سوق عدن أبْين:
قيل: إن هذه التسمية نسبة إلى أَبْيَن، وعدَن بالمكان: أقام، فمن هنا قول من قال: إنها اشتقت من العدن لأن أبين رجل من حمير أقام فيها. إلا أن صاحب تاج العروس قال: "نقل شيخنا عن حواشي الكشاف للفاضل اليمني وهو أعرف ببلاده: أبين اسم قصبة بينها وبين عدن ثمانية فراسخ، أضيفت إليها لأدنى ملابسة".
وعدن مدينة ذات موقع جغرافي ممتاز، على بحر الهند إلى جنوبي مضيق باب المندب نحو الشرق. فيها مرسى للسفن الواردة إلى آسيا من البحر الأحمر، وبها كانت تمر مراكب الهند ومصر والحجاز والحبشة منذ القديم للحطّ والإقلاع، وهي في ذيل جبل ينتهي بسور إلى البحر "رديئة الهواء لا ماء بها ولا مرعى، وشرب أهلها من عين بينها وبين عدن مسيرة نحو يوم"١ والماء ينقل إليها على ظهور الدواب.
وأهم تجارات هذه السوق الطيب بأنواعه، ويجلب إليها الأدم
стр. 247
والبرود من "معافر" وتكثر فيها اللطائم، وبها مغاوص اللؤلؤ. بقيت على شأنها هذا حتى الإسلام فازدهت في عهده تجارتها حتى "أصبحت فرضة اليمن ومقر كل فضل مستحسن" وإن الطيب الذي يستعمله سائر الناس كان يتخذ بها, وصار لأهلها بصنعه مهارة فائقة. قال المرزوقي: "وكان طيب الخلق جميعا بها يعبأ، ولم يكن يحسن صنعه أحد من غير العرب، حتى إن تجار البحر لترجع بالطيب المعمول "بعدن" تفخر به في السند والهند، وترتحل به تجار البر إلى فارس والروم. وإن الناس على ذلك "إلى اليوم" ما يحسن اليوم حمله إلا أهل الإسلام بعدن"١.
كان العرب إذا ارتحلوا من الشحر بعد انفضاض سوقها نزلوا عدن, فأقاموا بها السوق مدة العشر الأول من رمضان، أما تجار البحر فإنهم يستغنون عن شهودها بما شهدوا من الأسواق قبلها، إلا من بقي من بيعه شيء لم ينفد بعد، أو فاته حضور ما قبلها، فإنه يشهدها مع الناس فيستدرك بها ما فاته من اتّجار, ثم ينفض الناس منها إلى رمضان من قابل.
وقاصد هذه السوق في غنى عن خفارة الناس؛ لقيام حكومة
стр. 248
منظمة فيها فإنها من مخاليف اليمن؛ لذلك لا يتخفر أحد فيها وتؤدى عشور هذه السوق إلى ملكها من حمير أو من خلف حمير على ملكها. ولما صارت في حوزة الأبناء من فارس حين غلبوا على اليمن كما امتد نفوذ مملكتهم على سواحل العرب الشرقية والجنوبية كلها، جعل الناس يؤدون العشور فيها إلى هؤلاء.
وذكر محمد بن حبيب أن "الأبناء تعشرهم بها, ولا تشتري في أسواقهم ولا تبيع"١.
ولعل حال الأخذ والعطاء في هذه السوق أنشط وأوسع، والتجارة فيها حرة أكثر؛ لأن من قام على أمور عدن من حمير أو من الفرس لم يكونوا يتاجرون لأنفسهم فيها كما يفعل أكيدر في دومة أو الجلندى في صحار, فينحجز الناس عن عرض بضائعهم حتى يبيع الملك كل ما عنده من متاع، فكانت التجارة تحظى في هذه السوق بشيء من الانطلاق؛ لكف ملوكها عن مزاحمة الرعية على هذا المورد من الكسب.
стр. 249
سوق صنعاء:
صنعاء أطيب بلاد اليمن، بل جنة جزيرة العرب كلها، هي مضرب الأمثال في طيب الهواء واعتداله وحسن العيش. قال ياقوت: "صنعاء قصبة اليمن وأحسن بلادها, تشبّه بدمشق لكثرة فواكهها وتدفق مياهها، وليس بجميع اليمن أكبر ولا أكثر مرافق وأهلا من صنعاء. وهي من الاعتدال في الهواء بحيث لا يتحول الإنسان من مكان طول عمره صيفا ولا شتاء، وتتقارب بها ساعات الشتاء والصيف، وغاية ساعات النهار بها اثنتا عشرة ساعة وإحدى وخمسون دقيقة١.طيبة الهواء, كثيرة الماء. قدم يزيد بن الصعق صنعاء ورأى أهلها وما فيها من العجائب، فلما انصرف قيل له: كيف رأيت صنعاء؟ فقال:
ومن ير صنعاء الجنود أهلها ... وجنود حمير قاطنين، وحميرا
يعلم بأن العيش قسم بينهم ... جلبوا الصفاء فأنهلوا، ما كدرا
ويرى مقامات عليها بهجة ... يأرجن هنديا ومسكا أذفرا".
وليس من الغريب أن نسمع يمنيا كالهمداني يشيد بذكرها فيقول:
стр. 250
"هي إحدى جنان الأرض عند كافة الناس"١, فقد حيرت بحسنها وكثرة أشجارها ومياهها ومروجها وأنهارها وطيب أوديتها غيره, فدهش أول ما رآها وملكه الإعجاب٢. "قال أحمد بن موسى وهو من الشعراء المتأخرين حين رفع إلى صنعاء, وصار إلى نقيل السود "على مقربة منها":
إذا طلعنا "نقيل السود" لاح لنا ... من أفق صنعاء مصطاف ومرتبع
يا حبذا أنت يا صنعاء من بلد ... وحبذا وادياك الظهر والضلع"٣.
