← История

История · id 9999

أسواق العرب في الجاهلية والإسلام

سعيد الأفغاني

Полный текст (499 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

دومة الجندل؛ تفرقة بينها وبين دومة الحيرة"١. وقال ياقوت: "كان فيها قديما حصن مارد، وسميت دومة الجندل لأن حصنها مبني بالجندل, وقريب منها جبلا طيء, وكانت بهذا الحصن بنو كنانة من كلب". وكان أكيدر يبعث بمن يتعرّض قوافل التجارة الذاهبة بين المدينة والشام, ويظلم من يمر بهم من الضافطة "الذين يجلبون الميرة والطعام" ثم قوي شرهم حتى شاع أن في عزمهم الدنوّ من المدينة, وكان ذلك في السنة الخامسة للهجرة، فندب رسول الله ﷺ الناس، واستخلف على المدينة، وخرج في ألف من المسلمين يسير الليل ويكمن النهار, ومعه دليل من بني عذرة حتى بلغوا دومة الجندل، فتفرقوا وألقي الرعب في قلوبهم، وأخذ من نعمهم وشائهم ورجع ولم يلق كيدا. والظاهر أن شرهم لم ينقطع عن تجار المدينة, حتى اضطر الرسول إلى أن يرسل إليهم سرية عليها عبد الرحمن بن عوف، وأوصاه حين دفع إليه اللواء بقوله: "خذه ٢ يابن عوف فاغزوا جميعا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم". وقال له: "إن استجابوا لك فتزوج بنت ملكهم".

стр. 212

سار عبد الرحمن حتى بلغ دومة الجندل فدعا أهلها إلى الإسلام, فأسلم رئيسهم الأصبغ بن عمرو الكلبي وأسلم معه ناس كثير من قومه, وتزوج عبد الرحمن ابنته "تماضر" وبقي على الجزية هو ومن معه. إلا أن أكيدر صاحب دومة وعاملها لهرقل بقي على تعرضه للسابلة من تجار المدينة، ولعل لمكانة سوق دومة الجندل وكثرة التجار بها وعدم تعريج أحد من المدينة عليها دخلا في هذا التعرض الذي لا يبعد أن يكون للمنافسة التجارية أثر فيه غير قليل. وأراد الرسول إقرار الأمن في تلك الربوع, فدعا خالد بن الوليد وبعثه على رأس سرية إلى أكيدر هذا، فلما بلغ الركب ضاحية دومة الجندل وجدوا صاحبها في نفر من قومه يتصيدون, فأسروا أكيدر وقتلوا أخاه ورجعوا إلى المدينة بأسيرهم، فحقن له رسول الله ﷺ دمه وصالحه على الجزية ثم خلى سبيله ورجع إلى بلده, وقد كتب له رسول الله ولأهل دومة هذا الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لأكيدر ولأهل دومة الجندل: إن لنا الضاحية من الضحل والبور والمعامي وأغفال الأرض والحلقة والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل والمعين من المعمور، ولا تعدل سارحتكم ولا

стр. 213

تعد فاردتكم ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها وتؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق، ولكم به الصدق والوفاء, شهد الله ومن حضر من المسلمين"١. وهذا الصلح تجاري بنتيجته لما ضمن من منافع للمسلمين، كما هو تجاري بسببه أيضا إذ لولا تعرض أهل دومة لمن يجتاز بقربهم من التجار ما اضطر الرسول إلى إرسال سراياه لتأمين الطريق وتأديب أهل العبث والفساد. وبقي القوم على صلحهم, حتى كانت سنة اثنتي عشرة للهجرة ففتحها

стр. 214

خالد عنوة في خلافة الصديق, وظفر العرب بأكيدر خارج دومة فأمر خالد بقتله١. وكان صاحب صلحهم أكيدر ذا شهرة في قبائل العرب توازي شهرة حصنه دومة الجندل وشهرة حصن المشقر. والعرب تنظر إلى أصحاب الحصون نظرة إعظام وإعجاب بقوتهم، ولما ذكر لبيد فعل بنات الدهر لم يعظ قومه إلا بأصحاب الحصون, فكان أكيدر دومة هذا أحد من ضربهم مثلا فقال: وأعصفن بالدومي من رأس حصنه ... وأنزلن بالأسباب رب المشقر يعني: بالدومي أكيدر، وذكر دومة الجندل يشغل صفحات غير قليلة من تاريخ المسلمين؛ لأنه فيها التقى الحكمان عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري, وكان منهما ما هو معروف. تنزل قبائل العرب في الجاهلية هذه السوق في أول يوم من ربيع الأول للبيع والشراء, وكان بيعهم فيها بيع الحصاة "وقد تقدم في الكلام على بيوع الجاهلية". ويجاور هذه السوق من قبائل العرب قبيلتا كلب وجديلة طيء. وكانت كلب أكثر العرب قنا, فكانوا يفتحون في هذه السوق حوانيت

