← История

История · id 9999

أسواق العرب في الجاهلية والإسلام

سعيد الأفغاني

Полный текст (499 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ولا يشتفون، وضرب الزمان ضرباته فالتقى خالد بن جعفر بن كلاب، هو ووالد شأس القتيل العبسي في عكاظ في الشهر الحرام، فقال خالد لزهير: "لقد طال شرنا منك يا زهير, أما آن لك أن تشتفي وتكف؟ " قال زهير: "أما والله ما دامت لي قوة أدرك بها ثأرا فلا انصرام له". وأغلظ له زهير وحقره. وكان ذلك الكلام بينهما أمام رجال من قريش كانوا في عكاظ، فلما حقره زهير وسبه قال خالد: "اللهم أمكن يدي هذه الشقراء القصيرة من عنق زهير بن جذيمة, ثم أعنى عليه". فقال زهير: "اللهم أمكن يدي هذه البيضاء الطويلة من عنق خالد ثم خل بيننا". فقالت قريش: "هلكت والله يا زهير". فقال: "إنكم -والله- الذين لا علم لكم". وكانت هوازن تؤتي زهير بن جذيمة الإتاوة كل سنة بعكاظ, وهو يسومها الخسف, وفي أنفسها منه غيظ وحقد. ومضى الرجلان وتفرق الجمع عن عكاظ, وبقي خالد وقومه يتربصون بزهير حتى وجدوا منه غرة فقتلوه.

стр. 282

وفي ذلك يقول خالد بن جعفر بن كلاب: بل كيف تكفرني هوازن بعدما ... أعتقتهم فتوالدوا أحرارا وقتلت ربهم زهيرا بعدما ... جدع الأنوف وأكثر الأوتارا وجعلت مهر نسائهم ودياتهم ... عقل الملوك هجائنا وبكارا ٨- سيف يثأر لصاحبه: قُتل الحارث بن ظالم -وكان أحد الجبارين الفتاكين الذين أضرموا الجزيرة فتنا ودماء- قتله ابن الخس التغلبي؛ ثأرا بأبيه الذي كان كاهن يزيد بن عمرو الغساني, أمره بقتله الملك في خبر طويل ... فأخذ ابن الخس سيف الحارث بن ظالم، فأتى به عكاظ في الأشهر الحرم، فجعل يعرضه على البيع ويقول: "هذا سيف الحارث بن ظالم" فاشتراه قيس بن زهير بن جذيمة، فأراه إياه فعلاه به حتى قتله ثم أنشد قيس يرثي الحارث: وما قصرت من حاضن دون سترها ... أبر وأوفى منك حار بن ظالم أعز وأحمى عند جار وذمة ... وأضرب في كاب من النقع قاتم١

стр. 283

٩- شريف غير مقنّع: كانت الفرسان إذا كانت أيام عكاظ في الشهر الحرام وأمن بعضهم بعضا تقنعوا كيلا يعرفوا، وكذلك كان حال الشرفاء، فإنه لا يوافي عكاظ شريف إلا على وجهه برقع؛ مخافة أن يؤسر يوما فيكبر فداؤه، وكان طريف بن تميم العنبري من مشهوري شجعان العرب وفرسانهم، لا يتقنع كما كانوا يتقنعون. فوافى عكاظ يوما وقد قتل رجلا من بني شيبان, وتطوع منهم رجل للأخذ بثأره من طريف, فقال لقومه: "أروني طريفا". فأروه إياه، فجعل كلما مر به تأمله ونظر إليه فأمعن النظر، ففطن طريف فقال: "ما لك تنظر إلي؟ " فقال: "أتوسمك لأعرفك، فلله علي إن لقيتك يوما أن أقتلك". فقال طريف في ذلك: أوكلما وردتْ عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسم فتوسموني إنني أنا ذلكم ... شاكي سلاحي في الحوادث معلم تحتى الأغر، وفوق جلدي نثرة ... زغف ترد السيف وهو مثلم١