بقيت صنعاء٤ دار سلطنة وإمارة حتى يومنا هذا. وقد كان بها مقر ملوك اليمن قديما, وفيها قصر غمدان وهو بناء شاهق على تل عظيم اتخذه أقيال اليمن, وليس في اليمن جميعه بناء أرفع منه.
стр. 251
"ويكون سوق صنعاء في واديها، قيل: هو وادي عليب، وقيل: هو أصل جبل نُقُم مما يلي قبليّه، وقيل: غدير الحقل"١.
كان العرب إذا ارتحلوا من الشحر وعدن أقاموا سوق صنعاء, فاستمرت من نصف شهر رمضان حتى آخره. يأتونها "بالقطن
стр. 252
والزعفران والأصباغ وأشباهها مما ينفق بها, ويشترون فيها ما يريدون من البزّ والحرير"١ وكان أروج تجاراتها الغالية والأدم والبرود, وكان هذان الصنفان الأخيران يجلبان إليها أيضا من معافر إحدى قرى اليمن فتباع فيها وتصدر إلى الأقطار, وكذلك يجلب منها من الخرز شيء كثير.
كان بيعهم فيها الجس جس اليد٢، وكان يعشر الناس فيها الأبناء٣ بعد أن كان يعشرهم أمراؤهم من حمير.
стр. 253
سوق حضرموت:
حضرموت إقليم واسع يشتمل على بلاد وقرى ومياه وجبال وأودية باليمن، يكون إلى جنوبه الشحر، وإلى شرقه عمان, وإلى غربه صنعاء. قريب من البحر وفيه رمال واسعة كثيرة تعرف بالأحقاف، وهذا الصقع كثير الجبال والأودية وهو في جملته قاحل، والبلد نفسها صغيرة ضئيلة الشأن، راسل أهلها رسول الله ﷺ فدخلوا في طاعته صلحا، وقدم عليه الأشعث بن قيس في بضعة عشر راكبا مسلما في وفد, فأكرمه الرسول١.
وأغلب قوت أهلها التمر؛ لأن بها نخلا كثيرا، وقد كشفت الحفريات الآن في هذا القطر عن مدن خربة عليها كتابات بالخط المسند، مما يدل أن لسكانه في القديم شأنا يذكر.
стр. 254
يتخذ بها نعال جيدة ذات شهرة, وتنسب إليها فيقال: نعل حضرمية, وهي الملسنة من النعال.
تقوم السوق في رابية بحضرموت فتعرف أيضا بسوق الرابية، من منتصف ذي القعدة حتى آخره، وربما قامت هي وعكاظ في يوم واحد، فكان بعض الناس يأخذ إلى عكاظ وبعضهم يتوجه إلى رابية حضرموت، وهذه السوق خاصة بمن حولها، ولكن كثيرا ما يأتيها الناس من بعيد، ولقريش قوافل إلى هذه السوق ترسلها في تجاراتها، وكثير من العرب يجوزها إلى غيرها ولا يحضرها، ونظرا لانقطاعها عما حولها لم يستغن قاصدها عن دليل وخفير. قال المرزوقي:
"أما الرابية فلم يكن يصل إليها أحد إلا بخفارة؛ لأنها لم تكن أرض مملكة، وكان من عزّ فيها بزّ صاحبه، فكانت قريش تتخفر ببني آكل المرار من كندة، وسائر الناس "يتخفرون" بآل مسروق بن وائل الحضرمي، فكانت مكرمة لأهل البيتين، وفضل أحدهما على الآخر كفضل قريش على سائر الناس"١.
فيستفيد هذان الحيان من الخفارة والدلالة معا ربحا ماديا, إذ كان كسبهم من أولئك التجار الذين يمشون بين أيديهم بسلاحهم يحرسون بضائعهم, ويحمون حياتهم, ويدلونهم على الطريق.
стр. 255
سوق عكاظ:
عكاظ١ هي المعرض العربي العام أيام الجاهلية، معرض بكل ما لهذه الكلمة من مفهوم لدينا نحن أبناء هذا العصر. فهي مجمع أدبي لغوي رسمي، له محكّمون تضرب عليهم القباب، فيعرض شعراء كل قبيلة عليهم شعرهم وأدبهم، فما استجادوه فهو الجيد، وما بهرجوه فهو الزائف. وحول هذه القباب الرواة والشعراء من عامة الأقطار العربية، فما ينطق الحكم بحكمه حتى يتناقل أولئك الرواة القصيدة الفائزة فتسير في أغوار الجزيرة وأنجادها، وتلهج بها الألسن في البوادي والحواضر. يحمل إلى هذه السوق التهامي والحجازي والنجدي والعراقي واليمامي واليمني والعماني، كل ألفاظ حيه ولغة قطره، فما تزال عكاظ بهذه اللهجات نخلا واصطفاء حتى يتبقى الأنسب الأرشق, ويطرح المجفوّ الثقيل.
وهي السوق التجارية الكبرى لعامة أهل الجزيرة، يحمل إليها
стр. 256
من كل بلد تجارته وصناعته كما يحمل إليها أدبه، فإليها يجلب الخمر من هجر والعراق وغزة وبصرى، والسمن من البوادي، ويرد إليها من اليمن البرود الموشّاة والأدم، وفيها الغالية وأنواع الطيب وأدوات السلاح.
ويباع فيها الحرير والوكاء والحذاء والمسيّر والعدني، يحملها إليها التجار من معادنها، وفيها من زيوت الشام وزبيبها وسلاحها ما اعتادت قريش أن تحمله في قفولها إلى مكة. ويعرض فيها كثير من الرقيق الذي ينشأ عن الغزو, وسبي الذراري فيباع فيها بيع المتاع التجاري١.