стр. 215

من شعر يجعلون فيها عبيدهم وإماءهم. وكانوا -على عادة بعض العرب- يُكرهون فيها فتياتهم على البغاء ويأخذون لأنفسهم كسب أولئك البغايا من إمائهم. فلما كان الإسلام وحرم الله هذه العادة القبيحة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ١ تنزه العرب عن هذه التجارة التي كانوا عليها في الجاهلية, وتجاوز الله عما كان منهم قبل الإسلام. يشرف على هذا الموسم أمراء من العرب, وكان رؤساء السوق غالبا إما من كلب وإما من غسان، أي الحيين غلب خضع له الآخر، وكان مكس هذه السوق لمن يشرف عليها. قال الألوسي: "كان أكيدر صاحب دومة الجندل يرعى الناس, ويقوم بأمرهم أول يوم فتقوم سوقهم إلى نصف الشهر. وربما غلب على السوق بنو كلب فيعشرهم, ويتولى أمرهم يومئذ بعض رؤساء بني كلب فتقوم سوقهم إلى آخر الشهر". فكان إذن بين أكيدر وقبيلة كلب تنافس شديد على الاستيلاء على هذه السوق ومكسها، فأكيدر يتولى أمرها حينا ويعشر من بها،

стр. 216

والكلبي حينا يستأثر بالحكم فيها والاضطلاع بشئونها. أما الغريب حقا فهو ما ذكره المرزوقي من حل لهذا الخلاف والتطاحن بين الملكين, وهو إن صح -وليس ببعيد- يطلعنا على صورة طريفة من عقلية القوم وعاداتهم, قال: "وكان ملكها "يعني: سوق دومة الجندل" بين أكيدر العبادي من السكون، وبين قنافة الكلبي. وكان غلبة الملكين بأن يتحاجيا!! فأيهما غلب صاحبه بما يلقي عليه تركه والسوق يفعل بها ما يشاء, ولم يبع فيها أحد من الشام ولا أهل العراق إلا بإذنه، ولم يشتر فيها ولم يبع حتى يبيع الملك كل شيء يريد بيعه, مع ما كان إليه من مسكها"١. فأنت ترى أن الأمر ذو خطر, وفوائد كثيرة يستحق هذا التطاحن عليه. يدور نشاط هذه السوق حتى منتصف ربيع الأول, وتغصّ بمن يؤمها من أطراف الشام ومن العراق وسائر الجزيرة. وهي من الأسواق الكبرى للعرب, حتى إنهم ليلقون في سيرهم إليها نصبا كبيرا لوعورة الطريق والتعرض للأخطار وفقدان الأمن، ولا يحملهم على ذلك كله

стр. 217

إلا ما تغريهم به هذه السوق من ربح وفائدة. قال المرزوقي: "كانت قريش تخرج إليها قاصدا من مكة، فإن أحذت على الحزن لم تتخفر بأحد من العرب حتى ترجع ... وكانوا إذا خرجوا من الحزن أو على الحزن وردوا مياه كلب، وكانت كلب حلفاء بني تميم، فإذا سفلوا عن ذلك أخذوا في بني أسد حتى يخرجوا على طيء فتعطيهم وتدلهم على ما أرادوا؛ لأن طيئا حلفاء بني أسد. فإذا أخذوا طريق العراق تخفروا ببني عمرو بن مرثد من بني قيس بن ثعلبة, فتجيز لهم ذلك ربيعة كلها"١. ثم تفتر حركتها وتأخذ بالاضمحلال حتى آخر الشهر، إذ يفترق أهلها وموعدهم إليها من قابل، شهر ربيع الأول.

стр. 218

سوق المشقر: المشقر حصن بالبحرين لعبد القيس, وهو قريب من هجر. وأهله أزد يمانون كما سيأتي في الكلام على سوق عمان، جاء في مراصد الاطلاع: "المشقر حصن بين نجران والبحرين، يقال: إنه من بناء طسم, وهو على تل عالٍ، يقابل حصن بني سدوس. ويقال: إنه بناء سليمان, وقيل: هو حصن بالبحرين لعبد القيس يلي حصنا آخر لهم يقال له: الصفا قبل مدينة هجر، والمسجد الجامع بالمشقر، وبينهما نهر يجري إلى جانب مدينة محمد بن الغمر يقال له: العين". فالظاهر من هذا الكلام أن هذا الحصن وثيق البنيان، ذو خطر، حتى رفعوا نسبة بنائه إلى سليمان، وحتى ضرب به المثل في المنعة والإحكام. قال المخبل: فلئن بنيت لي المشقر في ... صعب تقصّر دونه العصم١ لتنقبن عني المنية إ ... ن الله ليس كعلمه علم وشهرة الحصن مستفيضة على ألسنة العرب, ذكره كثيرون منهم

стр. 219

فممن ذكره الأعشى القائل: فإن تمنعوا منا المشقر والصفا ... فإنا وجدنا الخط جما نخيلها وذكره أبو ذؤيب الهذلي في مرثيته لبنيه, فقال: حتى كأني للحوادث مروة ... بصفا المشقر كل يوم تقرع تقوم في المشقر سوق للعرب تبتدئ من أول جمادى الآخرة وتستمر إلى سلخه فتنفض ويغادرها الناس إلى جمادى من قابل، وينزلها أخلاط من جميع أحياء العرب "وكانت أرضها معجبة, لا يراها أحد فيصبر عنها". فلها صفات هجر وخصبها إذ هي جزء منها، وقد علل المرزوقي اختلاف قبائل الناس في هذه النواحي بقوله: "وكانت لا تقدمها لطيمة إلا تخلّف منهم بها ناس، فمن هناك صار بهجر من كل حي من العرب ومن غيرهم"١. وكان بيعهم في هذه السوق بالملامسة والإيماء والهمهمة خوف الحلف والكذب!! وقد مر بك تفسير هذه البيوع في محله. كثر ذكر المشقر في كتب الأدب، فكان امرؤ القيس الشاعر ينزله، وفيه كانت وقعة من الوقائع المشهورة في أيام العرب؛ إذ حاصر

