا عن بعض أهل الحيرة في سبب بنائها: "أن أكيدر صاحبها وإخوته كانوا ينزلون دومة الحيرة، وكانوا يزورون أخوالهم من كلب فيتغربون عندهم، فإنهم لمعهم وقد خرجوا للصيد إذ رفعت لهم مدينة متهدمة لم يبق إلا بعض حيطانها وكانت مبنية بالجندل، فأعادوا بناءها وغرسوا فيها الزيتون وغيره وسموها

стр. 211

دومة الجندل؛ تفرقة بينها وبين دومة الحيرة"١. وقال ياقوت: "كان فيها قديما حصن مارد، وسميت دومة الجندل لأن حصنها مبني بالجندل, وقريب منها جبلا طيء, وكانت بهذا الحصن بنو كنانة من كلب". وكان أكيدر يبعث بمن يتعرّض قوافل التجارة الذاهبة بين المدينة والشام, ويظلم من يمر بهم من الضافطة "الذين يجلبون الميرة والطعام" ثم قوي شرهم حتى شاع أن في عزمهم الدنوّ من المدينة, وكان ذلك في السنة الخامسة للهجرة، فندب رسول الله ﷺ الناس، واستخلف على المدينة، وخرج في ألف من المسلمين يسير الليل ويكمن النهار, ومعه دليل من بني عذرة حتى بلغوا دومة الجندل، فتفرقوا وألقي الرعب في قلوبهم، وأخذ من نعمهم وشائهم ورجع ولم يلق كيدا. والظاهر أن شرهم لم ينقطع عن تجار المدينة, حتى اضطر الرسول إلى أن يرسل إليهم سرية عليها عبد الرحمن بن عوف، وأوصاه حين دفع إليه اللواء بقوله: "خذه ٢ يابن عوف فاغزوا جميعا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم". وقال له: "إن استجابوا لك فتزوج بنت ملكهم".

стр. 212

سار عبد الرحمن حتى بلغ دومة الجندل فدعا أهلها إلى الإسلام, فأسلم رئيسهم الأصبغ بن عمرو الكلبي وأسلم معه ناس كثير من قومه, وتزوج عبد الرحمن ابنته "تماضر" وبقي على الجزية هو ومن معه. إلا أن أكيدر صاحب دومة وعاملها لهرقل بقي على تعرضه للسابلة من تجار المدينة، ولعل لمكانة سوق دومة الجندل وكثرة التجار بها وعدم تعريج أحد من المدينة عليها دخلا في هذا التعرض الذي لا يبعد أن يكون للمنافسة التجارية أثر فيه غير قليل. وأراد الرسول إقرار الأمن في تلك الربوع, فدعا خالد بن الوليد وبعثه على رأس سرية إلى أكيدر هذا، فلما بلغ الركب ضاحية دومة الجندل وجدوا صاحبها في نفر من قومه يتصيدون, فأسروا أكيدر وقتلوا أخاه ورجعوا إلى المدينة بأسيرهم، فحقن له رسول الله ﷺ دمه وصالحه على الجزية ثم خلى سبيله ورجع إلى بلده, وقد كتب له رسول الله ولأهل دومة هذا الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لأكيدر ولأهل دومة الجندل: إن لنا الضاحية من الضحل والبور والمعامي وأغفال الأرض والحلقة والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل والمعين من المعمور، ولا تعدل سارحتكم ولا

стр. 213

تعد فاردتكم ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها وتؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق، ولكم به الصدق والوفاء, شهد الله ومن حضر من المسلمين"١. وهذا الصلح تجاري بنتيجته لما ضمن من منافع للمسلمين، كما هو تجاري بسببه أيضا إذ لولا تعرض أهل دومة لمن يجتاز بقربهم من التجار ما اضطر الرسول إلى إرسال سراياه لتأمين الطريق وتأديب أهل العبث والفساد. وبقي القوم على صلحهم, حتى كانت سنة اثنتي عشرة للهجرة ففتحها

стр. 214

خالد عنوة في خلافة الصديق, وظفر العرب بأكيدر خارج دومة فأمر خالد بقتله١. وكان صاحب صلحهم أكيدر ذا شهرة في قبائل العرب توازي شهرة حصنه دومة الجندل وشهرة حصن المشقر. والعرب تنظر إلى أصحاب الحصون نظرة إعظام وإعجاب بقوتهم، ولما ذكر لبيد فعل بنات الدهر لم يعظ قومه إلا بأصحاب الحصون, فكان أكيدر دومة هذا أحد من ضربهم مثلا فقال: وأعصفن بالدومي من رأس حصنه ... وأنزلن بالأسباب رب المشقر يعني: بالدومي أكيدر، وذكر دومة الجندل يشغل صفحات غير قليلة من تاريخ المسلمين؛ لأنه فيها التقى الحكمان عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري, وكان منهما ما هو معروف. تنزل قبائل العرب في الجاهلية هذه السوق في أول يوم من ربيع الأول للبيع والشراء, وكان بيعهم فيها بيع الحصاة "وقد تقدم في الكلام على بيوع الجاهلية". ويجاور هذه السوق من قبائل العرب قبيلتا كلب وجديلة طيء. وكانت كلب أكثر العرب قنا, فكانوا يفتحون في هذه السوق حوانيت

стр. 215

من شعر يجعلون فيها عبيدهم وإماءهم. وكانوا -على عادة بعض العرب- يُكرهون فيها فتياتهم على البغاء ويأخذون لأنفسهم كسب أولئك البغايا من إمائهم. فلما كان الإسلام وحرم الله هذه العادة القبيحة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ١ تنزه العرب عن هذه التجارة التي كانوا عليها في الجاهلية, وتجاوز الله عما كان منهم قبل الإسلام. يشرف على هذا الموسم أمراء من العرب, وكان رؤساء السوق غالبا إما من كلب وإما من غسان، أي الحيين غلب خضع له الآخر، وكان مكس هذه السوق لمن يشرف عليها. قال الألوسي: "كان أكيدر صاحب دومة الجندل يرعى الناس, ويقوم بأمرهم أول يوم فتقوم سوقهم إلى نصف الشهر. وربما غلب على السوق بنو كلب فيعشرهم, ويتولى أمرهم يومئذ بعض رؤساء بني كلب فتقوم سوقهم إلى آخر الشهر". فكان إذن بين أكيدر وقبيلة كلب تنافس شديد على الاستيلاء على هذه السوق ومكسها، فأكيدر يتولى أمرها حينا ويعشر من بها،
следующие страницы →