ويبيع فيها كل غازٍ سَلَبه, وكثيرا ما يكون هذا البيع سببا في قتل صاحبه إذا أبصر السلاح أحد من ذوي المقتول فعرفه، فإنه يضمرها في نفسه وينتظر أن يظفر بالرجل ليثأر منه.
стр. 257
وقد كانت تجارة فارس يصل منها أشياء إلى عكاظ: فإن النعمان بن المنذر ملك الحيرة كان يبعث إلى سوق عكاظ كل عام لطيمة "وهي في الأصل: العير المحملة مسكا" في جوار رجل شريف من أشراف العرب يجيرها له ويحميها من كل معتدٍ حتى تصل سالمة إلى عكاظ فتباع هناك, ويشرى بثمنها ما يحتاج إليه من أدم "جلود" الطائف وسائر المتاع في عكاظ, من حرير وعصب مسيّر، وبيعت فيها حلة ذي يزن فاشتراها حكيم بن حزام ليهديها رسول الله١، بل إن عكاظ نفسها مشهورة بما يعرض فيها من جلود حتى قالوا: "أديم عكاظي" نسبة إليها.
حتى البضائع المجهولة الأصل المعروضة في عكاظ تجد من شرائع القوم وأعرافهم التي التزموها ما يجعلها كاسدة لا يرغب فيها أحد، فهذا بعض لصوص العرب قرّب إبلا للبيع في سوق عكاظ وكان أغار عليها من كل وجه، فلما عرضها قيل له: "ما نارك؟ " "أي: ما سمة إبلك؟ وكانوا يعرفون علامة كل قوم التي يسمون إبلهم, ويعرفون كرمها من لؤمها"، فلما كثر ذلك عليه أنشأ يقول:
стр. 258
يسألني الباعة أين نارها ... إذ زعزعتها فسمت أبصارها
كل نجار إبل نجارها ... وكل نار العالمين نارها١
وهي معرض لكثير من عادات العرب وأحوالهم الاجتماعية: فههنا "قس بن ساعدة" يخطب الناس، يذكر الخالق ويعظهم بمن كان قبلهم ويأمرهم بفعل الخير٢. وهناك خالد بن أرطاة الكلبي تتبعه قبيلته وقد جاء لينافر جرير بن عبد الله البجلي ومع هذا حيه أيضا, وقد ساق كل منهما مالا عظيما ينافر عليه، وعرضا الحكومة على رجالات قريش فأبوا أن يحكموا خوف الفتنة بين الحيين, فالرجلان في عكاظ ينتظران الأقرع بن حابس ليقوم بهذه الحكومة وقد ساقا الرُّهُن فوضعوها عند عتبة بن ربيعة٣ دون جميع من شهد على ذلك المشهد. وههنا عمر بن الخطاب في الجاهلية يصارع٤، وثمة كاهن
стр. 259
وعراف وعائف وقائف، وقرد، وغنم، وصحيفة وكاتب.
وهناك أناس من غواة الشهرة: هذا يمد رجله وينشد شعرا ويقول: "من كان أعز العرب فليقطع رجلي" وآخر يأتي عكاظ ببناته ترويجا لزواجهن، وأناس قدموها ليختاروا من يتزوجون إليه ...
قال المرزوقي:
"كان في عكاظ أشياء ليست في أسواق العرب: كان الملك من ملوك اليمن يبعث بالسيف الجيد، والحلة الحسنة، والمركوب الفاره، فيقف بها وينادي عليه: "ليأخذه أعز العرب" يريد بذلك معرفة الشريف والسيد, فيأمره بالوفادة عليه ويحسن صلته وجائزته".
وكان كسرى يبعث في ذلك الزمان بالسيف القاطع والفرس الرائع والحلة الفاخرة فتعرض في تلك السوق, وينادي مناديه: "إن هذا بعثه الملك إلى سيد العرب" فلا يأخذه إلا من أذعنت له العرب جميعا بالسؤدد, فكان آخر من أخذه بعكاظ حرب بن أمية، وكان كسرى يريد بذلك معرفة ساداتهم؛ ليعتمد عليهم في أمور العرب, فيكونوا عونا له على إعزاز ملكه وحمايته من العرب ... ١.
стр. 260
وهي أيضا ندوة سياسية عامة، تقضى فيها أمور كثيرة بين القبائل؛ فمن كانت له إتاوة على قبيلة نزل عكاظ فجاءوه بها, ومن أراد تخليد نصر لحيه فعل فعل عمرو بن كلثوم فرحل إلى عكاظ وخلده فيها شعرا، ومن أراد إجارة أحد هتف بذلك في عكاظ حتى يسمع عامة الناس، ومن أراد إعلان حرب على قوم أعلنه في عكاظ، حتى "جمعية الأمم" أو "هيئة الأمم المتحدة" وما قامتا به من مجهود "رسمي" في سبيل السلم الخاص، كان لها صورة مصغرة تشبههما بحسب الظاهر "لا في الحقيقة؛ لأن عكاظ لم تكن ترائي فتستغل الدعاية الشريفة لتسيغ للقوي أكل الضعيف"، فقد روى الأصفهاني أنه: "اجتمع ناس من العرب بعكاظ منهم قرة بن هبيرة القشيري والمخبل وهو في جوار قرة، في سنين تتابعت على الناس فتواعدوا وتوافقوا ألا يتغاوروا حتى يخصب الناس"١ ولا يخفى علينا أنه كانت تكون في عكاظ "وقائع مرة بعد مرة"٢.