стр. 220

كسرى بني تميم فيه، وأغلق عليهم بابه، ثم قتل المقاتلة، وسبى الذراري بعد أن امتنعوا فيه مدة, وذكر صاحب الأغاني ما يستدل منه على أن كسرى كان له النفوذ على هذه السوق "شأنه في سوق هجر وعمان" يقيمها متى شاء ويعطلها متى شاء, قال: "أمر كسرى بالطعام فادخر في المشقر, وقد أصابت بني سعد سنة شديدة، والطعام عنهم محبوس، وكان المشير على كسرى بذلك هوذة، وكان له عليهم تارات فقال لكسرى: "أيها الملك! احبس الميرة عنهم، فإذا فعلت ذلك بهم سنة أرسلت معي جندا من أساورتك فأقيم لهم السوق فإنهم يأتونها، فتصيبهم عند ذلك خيلك". ففعل كسرى وحبس عنهم الأسواق في سنة مجدبة, ثم سرح إلى هوذة فأتاه ... إلخ١. يقصد هذه السوق العرب وأهل فارس على السواء, ويجاورها

стр. 221

من قبائل العرب تميم وعبد القيس. وليس لها ما لغيرها من الأمن

стр. 222

والحرمة، وجميع من يقصدها لا يستغني عن خفارة يسير في حمايتها. "وكان من يؤمها من التجار يتخفرون بقريش؛ لأنها لا تؤتى إلا من بلاد مضر"١. وملوك هذه السوق الذين يعشرون الناس فيها أناس من بني عبد الله بن زيد رهط المنذر بن ساوى من بني تميم يسيرون هنا سيرة الملوك في دومة الجندل، وهم خاضعون لملك فارس "يستعملهم عليها كما يستعمل بني نصر على الحيرة, وبني المستكبر على عمان"٢ ومن يوافي هذه السوق من فارس خلق كثير. ولا تُعرض تجارة, ولا يقوم بيع حتى تنفق تجارة الملك بتمامها كما هو الشأن في سوق دومة الجندل، ولا ريب أن ملوك هذه السوق ترضخ إلى حكومة فارس مما يحصلون عليه بالنصيب الأوفى.

стр. 223

سوق هجر: يتناول اسم هجر أرض البحرين عامة، وهي واليمن وعمان من أخصب بلاد العرب وأكثرها رخاء، وذكر ياقوت في معجمه أنها قاعدة البحرين. موقع هذه البلدة في جنوب الخليج الفارسي، وتكون على اتصال دائم ببلاد الهند وفارس، يجلب إليها مختلف الأصناف، ولأهلها أسباب أخر للمعاش غير التجارة، كالغوص على اللؤلؤ، وهم لا يزالون على ذلك إلى اليوم كسائر سكان البحرين، والنسبة إليها هجري على القياس وهاجري على غير قياس. قال دريد بن الصمة: وربت غارة أوضعت فيها ... كسحّ الهاجريّ جريم تمر١ وهجر مشهورة بكثرة وبائها, حتى قال عمر بن الخطاب: "عجبت لتاجر هجر, وراكب البحر" يريد أنهما سواء في التعرض للخطر

стр. 224

وصارت ديار القرامطة فيما بعد, وقد احتفّ بها قبائل كثيرة من مضر. وهي أكثر بلاد العرب تمورا وأطيبها، وأروج تجاراتها التمر، به عرفت وبها اشتهر حتى ضرب به المثل فقالوا: "كمبضع تمر إلى هجر" كما قالوا: "كجالب الدر إلى البحر" قال أبو عبيد: "هذا من الأمثال المبتذلة، ومن قديها؛ وذلك أن هجر معدن التمر والمستبضع إليه مخطئ". ونخلها كثير ملتف غاية في الجودة والطيب. قال الشاعر يذكر إبلا خرجت للميرة إلى هجر, فرجعت بغير كف ولا طعام: حبسن بين رملة وقف ... وبين نخل هجر الملتف ثمت أصدرن بغير كف١ وقد استفاض على ألسنة الناس ذكر تمرها والثناء على جودته وطيبه، وملئت كتب الأدب بالإشارة إليه, فهذا رسول جميل إلى بثينة يبلغها ما أرسل به, فتتحفه بتمر من تمر هجر٢. وذاك أعرابي حضر وليمة لعبد الملك بن مروان, عجز الفصحاء عن وصف ما حوت من الأطايب والألوان, فقيل له: "هل رأيت

стр. 225

يا أعرابي طعاما أطيب وأكثر من هذا؟ " فقال: "أما أكثر فلا, وأما أطيب فنعم ... " وذكر طعاما فيه تمر هجر١.

стр. 226

وليس هذا التمر معروفا عند الأدباء وحدهم، بل إن ذكره لابس مسألة نحوية مشهورة، فما على الأرض نحوي إلا يعرف لهجر تمرها، فقد أتى خلف الأحمر ويحيى اليزيدي أبا المهدي أعرابيا فصيحا حجة، وكان به عارض فوجداه يصلي, فلما التفت قال: "ما خطبكما؟ " قالا: "كيف تقول: ليس الشرابُ إلا العسلُ؟ " فقال: "فما يصنع سودان هجر، ما لهم شراب غير هذا التمر"١.

стр. 227

ولهجر شأن آخر في آداب اللغة العربية غير هذا المثل المضروب وتلك القاعدة النحوية، إذ في دِهاسها١ هلك المهلهل، أول من هلهل الشعر وأرق نسجه، مات عطشا في حمارّة القيظ "الأغاني ٦/ ١٢٨". ومن الغريب أن سبب موته هو خمر هجر هذه: وذلك أن عمرو بن مالك ومهلهلا التقيا في خيلين من غير مزاحفة في بعض الغارات بين بكر وتغلب، فانهزمت خيل مهلهل وأدركه عمرو بن مالك فأسره, فانطلق به إلى قومه وهم في نواحي هجر، فأحسن إساره، ومر عليه تاجر يبيع الخمر، قدم بها من هجر وكان صديقا لمهلهل يشتري منه الخمر، فأهدى إليه وهو أسير زق خمر، فاجتمع إليه بنو مالك فنحروا عنده بكرا وشربوا عند مهلهل في بيته -وقد أقرد له عمرو بيتا يكون فيه- فلما أخذ منهم الشراب تغنى مهلهل فيما كان يقوله من الشعر وينوح به على كليب، فسمع ذلك عمرو بن مالك وهاج تغنّيه كامن الغيظ في

стр. 228

نفسه فقال: "إنه لريَّان، والله لا يشرب ماء حتى يرد ربيب" "وربيب هذا جمل كان لعمرو بن مالك، وكان يتناول الدِّهاس من أجواف هجر فيرعى فيها غبا بعد عشر في حمارّة القيظ" فأشفق إخوان عمرو من هذا القسم وخافوا أن يزيد الشر بين الحيين إن هلك مهلهل، فأسرعت ركبانهم وخرجت في طلب البعير ربيب، وهم حراص على ألا يقتل مهلهل، فلم يقدروا على البعير حتى مات مهلهل عطشا, ونحر عمرو يومئذ ناقة مسنة فأسرج جلدها على مهلهل وأخرج رأسه. وهكذا ذهب مهلهل من جراء نشوة من خمر هجر١، وكم أفقدت الخمر الناس رءوسهم وسادتهم، وكم كانت نذير الشر والشؤم منذ الزمن الأقدم، فلنذكرنّ هجر وخمرها، وهذه الميتة الروائية كلما ذكرنا المهلهل وما رقق من شعر. تهبط العرب هذه السوق ولعلها كانت أكثر مكانة من دومة الجندل؛ لأنها فرضة يجدون فيها من أصناف التجارات التي يأتيهم بها تجار الهند وفارس ما لا يجدون في تلك، ولأن بها من التمر ما طبقت شهرته الآفاق، وضرب في الجودة مثلا في البلاد، وليس ذلك بقليل.

стр. 229

وكان بها عدا ذلك ضروب من البضائع، فعلى مقربة منها "الخط" المشهورة برماحها. وفي "رياض الصالحين ص٤٤٩" أن سويد بن قيس قال: "جلبت أنا ومخزمة العبدي بزا من هجر, فجاء النبي ﷺ فساومنا سراويل" فأنت ترى أنه يجلب منها بز يباع في المدينة. وكان كسرى يرسل إلى سوق هجر من تجاراته: يرسل إليها لطائم فيها الطيب فيباع فيها, ثم ترجع موقرة عروضا وتمرا. وحدث مرة أن أغارت بنو تميم على لطيمة لكسرى فيها مسك وعنبر وجوهر كثير, فأرسل جيشا أوقع بهم فأخذ الأموال وسبى الذراري بمدينة هجر, وسميت تلك الوقعة "يوم الصفقة"١. ولعل نفوذ كسرى في هذه السوق كان غير ضئيل. تقصد العرب هذه السوق بعد انفضاضهم من سوق دومة الجندل، فإذا أهلّ ربيع الآخر انتقلوا إليها فقامت سوقها. وينظر في أمرها المنذر بن ساوى أحد بني عبد الله بن دارم، يتولى أمرها ويعشر الناس فيها، وهو ملك البحرين عامة.

стр. 230

سوق عمان: كورة عربية في جنوب الخليج الفارسي تمتد على سواحل بحر اليمن، وتشتمل على بلدان كثيرة ذات نخل وزروع، وهي شديدة الحرارة حتى إن حرها يضرب به المثل. وبها فواكه جرومية١ "كالموز والرمان والتين ونحو ذلك" ولعل نخيلها متميز من غيره، فقد ذكروا أن بالبصرة نخلة يقال لها: "العُمانية" لا يزال عليها السنةَ كلها طلع جديد وكبائس مثمرة وأخرى مرطبة. قيل: إنها سميت بعمان بن نفثان بن سبأ أخي عدن٢, وقيل: من "عمن يعمَن" إذا أقام، وقد اشتقوا منها فعلا فقالوا: أعمن وعمّن إذا أتى عمان، قال العبدي: فإن تُتْهموا أنجد خلافا عليكم ... وإن تُعْمنوا مستحقبي الحر أعرق عدها الهمداني في "صفة جزيرة العرب ص٤٨" من مخاليف اليمن

стр. 231

نزلها الأزد على قبائل يحمد وحدان ومالك والحارث وعتيك وجُديد "ص٢١١", واستشهد على قوله بشواهد من الشعر, منها: وأزد لها البحران والسيف١ كله ... وأرض عمان بعد أرض المشقر٢ ومنها: وغسان الذين هم استتبّوا ... قبائلهم بأطراف البلاد٣ وحيا منهم نزلوا عمانا ... أراهم لم يهموا بارتداد وغسان من الأزد كما هو معلوم. واستشهد أيضا بهذا الشاهد وهو يريد الأزد طبعا: فأقرت قرارها بعمان ... فعمان محل تلك الحماة٤ وتضرب بها العرب المثل في بعدها؛ لأنها في أقصى الجزيرة إلى الشرق والجنوب, تفصلها عن اليمن صحراء الأحقاف, وهي بعيدة عن الحجاز والعراق والشام. ذكر ياقوت أن الحسن بن عادية قال: لقيت عبد الله بن عمر فقال: "من أي بلد أنت؟ " قلت: "من عمان" قال: "أفلا أحدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ؟ " قلت: "بلى" قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني لأعلم أرضا من أرض العرب يقال لها:

стр. 232

عمان على شاطئ البحر؛ الحجة منها أفضل من حجتين من غيرها" ومن المفسرين من ذهب إلى أن المقصود بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ عمان. ولو عرف الشاعر أبعد منها لذكره محلها في قوله يهجو قوما: لو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمان أصبح جمعهم بعمان والظاهر أنها على بعدها لم تكن تخلو من أخلاط القبائل ومختلف الأمم، شأن كل فرضة تجارية، فلم تقتصر على الأزد الذين روينا لك فيهم ما ذكره الهمداني؛ لأنها أقرب بلاد العرب من الهند وليس بينها وبين فارس إلا المضيق فكان فيها النزلاء الغرباء من هؤلاء، عدا من يقصدها من العرب للتجارة فيقيم فيها، وقد ظلت تحت نفوذ الفرس الفعلي، وكان ملوك فارس هم الذين يولون عليها الأمراء, فاستعملوا بني المستكبر -على رواية المرزوقي- وقد تقدم أن لهم نفوذا على هجر، وعلى المشقر كما سبق، فتكون فارس قد بسطت سلطانها على سواحل الخليج الفارسي كله وعلى سواحل بحر اليمن حين أرسلوا الأحرار فطردوا الحبشة منها، وبذلك يكون لهم نصف سواحل جزيرة العرب، وما زالت الفرض والشواطئ عرضة للأطماع ينزلها

стр. 233

كل قوي، فكيف إذا كانت خصبة فيها الغنى كعمان، وقد جاء في الحديث: "من تعذر عليه الرزق فعليه بعمان". فتجاراتهم كثيرة ومعايشهم وافرة، وفيها ذخائر متنوعة ومعادن جيدة وخصب ورخاء, فجمعوا بذلك أسباب الثروة والغنى فلم يكن من الغريب طمع فارس فيهم. وقد استتبع مركز عمان هذا كثرة الأعاجم فيها واختلاط أهلها بهم، حتى أدخل ذلك الضيم على لغتهم فلم يعرفوا في العرب بالفصاحة. ولما رأى أبو عمرو بن العلاء أعرابيا من عمان فصيحا لم يكتم استغرابه من حسن وصفه لبلده وفصاحة منطقه، حتى عرف أن الأعرابي بعيد عن مراكز الاختلاط تلك، ذكر القالي "٣/ ١٦" عنه أنه قال: لقيت أعرابيا بمكة، فقلت له: "ممن أنت؟ " قال: "أسدي" قلت: "ومن أيهم؟ " قال: "نهدي" قلت: "من أي البلاد؟ " قال: "من عمان" قلت: "فأنى لك هذه الفصاحة؟ " قال: "إنا سكنا قطرا لا نسمع فيه ناجخة التيار" قلت: "صف لي أرضك" قال: "سيف أفيح، وفضاء صحصح، وجبل صروح، ورمل أصبح" قلت: "فما مالك؟ " قال: "النخل" قلت: "فأين أنت عن الإبل؟ "

стр. 234

قال: "إن النخل حملها غذاء، وسعفها ضياء، وجذعها بناء، وكربها صلاء، وليفها رشاء، وخوصها وعاء, وقَرْوها إناء"١. وذكر صاحب مراصد الاطلاع أن أهلها خوارج إباضية. تقصد العرب هذه السوق إذا انتهت من سوق هجر، فترحل إلى عمان وتقيم سوقها حتى آخر جمادى الأولى. وهي لتوسطها بين فارس والهند والحبشة، تجتمع فيها بضائع هذه الممالك الثلاث وكانت جمالها تحمل "الوَرْس" من اليمن إلى عمان حيث تعالج الأشياء التي يراد صبغها بالصفرة. وذكر الألوسي أن بأرضها معادن جيدة وذخائر متنوعة. وقد كان يستخرج بها عنبر مشهور، احتفظت عمان بشهرتها به حتى أيام الرشيد, فقد ذكر في الأغاني أنه "جاء العباس بن محمد إلى الرشيد يوما ببرنيّة غالية, فوضعها بين يديه ثم قال: "هذه يا أمير المؤمنين غالية صنعتها لك بيدي، اختير عنبرها من بحر عمان، ومسكها من

стр. 235

مفاوز التبت، وبانها١ من ثغر تهامة، فالفضائل كلها مجموعة فيها ... إلخ"٢. في هذه السوق يجري التبادل بين بضائع فارس والهند والحبشة واليمن والحجاز والشام، يصب فيها كل تاجر قطر ما حمل من قطره ويرجع إلى بلده بما يأخذه من عروض ليست فيه؛ ولهذا كان فيها جاليات من كل أمة وكل قبيلة.