وكانت هذه السوق تقوم من العرب يومئذ مقام الجريدة الرسمية في أيامنا هذه, وقد تقدم آنفا شيء من ذلك في أمر الجوار وأخبار
стр. 261
الحروب. فمن أتى عملا شائنا تأباه مروءة العربي شهروا أمره بعكاظ, ونصبوا له راية غدر١ فعرفوه فلعنوه واجتنبوه، ومن أراد أن يستلحق امرأ بنسبه استلحقه وأعلن ذلك للناس في عكاظ، ومن أراد التبرؤ من قريب لسبب ما، تبرأ منه علنا، فإذا أتى بعد ذلك جريمة أو خيانة كان المتبرئ -في عرف العرب يومئذ- في حل مما أتى قريبه: ذكروا "أن قيس بن الحدادية من شعراء الجاهلية، كان شجاعا فاتكا صعلوكا خليعا، وقد جر على قومه خزاعة عنتا وإرهاقا كبيرا، فخلعته خزاعة بسوق عكاظ وأشهدت على نفسها بخلعها إياه, فلا تحتمل جريرة له ولا تطالب بجريرة يجرها أحد عليه"٢.
وإذا أطلق لقب على أحد في عكاظ عرف صاحبه به، وجرى له مجرى اسمه واسم أبيه: قاتل أبو ربيعة بن المغيرة من قريش يوم
стр. 262
شرب "وهو من أيام عكاظ" برمحين فسمي ذا الرمحين وبه يعرف، وثبت في هذه الحروب من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الستة وهم: حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وعمرو وأبو عمرو فسموا "العنابس" والعنبس: الأسد١, وأمثال ذلك.
وغني عن البيان أيضا ما يدخره الصغار الذين يصطحبهم أهلوهم إلى عكاظ من ذكريات عن تلك السوق لا تنسى، هذه خولة بنت ثعلبة٢ تستوقف عمر بن الخطاب في خلافته, فيقف لها فتقول: "إيها يا عمر، عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ تزع الصبيان بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ولم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين! "٣.
وخير ما يعطينا صورة واضحة عن عكاظ أن نعرض لأهم الأحداث التي جرت فيها، فنتمثل بوساطتها أحوال العرب في هذه السوق الكبرى، في بيعهم وشرائهم وتخاصمهم وتفاخرهم وحربهم
стр. 263
وسلمهم، فإن في ذلك تفصيل ما أجملت١.
وأشد ما يثير الاستغراب، هذا الشبه الكبير بين عكاظ ومعارض هذا العصر، بل إن عكاظ لأوسع مدى فيما يعرض؛ فإنه لا يقتصر على مواد التجارة والصناعة بل يتعداهما إلى الأدب والشعر والحرب والسلم والعادات ... فإذا أنا أفضت في وصف عكاظ وما فيها، فإن ذلك إفاضة في وصف سائر أسواق العرب أيضا، فليس فيهن سوق تساميها. وما جرى في عكاظ جرى قريب منه في بقية الأسواق مع مراعاة صغر هذه واقتصارها أحيانا على أهل ناحية واحدة، فليكن تاريخ عكاظ إذًا تاريخا لكل أسواق العرب، وتاريخا لكثير من عاداتهم الاجتماعية أيضا.
стр. 264
عكاظ نخل في وادٍ بين مكة والطائف على مرحلتين من مكة ومرحلة من الطائف، وموقعها جنوب مكة إلى الشرق. هذا زبدة ما يستخلص من تعاريفهم المتضاربة في عكاظ١ تقوم السوق في مكان منه يعرف بالأثيداء فيه مياه ونخل، وهو مستوٍ لا علم فيه ولا جبل إلا ما كان من الأنصاب التي كانت لأهل الجاهلية، وبها من دماء
стр. 265
البدن كالأرحاء العظام١. كانوا يطوفون حول صخور فيها، وربما
стр. 266
كان ذلك شعيرة من شعائرهم, فقد ذكروا أنهم كانوا يحجون إليها. وبالأثيداء كانت أيام الفجار.
والظاهر أن ما يطلق عليه "عكاظ" من الأرض متسع فسيح فيه حرار, وفيه أرضون مسقية ذات نخيل. وقد مر في حروب الفجار أن "شربا" من عكاظ، وأن "العبلاء" إلى جنب عكاظ، وأن "شمطة" موضع في عكاظ, وأن "الحريرة" حرة إلى جانب عكاظ مما يلي مهب جنوبها، وعرفت أن بني نصر صبروا مع ثقيف؛ لأن عكاظ بلدهم وذلك الذي أحماهم.
ولا شك أن أرضا اتسعت بعض أجزائها لمعارك عدة أرض فسيحة واسعة، وبذلك نفهم كيف كانت السوق تتنقل في عكاظ, فلا تلازم بقعة واحدة لا تحيد عنها يمينا ولا شمالا على مدى السنين المتطاولة.
وهي وما جاورها ديار قيس عيلان وهوازن منهم خاصة.
وقد عرفت من حرب الفجار ص١٧٠ أن قريشا بادرت من
стр. 267
عكاظ مسرعة إلى الحرم؛ خوفا من هذه القبائل بعد قتل البراض، إذ كانت عكاظ في ديارهم، وهم بها أكثر ما يكونون منعة وعددا.
أما اشتقاق عكاظ ولِمَ سميت بهذا الاسم، فقد ذهب اللغويون فيه مذاهب، وقلبوا الكلمة على معانيها المختلفة: فالقهر والحبس وردّ الفخر والتجادل والتحاج ... كل هذا معانٍ للعكظ وكلها صالحة لأن يعلل بها التسمية, فيقول قوم: سميت عكاظ؛ لأن العرب كانت تجتمع فيها فيعكظ بعضهم بعضا في المفاخرة أي: يقهره ويعركه، وقال آخرون: إنها من تعكّظ القوم, إذا تحبسوا لينظروا في أمورهم، وذهب غيرهم إلى أنها من التعاكظ بمعنى التفاخر.