стр. 236

سوق حباشة: تقوم هذه السوق بتهامة في ديار بارق نحو "قنونا" على ست ليالٍ من مكة إلى جهة اليمن. فهي المتجر المتوسط المشترك بين الحجاز واليمن. وأصل الحبش: الجمع، والحُباشة: الجماعة من الناس ليسوا من جنس واحد، ولعلها سميت بذلك لكثرة ما يجتمع بها من مختلف القبائل والأجناس للتجارة، وليست من مواسم الحج. وكما سميت سوق تهامة القديمة بهذا الاسم, سميت به سوق أخرى لبني قينقاع تقام في رجب أيضا، كما هي اسم للأزد أيضا. والمشهورة منهما هي الأولى التي بتهامة, وقد تاجر فيها رسول الله ﷺ . جاء في الحديث: "لما استوى رسول الله ﷺ وبلغ أشده وليس له كثير مال، استأجرته خديجة إلى سوق حباشة وهي سوق بتهامة واستأجرت معه رجلا آخر من قريش, وكان من قول الرسول وهو يحدث عن هذه التاجرة الكبيرة: "ما رأيت من صاحبة أجير خيرا من خديجة، ما كنا نرجع أنا وصاحبي إلا وجدنا عندها تحفة من طعام تخبئه لنا" " ا. هـ.

стр. 237

كان لهذه السوق ما لغيرها من المزايا: يكون فيها فداء الأسرى ونشدان الثأر ... عدا أمور التجارة. ولما قتل الشنفرى الشاعر حرامَ بن جابر قاتل أبيه، أتى رجل أسد بن جابر أخا المقتول فقال: "تركت الشنفرى بسوق حباشة" فرصد له قوم القتيل حتى أسروه وقتلوه. وليس لحباشة شأن الأسواق العربية الكبرى، فإنها تأتي في الدرجة الثانية في الخطر، وتكاد تكون لما حولها في الغالب، على خلاف الأمر في بقية الأسواق التي هي من مواسم الحج. بقيت هذه السوق قائمة كل عام حتى سنة سبع وتسعين ومائة، إذ تركت في زمن داود بن عيسى بن موسى العباسي. والسبب في خرابها أن من عادة ولاة مكة أن يستعملوا عليها رجلا يخرج معهم بجند فيقيمون بها ثلاثة أيام متوالية من أول رجب, واستمر الأمر على هذا حتى قتلت الأزد واليا كان عليها من قبيلة غني، بعثه داود بن عيسى بن موسى، فأشار فقهاء مكة على داود بتخريبها فخربها, وتركت منذ ذلك الوقت"١.

стр. 238

......................

стр. 239

سوق صحار: بلد من أعمر بلاد العرب وأغناها وأطفحها بالمتاجر، جاء في "مسالك الممالك" للإصطخري عند الكلام على عمان: "وقصبتها صحار، وهي على البحر وبها متاجر البحر وقصد المراكب. وهي أعمر مدينة بعمان وأكثرها مالا ولا تكاد تعرف على شاطئ بحر فارس بجميع بلاد الإسلام مدينة أكثر عمارة ومالا من صحار، وبها مدن كثيرة، وبلغني أن حدود أعمالها "٣٠٠" فرسخ وكان الغالب عليها الشراة". وياقوت وصفها لنا -كما شاهدها- وصفا أسهب, وأدل على مكانتها التجارية الكبرى فقال: "صحار قصبة عمان مما يلي الجبل "وتؤام: قصبتها مما يلي الساحل", مدينة طيبة الهواء والخيرات والفواكه، مبنية بالآجر والساج، كبيرة ليس في تلك النواحي مثلها. وليس على بحر الصين "يريد فرض الجزيرة التي على بحر الهند" بلد أجل منه، عامر آهل، حسن طيب نزه، ذو يسار وتجار وفواكه، أجل من زبيد وصنعاء، وأسواق

стр. 240

عجيبة وبلدة ظريفة ممتدة على البحر، دورهم من الآجر والساج، شاهقة نفيسة، ولهم آبار عذبة وقناة حلوة, وهم في سعة من كل شيء. وهو دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومعونة اليمن. والمصلى وسط النخيل ومسجد صحار على نصف فرسخ. فتحها المسلمون أيام أبي بكر سنة "١٢" صلحا". ونستطيع أن نفهم من هذا الوصف -وإن كان لعهد ياقوت- مدى الشأن التجاري الذي كانت تتمتع به صحار١ في الجاهلية أيضا. فقد كان بها تجارات واسعة تجلب إلى مختلف أقطار الجزيرة العربية, وجاء في الحديث أن رسول الله ﷺ كُفن بثوبين صحاريين. تقيم العرب السوق العامة في صحار من عاشر رجب إلى الخامس عشر منه بعد انفضاض سوق حباشة. والظاهر أنها تمتد إلى ما بعد الخامس عشر من رجب، فإن من لم يشهد الأسواق التي كانت قبلها لشغله عنها أو لأنه لا أرب له فيما يباع بما قبلها من الأسواق، يوافيها فيجد فيها من البئر المنشور وغيره من البياعات. وذكر المرزوقي٢:

стр. 241

"أنهم يقيمونها لعشرين يوما من رجب". ولا يناقض هذا ما قدمناه؛ لأن افتتاح السوق وانفضاضها لم يكن بساعة محتمة لا تقدم عنها ولا تؤخر، بل إن من العرب من لا يكون حضر ما قبلها فيأتيها من أول رجب١, ومنهم من يكون في حباشة أو غيرها فيوافيها متأخرا. وتبقى البيوع قائمة حتى ينتهي أصحابها منها. وليست صحار من الأسواق العامة ولا من المواسم مثل عكاظ حتى يحرصوا عليها ذلك الحرص، وإنما هي سوق تجارية محضة لما حولها ولمن يقصدها، على أنها كثيرا ما يأتيها التاجر البعيد. وقيام هذه السوق في رجب يغني قاصدها عن الحماية, فيقدمها الناس غالبا بلا خفارة ولا حذر إلا من المحلين "لأن رجبا شهر حرام, فهي من هذه الجهة تمتاز من الأسواق التي تقوم في غير الشهر الحرام مثل سوق المشقر وغيرها. يعشر الناس في هذه السوق الجلندى بن المستكبر٢، وذكر الأزرقي أن بيعهم فيها بإلقاء الحجارة على ما تقدم في فصل البيوع, كما هو الأمر في سوق دومة الجندل.