تقوم هذه السوق في ذي القعدة، وللعلماء بعد خلاف في تعيين أيامها من هذا الشهر؛ فالمرزوقي يجعلها تبدأ من نصفه حتى آخره، وآخرون يجعلون وقتها في شوال١, إلا أن الأكثرين على أنها تبدأ من أول ذي القعدة وتستمر حتى العشرين منه؛ إذ تبدأ سوق مجنة فيرتحل إليها الناس وهي أقرب من مكة، فإذا أهل ذو الحجة انقشع الناس من مجنة إلى ذي المجاز قرب عرفة, وبقوا فيها حتى يوم التروية فيبدأ الحج.
стр. 268
ويمكن جمع الأقوال المتقدمة بأن عكاظ قد تحفل بالناس في شوال ويتم تقاطرهم إليها في ذي القعدة؛ الزمن الرسمي للسوق. وحين تذهب جماعاتهم إلى مجنة في العشرين من ذي القعدة يتخلف كثير ممن لم يكن أنهى بيعه وشراءه فلا يتم خلو السوق تماما إلا في غرة ذي الحجة عند اقتراب الحج١.
والسوق لقيس بن عيلان وثقيف وهي بمعكد هوازن، وأرضها لنصر، حتى لقد منعت هوازن قريشا مرة من حضور عكاظ، فقد روى الهمداني أنه لما طرد عبد الله بن جدعان القرشي مائة ناقة لكلاب بن ربيعة من هوازن، أرسل هذا إلى قريش: "إن سفيهكم أغار علي فطردنا٢ مائة ناقة، فليس لكم أن تشهدوا عكاظ، ولي عليكم ترة، وكان عكاظ في وسط أرض قيس عيلان"٣ ونوت قريش قتل ابن جدعان؛ لعدم استغنائها عن حضور السوق.
стр. 269
ينزل السوق "قريش وهوازن وغطفان وخزاعة والأحابيش وعضل والمصطلق وطوائف من أفناء العرب"١ يؤمونها من العراق والبحرين واليمامة وعمان والشحر واليمن وسائر أطراف الجزيرة.
فهي عامة حتى إنه ليس فيها مكّاس ولا عشّار؛ لأنه لم تكن في ملك أحد من الأمراء. وقربها من مكة ومشاعر الحج ألبسها حرمة تتقصف دونها مطامع الكبراء، ولعل من أهم ميزاتها صفتها العامة هذه، أما الفصل بين الناس فيها فزعم المرزوقي "أن أمر الموسم وقضاء عكاظ كان في بني تميم يكون ذلك في أفخاذهم: الموسم على حدة، وعكاظ على حدة، وكان من اجتمع له ذلك منهم عامر بن الظرب العدواني وسعد بن زيد مناة من تميم، وقد فخر المخبل بذلك في شعره فقال:
ليالي سعد في عكاظ يسوقها ... له كل شرق من عكاظ ومغرب
ثم وليه "فلان وفلان ... " حتى جاء الإسلام فكان يقضي بعكاظ محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، وكان أبوه قاضيها في الجاهلية، فمات فصار ذلك ميراثا لهم، وكان آخر من قضى منهم ووصل إلى الإسلام الأقرع بن حابس".
وكان الناس ينزلونها منحازين على مداعيهم وراياتهم في المنازل،
стр. 270
تضبط أمور كل قبيلة أشرافها وقادتها. ويختلط بعض الناس في بعض إذا هبطوا بطن السوق للبيع والشراء.
تقيم العرب هؤلاء الأيام في عكاظ يتهيئون للحج ويتبايعون ويتناشدون ويتفاخرون ويتقارعون ويتنافرون ويتعاظمون١.
ولم يكن مجمع للعرب أحفل من عكاظ، فكانوا يضربون بكثرة أهلها المثل، وبقيت لها هذه الشهرة بعد الإسلام، فقد جاء في الأمالي: أن عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب لما سئل عن قتله عليا قال: "ضربته ضربة, لو كانت بأهل عكاظ لقتلتهم"٢.
وكما كان يقوم بأمر الحكومة عامة فيها بنو تميم٣, كانت الحكومة في الشعر للنابغة الذبياني.
لا عاشر لهذه السوق، وأما بيعهم فيها فهو السرار وجس اليد٤.
стр. 271
وإليك الآن مُثُلا مما كان يجري في عكاظ سياسة ومنافرة وفداء أسرى، وأدبا وحربا ومتاجرة:
١- منافرة:
اجتمع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطفيل بموسم عكاظ، وقدم أمية بن الأسكر الكناني وتبعته ابنة له من أجمل أهل زمانها, فخطبها يزيد وعامر. فقالت أم كلاب امرأة أمية:
"من هذان الرجلان؟ " فقال: "هذا يزيد بن عبد المدان، وهذا عامر بن الطفيل" فقالت: "أعرف بني الديان، ولا أعرف عامرا" فقال: "هل سمعت بملاعب الأسنة؟ " فقالت: "نعم" قال: "فهذا ابن أخيه" وأقبل يزيد يفاخر خصمه فقال:
"يا أمية, إن ابن الديان صاحب الكتيبة ورئيس مذحج ومكلم العُقاب، ومن كان يصوّب أصابعه فتنتطف دما ويدلك راحتيه فتخرجان ذهبا".
فقال أمية: "بخ بخ! مرعى ولا كالسعدان"١,
стр. 272
"فأرسلها مثلا".
فقال يزيد: يا عامر! هل تعلم شاعرا من قومي سار بمدحة إلى رجل من قومك؟
قال: اللهم لا.
قال: فهل تعلم أن شعراء قومك يرحلون بمدائحهم إلى قومي؟
قال: اللهم نعم.
قال: فهل لكم نجم يمان أو برد يمان أو سيف يمان أو ركن يمان؟
قال: لا.
قال: فهل ملكناكم ولم تملكونا؟
قال: نعم.
فنهض يزيد, وأنشأ يقول مخاطبا أبا البنت:
أميَّ يابن الأسكر بن مدلج ... لا تجعلنْ هوازنا كمذحج
إنك إن تلهج بأمر تلجج ... ما النبع في مغرسه كالعوسج
ولا الصريح المحض كالممزج
فزوج أمية يزيد بن عبد المدان ابنته, ثم لج التهاجي بين الرجلين.
стр. 273
٢- في سبيل بغيّ:
وافى معاوية بن عمرو بن الشريد عكاظ في موسم من مواسم العرب، فبينا هو يمشي بسوق عكاظ إذ لقي أسماء المرية وكانت جميلة، وزعم أنها كانت بغيا فدعاها إلى نفسه فامتنعت عليه, وقالت: "أما علمت أني عند سيد العرب هاشم بن حرملة؟ ".
فأحفظته فقال: "أما والله لأقارعنه عنك" قالت: "شأنك وشأنه".
فرجعت إلى هاشم فأخبرته بما قال معاوية وما قالت له, فقال هاشم:
"لعمري, لا نريم أبياتنا حتى ننظر ما يكون من جهده".
ثم مضى عام وأصاب قوم هاشم غرة من معاوية فقتل في خبر طويل، وكان بين الحيين يوم حوزة الأول ويوم حوزة الثاني ويوم ذات الأثل ويوم ملحان وهي من أيام العرب المشهورة الطافحة أدبا وشعرا ورجزا. ولها الفضل في إتحاف اللغة العربية بأكثر قصائد الخنساء؛ لأنها أخت معاوية هذا وأخيه صخر، فلهذه الأيام قالت الخنساء أبلغ الرثاء في الشعر العربي.
стр. 274
٣- خطة غدر:
لقي زرعة بن عمرو بن خويلد النابغة بعكاظ، فأشار عليه أن يشير على قومه بقتال بني أسد وترك حلفهم، فأبى النابغة الغدر، فبلغه أن زرعة يتوعّده فقال من قصيدة:
نبثت زرعة والسفاهة كاسمها ... يهدي إلي غرائب الأشعار
فحلفت يا زرع بن عمرو إنني ... رجل يشق على العدو ضراري
أرأيت يوم عكاظ حين لقيتني ... تحت العجاج فما شققت غباري
أنا اقتسمنا خطتينا بيننا ... فحملت برة واحتملت فجار١
فلتأتينك قصائد وليدفعن ... جيشا إليك قوادم الأكوار٢
رهط ابن كوز محقبي أدراعهم ... فيهم ورهط ربيعة بن حذار و..
وبنو جذيمة حي صدق سادة ... غلبوا على خبت إلى تعشار
متكنفي جنبي عكاظ كليهما ... يدعو بها ولدانهم عرعار٣ ... إلخ.
وهكذا لم يخنع للتهديد قاضي الشعراء في عكاظ، بل التزم
стр. 275
الوفاء وشهّر هذا الذي يريد أن يحمله على الغدر تشهيرا يدرك عاره كل من في عكاظ.
٤- معاظمة في المصائب:
أيام حوزة والأثل وملحان، ذهبت بوالد الخنساء عمرو بن الشريد وبأخويها صخر ومعاوية، فطفقت الخنساء تبكي قتلاها ولا تزداد على الأيام إلا إعظاما لمصيبتها, فقرّحت أجفان الناس بما بكت على هؤلاء وخاصة أخاها صخرا.
انحدرت هذه الشاعرة العظيمة إلى عكاظ تسجل فيها رسميا أنها أعظم العرب مصيبة، فليس أحد أصيب بما أصيبت، فكانت تنزل كل عام على هودج سوّمته لتلفت إليها الأنظار، وجرت على هذه العادة أعواما.
ثم كانت وقعة بدر التي انتصف فيها الإسلام من مناوئيه, وقتل فيها من أعدائه صناديد قريش: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. "فأقبلت هند بنت عتبة ترثيهم, وبلغها تسويم الخنساء هودجها في الموسم ومعاظمتها العرب بمصيبتها بأبيها عمرو بن الشريد وأخويها صخر ومعاوية, وأنها جعلت تشهد الموسم وتبكيهم وقد
стр. 276
سومت هودجها براية, وأنها تقول: "أنا أعظم العرب مصيبة" وأن العرب قد عرفت لها بعض ذلك، فلما أصيبت هند بما أصيبت به وبلغها ذلك قالت: "أنا أعظم من الخنساء مصيبة". وأمرت بهودج فسوم براية وشهدت الموسم بعكاظ, وجعلت تندب قتلاها بقولها:
من حس لي الأخوين كالـ ... ـغصنين أو من رآهما
قرمان١ لا يتظالما ... ن ولا يرام حماهما
ويلي على أبوي والـ ... ـقبر الذي واراهما
لا مثل كهلي في الكهو ... ل ولا فتى كفتاهما ... إلخ.
وقالت: "اقرنوا جملي بجمل الخنساء" ففعلوا. فلما أن دنت منها قالت لها الخنساء: "من أنت يا أخية؟ " قالت: "أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة، وقد بلغني أنك تعاظمين العرب بمصيبتك, فبم تعاظمينهم؟ ".
فقالت الخنساء: "بعمرو بن الشريد وصخر ومعاوية ابني عمرو، وبم تعاظمينهم أنت؟ ".
قالت: "بأبي عتبة بن ربيعة وعمي شيبة بن ربيعة وأخي الوليد بن عتبة".