стр. 242

سوق دبى: دبى١، سوق ذكرها المرزوقي في جملة أسواق العرب. والظاهر أنها كانت قديما ذات شأن إذ كانت قصبة عمان, ثم اضمحل مركزها وزاحمتها صحار وصارت هي قصبة هذا القطر, فمن ثم لم يكن لها من الشأن مثل ما لغيرها. وصفها صاحب مراصد الاطلاع بأنها سوق من أسواق العرب بعمان وأنها مدينة عظيمة مشهورة. قال ياقوت: "دبى سوق من أسواق العرب بعمان, وهي مدينة قديمة مشهورة لها ذكر في أيام العرب وأخبارها وأشعارها, وكانت قديما قصبة عمان. ولعل هذه السوق المذكورة كانت عندها. فتحها المسلمون أيام أبي بكر عنوة سنة ١١ للهجرة". جعل المرزوقي تاريخ قيام هذه السوق بين سوقي صحار والشحر. ونستطيع أن نفهم شيئا من خطرها التجاري إذا علمنا أنها من فرض العرب المشهورة، وأنه يكون فيها من لا يكون في غيرها من تجار

стр. 243

السند والهند والصين وأهل المشرق والمغرب١، وتمتاز من غيرها بالبضائع الأجنبية التي يحملها التجار من بلادهم في البحر, وتنفذ منها تجارات العرب إلى الخارج. تقوم سوقها آخر يوم من رجب ويشترى بها بضائع جزيرة العرب وبضائع الأقاليم. ومن البديهي أن البيع فيها لا يكون بإلقاء الحجارة ولا بالإيماء ولا بغيرهما من البيوع الخاصة؛ لمكان الأجانب منها، بل هو بالمساومة٢ لأن السوق سوق مختلطة غير خالصة الصبغة. ولا يباع فيها شيء حتى يبيع ملكها الجلندى بن المستكبر كل ما عنده, وهو الذي يعشر الناس فيها كما يفعل غيره من الملوك في غيرها من الأسواق.

стр. 244

سوق الشحر: يطلق اسم الشحر على الساحل الجنوبي لجزيرة العرب بين عدن وعمان، والشحر مأخوذ من مشحر الأرض, وهو مسبخ الأرض ومنابت الحموض, وتشتمل على بلاد وأودية وقرى، والمراد بها هنا شحر مهرة وهي قصبتها، وليس فيها زرع ونخيل وإنما أموالهم الإبل "وبها نُجُب من الإبل تفضل في السير سائر النجب"١. ونظرا لوقوعها في أقصى جنوب الجزيرة على بحر الهند ضربوا بها المثل في البعد, فيقولون: "لست بمعجز لنا ولو بلغت الشحر"٢ واختلاط أهلها بالنازلة من الحبشة والهند وفارس وغيرهم من التجار، مع ما في لسانهم من الفروق بينه وبين لغة الحجاز جعل أهلها غير فصحاء حتى قال الإصطخري: "ألسنتهم مستعجمة جدا, لا يكاد يوقف عليها". وأرضهم في الجملة مقفرة، وعيش أهلها من الأنعام والتجارة والصيد. اشتهرت منذ القديم بعنبرها الذي لا نظير له، فكل عنبر جيد

стр. 245

إليها ينسب. قال الثعالبي في "ثمار القلوب": "عنبر الشحر يضرب به المثل, قال الشاعر: ..................................... ... ولو كنت عطرا كنت من عنبر الشحر" واللبان الذي يحمل إلى الآفاق منها يجلب. تقوم هذه السوق في النصف من شعبان بعد انفضاض سوق "دبى" ويقصدها من كان ثمة من تجار البر والبحر، والبضاعة الرائجة فيها البز والأدم والكندر والمر والصبر والدخن١. ولا يسير إليها قاصدها إلا بخفارة لبعدها وانقطاعها, فلا غنى لتجار العرب عن خفارة يتخفرون بها، وكان يقوم أحيانا بهذه الحفارة أهل مهرة أنفسهم. "ولم يكن بها عشور؛ لأنها ليست بأرض مملكة وكانت التجار تتخفر ببني محارب من مهرة"٢ وفي هذه السوق بيوع كالتي تقدمت في سوق دومة الجندل من رمي الحصاة وإلقاء الحجارة٢. وموضع هذه السوق -على ما ذكر محمد بن حبيب- تحت ظل الجبل الذي عليه قبر هود عليه السلام٢.