стр. 277
قالت الخنساء: "أوسواء هم عندك؟! " ثم أنشدت تقول:
أبكي أبي عمرا بعين غزيرة ... قليل إذا نام الخلي هجودها
وصنويّ، لا أنسى معاوية الذي ... له من سراة الحرتين وفودها
وصخرا، ومن ذا مثل صخر إذا غدا ... بساهمة الآطال قبا يقودها١
فذلك يا هند الرزية فاعلمي ... ونيران حرب حين شب وقودها
فقالت هند تجيبها:
أبكي عميد الأبطحين كليهما ... وحاميهما من كل باغ يريدها
أبي عتبة الخيرات ويحك فاعلمي ... وشيبة والحامي الذمار وليدها
أولئك آل المجد من آل غالب ... وفي العز منها حين ينمى عديدها
وأمر هند والخنساء هذا في عكاظ، من أغرب ما يؤثر في باب التنافس واعتناء الناس بمصائبهم واهتمامهم بالتنويه بها وتخليدها في آدابهم ومحافلهم العامة. ولعل هذا المنظر، منظر تينك السيدتين بلباسهما الأسود وجمليهما المسومين، أطرف منظر شهدته عكاظ.
стр. 278
٥- الفجار الأول:
جلس بدر بن معشر الغفاري في مجلس له بعكاظ -وكان بدر رجلا حدثا منيعا مستطيلا بمنعته على من ورد عكاظ- فجعل يقول, ورجل على رأسه قائم:
نحن بنو مدركة بن خندف ... من يطعنوا في عينه لا يطرف
ومن يكونوا قومه يغطرف ... كأنهم لجة بحر مسدف١
وهو باسط رجله يقول: "أنا أعز العرب، فمن زعم أنه أعز مني فليضرب هذه بالسيف فهو أعز مني" فوثب رجل من بني نصر بن معاوية فضربه على ركبته فأندرها, ثم قال له: "خذها إليك أيها المخندف" وأنشد وهو شاهر سيفه:
نحن بنو دهمان ذي التغطرف ... بحر لبحر زاخر لم ينزف
نبني على الأحياء بالمعرف
فتحاور الحيان عند ذلك, وثارا حتى كادت تكون فتنة ودماء. ثم تراجعوا ورأوا أن الخطب يسير.
وهذا الذي هاج أول أيام الفجار بين كنانة وهوازن.
стр. 279
٦- إتاوة:
كان لزهير بن جذيمة العبسي إتاوة على هوازن، وكان إذا كانت أيام عكاظ أتاها زهير ويأتيها الناس من كل وجه، فتأتيه هوازن بالإتاوة التي كانت له في أعناقهم, فيأتونه بالسمن والأقط والغنم ... ثم إذا تفرق الناس عن عكاظ نزل زهير بالنفرات.
أتت زهيرا يوما عجوز من هوازن بسمن في نحي، واعتذرت إليه وشكت السنين التي تتابعن على الناس، فذاقه زهير فلم يرض طعمه، فدعسها "طعنها" بقوس في يده عطل في صدرها, فاستلقت على قفاها فانكشفت وبدت عورتها، فغضبت من ذلك هوازن واضطغنتها عليه، مع ما كان في صدرها من الغيظ والحسد. فتذامرت عامر بن صعصعة يومئذ، وتألى خالد بن جعفر "من سراة هوازن" وقال: "والله لأجعلن ذراعي في عنقه حتى يُقتل أو أُقتل" وجعلوه من شأنهم في حروب وأيام حتى ظفروا به فقتلوه.
стр. 280
٧- ظفر بثأر:
"أقبل شأس بن زهير العبسي من عند النعمان بن المنذر، وكان قد حباه بحباء جزيل، وكان فيما حباه قطيفة حمراء ذات هدب، وطيلسان, وطيب، فورد منعجا "وهو ماء لغني" فأناخ راحلته إلى جانب الردهة، وعليها خباء لرياح بن الأسل الغنوي، وجعل يغتسل, فناداه الغنوي: "استتر" فلم يحفل بما قال، فقال: استتر ويحك، البيوت بين يديك، فلم يحفل، وامرأة رياح تنظر إليه وهو مثل الثور الأبيض، فانتزعه رياح بسهم فقتله ونحر ناقته, فأكلها وضم متاعه وغيّب أثره.
فُقد شأس بن زهير، ومكث قومه كذلك ما شاء الله حتى رأوا امرأة رياح هذه باعت بعكاظ قطيفة حمراء أو بعض ما كان من حباء الملك، فعرفوها وعلموا أن رياحا صاحب ثأرهم. فغزت بنو عبس غنيا قبل أن يطلبوا قودا أو دية, وهرب رياح منهم، وكان لعكاظ الفضل في معرفة القاتل؛ إذ عملت في ذلك عمل رجال التحري اليوم.
بقي قوم شأس ووالده زهير خاصة يكثرون القتل في غني
стр. 281
ولا يشتفون، وضرب الزمان ضرباته فالتقى خالد بن جعفر بن كلاب، هو ووالد شأس القتيل العبسي في عكاظ في الشهر الحرام، فقال خالد لزهير: "لقد طال شرنا منك يا زهير, أما آن لك أن تشتفي وتكف؟ " قال زهير: "أما والله ما دامت لي قوة أدرك بها ثأرا فلا انصرام له". وأغلظ له زهير وحقره. وكان ذلك الكلام بينهما أمام رجال من قريش كانوا في عكاظ، فلما حقره زهير وسبه قال خالد:
"اللهم أمكن يدي هذه الشقراء القصيرة من عنق زهير بن جذيمة, ثم أعنى عليه".
فقال زهير: "اللهم أمكن يدي هذه البيضاء الطويلة من عنق خالد ثم خل بيننا".