стр. 246

سوق عدن أبْين: قيل: إن هذه التسمية نسبة إلى أَبْيَن، وعدَن بالمكان: أقام، فمن هنا قول من قال: إنها اشتقت من العدن لأن أبين رجل من حمير أقام فيها. إلا أن صاحب تاج العروس قال: "نقل شيخنا عن حواشي الكشاف للفاضل اليمني وهو أعرف ببلاده: أبين اسم قصبة بينها وبين عدن ثمانية فراسخ، أضيفت إليها لأدنى ملابسة". وعدن مدينة ذات موقع جغرافي ممتاز، على بحر الهند إلى جنوبي مضيق باب المندب نحو الشرق. فيها مرسى للسفن الواردة إلى آسيا من البحر الأحمر، وبها كانت تمر مراكب الهند ومصر والحجاز والحبشة منذ القديم للحطّ والإقلاع، وهي في ذيل جبل ينتهي بسور إلى البحر "رديئة الهواء لا ماء بها ولا مرعى، وشرب أهلها من عين بينها وبين عدن مسيرة نحو يوم"١ والماء ينقل إليها على ظهور الدواب. وأهم تجارات هذه السوق الطيب بأنواعه، ويجلب إليها الأدم

стр. 247

والبرود من "معافر" وتكثر فيها اللطائم، وبها مغاوص اللؤلؤ. بقيت على شأنها هذا حتى الإسلام فازدهت في عهده تجارتها حتى "أصبحت فرضة اليمن ومقر كل فضل مستحسن" وإن الطيب الذي يستعمله سائر الناس كان يتخذ بها, وصار لأهلها بصنعه مهارة فائقة. قال المرزوقي: "وكان طيب الخلق جميعا بها يعبأ، ولم يكن يحسن صنعه أحد من غير العرب، حتى إن تجار البحر لترجع بالطيب المعمول "بعدن" تفخر به في السند والهند، وترتحل به تجار البر إلى فارس والروم. وإن الناس على ذلك "إلى اليوم" ما يحسن اليوم حمله إلا أهل الإسلام بعدن"١. كان العرب إذا ارتحلوا من الشحر بعد انفضاض سوقها نزلوا عدن, فأقاموا بها السوق مدة العشر الأول من رمضان، أما تجار البحر فإنهم يستغنون عن شهودها بما شهدوا من الأسواق قبلها، إلا من بقي من بيعه شيء لم ينفد بعد، أو فاته حضور ما قبلها، فإنه يشهدها مع الناس فيستدرك بها ما فاته من اتّجار, ثم ينفض الناس منها إلى رمضان من قابل. وقاصد هذه السوق في غنى عن خفارة الناس؛ لقيام حكومة

стр. 248

منظمة فيها فإنها من مخاليف اليمن؛ لذلك لا يتخفر أحد فيها وتؤدى عشور هذه السوق إلى ملكها من حمير أو من خلف حمير على ملكها. ولما صارت في حوزة الأبناء من فارس حين غلبوا على اليمن كما امتد نفوذ مملكتهم على سواحل العرب الشرقية والجنوبية كلها، جعل الناس يؤدون العشور فيها إلى هؤلاء. وذكر محمد بن حبيب أن "الأبناء تعشرهم بها, ولا تشتري في أسواقهم ولا تبيع"١. ولعل حال الأخذ والعطاء في هذه السوق أنشط وأوسع، والتجارة فيها حرة أكثر؛ لأن من قام على أمور عدن من حمير أو من الفرس لم يكونوا يتاجرون لأنفسهم فيها كما يفعل أكيدر في دومة أو الجلندى في صحار, فينحجز الناس عن عرض بضائعهم حتى يبيع الملك كل ما عنده من متاع، فكانت التجارة تحظى في هذه السوق بشيء من الانطلاق؛ لكف ملوكها عن مزاحمة الرعية على هذا المورد من الكسب.

стр. 249

سوق صنعاء: صنعاء أطيب بلاد اليمن، بل جنة جزيرة العرب كلها، هي مضرب الأمثال في طيب الهواء واعتداله وحسن العيش. قال ياقوت: "صنعاء قصبة اليمن وأحسن بلادها, تشبّه بدمشق لكثرة فواكهها وتدفق مياهها، وليس بجميع اليمن أكبر ولا أكثر مرافق وأهلا من صنعاء. وهي من الاعتدال في الهواء بحيث لا يتحول الإنسان من مكان طول عمره صيفا ولا شتاء، وتتقارب بها ساعات الشتاء والصيف، وغاية ساعات النهار بها اثنتا عشرة ساعة وإحدى وخمسون دقيقة١.طيبة الهواء, كثيرة الماء. قدم يزيد بن الصعق صنعاء ورأى أهلها وما فيها من العجائب، فلما انصرف قيل له: كيف رأيت صنعاء؟ فقال: ومن ير صنعاء الجنود أهلها ... وجنود حمير قاطنين، وحميرا يعلم بأن العيش قسم بينهم ... جلبوا الصفاء فأنهلوا، ما كدرا ويرى مقامات عليها بهجة ... يأرجن هنديا ومسكا أذفرا". وليس من الغريب أن نسمع يمنيا كالهمداني يشيد بذكرها فيقول:

стр. 250

"هي إحدى جنان الأرض عند كافة الناس"١, فقد حيرت بحسنها وكثرة أشجارها ومياهها ومروجها وأنهارها وطيب أوديتها غيره, فدهش أول ما رآها وملكه الإعجاب٢. "قال أحمد بن موسى وهو من الشعراء المتأخرين حين رفع إلى صنعاء, وصار إلى نقيل السود "على مقربة منها": إذا طلعنا "نقيل السود" لاح لنا ... من أفق صنعاء مصطاف ومرتبع يا حبذا أنت يا صنعاء من بلد ... وحبذا وادياك الظهر والضلع"٣. بقيت صنعاء٤ دار سلطنة وإمارة حتى يومنا هذا. وقد كان بها مقر ملوك اليمن قديما, وفيها قصر غمدان وهو بناء شاهق على تل عظيم اتخذه أقيال اليمن, وليس في اليمن جميعه بناء أرفع منه.
следующие страницы →