فقالت قريش: "هلكت والله يا زهير". فقال: "إنكم -والله- الذين لا علم لكم".
وكانت هوازن تؤتي زهير بن جذيمة الإتاوة كل سنة بعكاظ, وهو يسومها الخسف, وفي أنفسها منه غيظ وحقد.
ومضى الرجلان وتفرق الجمع عن عكاظ, وبقي خالد وقومه يتربصون بزهير حتى وجدوا منه غرة فقتلوه.
стр. 282
وفي ذلك يقول خالد بن جعفر بن كلاب:
بل كيف تكفرني هوازن بعدما ... أعتقتهم فتوالدوا أحرارا
وقتلت ربهم زهيرا بعدما ... جدع الأنوف وأكثر الأوتارا
وجعلت مهر نسائهم ودياتهم ... عقل الملوك هجائنا وبكارا
٨- سيف يثأر لصاحبه:
قُتل الحارث بن ظالم -وكان أحد الجبارين الفتاكين الذين أضرموا الجزيرة فتنا ودماء- قتله ابن الخس التغلبي؛ ثأرا بأبيه الذي كان كاهن يزيد بن عمرو الغساني, أمره بقتله الملك في خبر طويل ...
فأخذ ابن الخس سيف الحارث بن ظالم، فأتى به عكاظ في الأشهر الحرم، فجعل يعرضه على البيع ويقول: "هذا سيف الحارث بن ظالم" فاشتراه قيس بن زهير بن جذيمة، فأراه إياه فعلاه به حتى قتله ثم أنشد قيس يرثي الحارث:
وما قصرت من حاضن دون سترها ... أبر وأوفى منك حار بن ظالم
أعز وأحمى عند جار وذمة ... وأضرب في كاب من النقع قاتم١
стр. 283
٩- شريف غير مقنّع:
كانت الفرسان إذا كانت أيام عكاظ في الشهر الحرام وأمن بعضهم بعضا تقنعوا كيلا يعرفوا، وكذلك كان حال الشرفاء، فإنه لا يوافي عكاظ شريف إلا على وجهه برقع؛ مخافة أن يؤسر يوما فيكبر فداؤه، وكان طريف بن تميم العنبري من مشهوري شجعان العرب وفرسانهم، لا يتقنع كما كانوا يتقنعون.
فوافى عكاظ يوما وقد قتل رجلا من بني شيبان, وتطوع منهم رجل للأخذ بثأره من طريف, فقال لقومه: "أروني طريفا". فأروه إياه، فجعل كلما مر به تأمله ونظر إليه فأمعن النظر، ففطن طريف فقال: "ما لك تنظر إلي؟ " فقال: "أتوسمك لأعرفك، فلله علي إن لقيتك يوما أن أقتلك".
فقال طريف في ذلك:
أوكلما وردتْ عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسم
فتوسموني إنني أنا ذلكم ... شاكي سلاحي في الحوادث معلم
تحتى الأغر، وفوق جلدي نثرة ... زغف ترد السيف وهو مثلم١
стр. 284
حولي أسيد والهجيم ومازن ... وإذا حللت فحول بيتي خضم١
ولكل بكري لدي عداوة ... وأبو ربيعة شانئ ومحلّم
فمضى لذلك ما شاء الله, ثم ظفر الرجل بطريف في يوم من أيام العرب, فقتله ثأرا لقتيله.
١٠- تأديب سفيه:
كان عبد الله بن جعدة سيدا مطاعا، وكانت له إتاوة بعكاظ يؤتى بها؛ يأتيه بها هذا الحي من الأزد وغيرهم، فجاء سُمَير بن سلمة القشيري وعبد الله جالس على ثياب قد جمعت له من إتاوته, فأنزله عنها وجلس مكانه، فجاء رياح بن عمرو بن ربيعة بن عقيل -وهو الخليع، سمي بذلك لتخلعه عن طاعة الملوك لا يعطيهم الطاعة- فقال للقشيري: "ما لك ولشيخنا تنزله عن إتاوته ونحن ههنا حوله؟! ".
فقال القشيري: "كذبت، ما هي له" ثم مد القشيري رجله فقال: "هذه رجلي فاضربها إن كنت عزيزا" قال: "لا, لعمري لا أضرب رجلك" فقال له القشيري: "فامدد لي رجلك حتى
стр. 285
تعلم أأضربها أم لا؟ " فقال: "ولا أمد لك رجلي، ولكن أفعل ما لا تنكره العشيرة، وما هو أعز بي وأذل لك" ثم أهوى إلى رجل القشيري فسحبه على قفاه ونحّاه, وأقعد عبد الله بن جعدة مكانه.
١١- إغاثة:
أغار قيس بن عاصم المنقري على بني مرة بن عوف بن ذبيان، فأسر أحد رجلين من هوازن جاورا في بني مرة. ففدى كل قوم أسيرهم من قيس بن عاصم، وتركوا الهوازني فاستغاث أخوه بوجوه بني مرة فلم يغيثوه.
ركب الهوازني إلى موسم عكاظ, فأتى منازل مذحج ليلا, فنادى يذكر أسيره ومن استغاث بهم فردوه:
دعوت سنانا وابن عوف وحارثا ... وعاليت دعوى بالحصين وهاشم
أعيذهم في كل يوم وليلة ... بترك أسير عند قيس بن عاصم
حليفهم الأدنى وجار بيوتهم ... ومن كان عما سرهم غير نائم
فصمّوا وأحداث الزمان كثيرة ... وكم في بني العلات من متصامم
فيا ليت شعري من لإطلاق غمة ... ومن ذا الذي يحظى به في المواسم
فسمع صوتا من الوادي, ينادي بهذه الأبيات:
ألا أيهذا الذي لم يُجَبْ ... عليك بحي يجلّي الكرب