стр. 284

حولي أسيد والهجيم ومازن ... وإذا حللت فحول بيتي خضم١ ولكل بكري لدي عداوة ... وأبو ربيعة شانئ ومحلّم فمضى لذلك ما شاء الله, ثم ظفر الرجل بطريف في يوم من أيام العرب, فقتله ثأرا لقتيله. ١٠- تأديب سفيه: كان عبد الله بن جعدة سيدا مطاعا، وكانت له إتاوة بعكاظ يؤتى بها؛ يأتيه بها هذا الحي من الأزد وغيرهم، فجاء سُمَير بن سلمة القشيري وعبد الله جالس على ثياب قد جمعت له من إتاوته, فأنزله عنها وجلس مكانه، فجاء رياح بن عمرو بن ربيعة بن عقيل -وهو الخليع، سمي بذلك لتخلعه عن طاعة الملوك لا يعطيهم الطاعة- فقال للقشيري: "ما لك ولشيخنا تنزله عن إتاوته ونحن ههنا حوله؟! ". فقال القشيري: "كذبت، ما هي له" ثم مد القشيري رجله فقال: "هذه رجلي فاضربها إن كنت عزيزا" قال: "لا, لعمري لا أضرب رجلك" فقال له القشيري: "فامدد لي رجلك حتى

стр. 285

تعلم أأضربها أم لا؟ " فقال: "ولا أمد لك رجلي، ولكن أفعل ما لا تنكره العشيرة، وما هو أعز بي وأذل لك" ثم أهوى إلى رجل القشيري فسحبه على قفاه ونحّاه, وأقعد عبد الله بن جعدة مكانه. ١١- إغاثة: أغار قيس بن عاصم المنقري على بني مرة بن عوف بن ذبيان، فأسر أحد رجلين من هوازن جاورا في بني مرة. ففدى كل قوم أسيرهم من قيس بن عاصم، وتركوا الهوازني فاستغاث أخوه بوجوه بني مرة فلم يغيثوه. ركب الهوازني إلى موسم عكاظ, فأتى منازل مذحج ليلا, فنادى يذكر أسيره ومن استغاث بهم فردوه: دعوت سنانا وابن عوف وحارثا ... وعاليت دعوى بالحصين وهاشم أعيذهم في كل يوم وليلة ... بترك أسير عند قيس بن عاصم حليفهم الأدنى وجار بيوتهم ... ومن كان عما سرهم غير نائم فصمّوا وأحداث الزمان كثيرة ... وكم في بني العلات من متصامم فيا ليت شعري من لإطلاق غمة ... ومن ذا الذي يحظى به في المواسم فسمع صوتا من الوادي, ينادي بهذه الأبيات: ألا أيهذا الذي لم يُجَبْ ... عليك بحي يجلّي الكرب

стр. 286

عليك بذا الحي من مذحج ... فإنهم للرضى والغضب فنادِ يزيد بن عبد المدان ... وقيسا وعمرو بن معديكرب يفكوا أخاك بأموالهم ... وأقلل بمثلهم في العرب أولاك الرءوس فلا تعدهم ... ومن يجعل الرأس مثل الذنب؟ فاتبع الصوت فلم ير أحدا. فغدا على المكشوح قيس بن عبد يغوث المرادي فقص عليه قصته, وأمر الأبيات التي سمعها ثم قال له: "بدأت بك لتفك أخي" فقال المكشوح: "والله إن قيس بن عاصم لرجل ما قارضته معروفا قط ولا هو لي بجار، ولكن اشتر أخاك منه وعلي الثمن، ولا يمنعك غلاؤه" ثم أتى عمرو بن معديكرب فقال له مثل ذلك وسأله: "هل بدأت بأحد قبلي؟ " قال: "نعم، بقيس المكشوح" قال: "عليك بمن بدأت به" فتركه وأتى يزيد بن عبد المدان فقال: "يا أبا النضر, إن من قصتي كذا وكذا ... " فقال له: "مرحبا بك وأهلا، أبعث إلى قيس بن عاصم, فإن هو وهب لي أخاك شكرته، وإلا أغرت عليه حتى يتقيني بأخيك، فإن نلتها وإلا دفعت إليك كل أسير من بني تميم بنجران فاشتريت به أخاك" فقال أخو الأسير: "هذا الرضى" فأرسل يزيد إلى قيس بن عاصم بهذه الأبيات:

стр. 287

يا قيس أرسل أسيرا من بني جشم ... إني بكل الذي تأتي به جازي لا تأمن الدهر أن تشجى بغُصّته ... فاختر لنفسك إحمادي وإعزازي فافكك أخا منقر عنه وقل حسنا ... فيما سئلت وعقّبه بإنجاز فبلّغه الرسول ذلك, وقال: إن يزيد بن عبد المدان يقرأ عليك السلام, ويقول لك: "إن المعروف قروض ومع اليوم غد، فأطلق لي هذا الجشمي فقد استعان بأشراف بني جشم، فلم يصب حاجته فاستجار بي. ولو أرسلت إلي في جميع أساري مضر بنجران لقضيت حقك". فقال قيس بن عاصم لمن حضره من تميم: "هذا رسول يزيد بن عبد المدان سيد مذحج وابن سيدها ومن لا يزال له فيكم يد، وهذه فرصة لكم فما ترون؟ " قالوا: "نرى أن نُغليه عليه ونحكم فيه شططا, فإنه لن يخذله أبدا ولو أتى ثمنه على ماله كله" فقال قيس: "بئسما رأيتم، ألا تخافون سجال الحروب، ودول الأيام، ومجازاة القروض؟! " فأبوا عليه فقال: "بيعونيه" فاشتطوا بالثمن فتركه بأيديهم واعتذر إلى يزيد قائلا: "إن الأسير بيد رجل من سعد وقد اشتطوا في ثمنه". فأرسل يزيد إلى السعدي وقال له: "احتكم"

стр. 288

فقال: "مائة ناقة ورعاؤها معها" فقال يزيد: "إنك لقصير الهمة، قريب الغنى، جاهل بأخطار بني الحارث، أما والله لقد غبنتك يا أخا بني سعد، ولقد كنت أخاف أن يأتي ثمنه على جلّ أموالنا, ولكنكم يا بني تميم قوم قصار الهمم" وأعطاه ما احتكم, وفك الأسير الذي بقي هو وأخوه مجاورين لمن فكه حتى ماتا بنجران. ١٢- حروب الفجار: اختلاط أحياء العرب بعضها ببعض، وجمع عكاظ للأعداء المتنافرين في صعيد واحد، وتحريمها قتال بعضهم بعضا في أيامها التي هي في الأشهر الحرم، لم يمنع الشغب بين الناس ولا الخصومة والنضال بالكلام أو الشعر. وكثيرا ما كان يهان أحد أفراد قبيلة بكلمة يثلبه بها خصمه من القبيلة المعادية فينادي: يالَ فلان، وينادي الآخر: يالَ فلان، ويهيج الشر بين القبيلتين. وكم جرّ من حروب على الحي سفهاؤه، وما أكثر ما ألقى أراذل قوم كلمات غير مبالين، فجرت من أجلها الدماء حتى أشرف الحيان على الفناء والهلكة. وهذا ما وقع في أكثر أيام الفجار وهي حروب كانت في عكاظ بين قريش وكنانة من

стр. 289

جهة، وهوازن من الجهة الثانية. وقد تعددت الوقائع فيها مرة بعد مرة؛ ولذلك يقول دريد بن الصمة: تغيبت عن يومي عكاظ كليهما ... وإن يك يوم ثالث أتغيب وإن يك يوم رابع لا أكن به ... وإن يك يوم خامس أتجنب١ تعرف كتب الأدب والتاريخ من أحداث الفجار أربعة، فأما الرابع الذي هو أهمها وأكبرها فقد تقدم الكلام عليه في فصل مخصوص أول الكتاب ص١٦٢. ونتكلم هنا عن أيام الفجار الثلاثة الأولى, وهي جميعا لم تنته بحروب وإن كادت تشرف عليها؛ لأن أسبابها تافهة ولأن عقلاء الفريقين حالوا دون الشر، وبذلك نلم بأحوال سوق عكاظ إلماما شافيا. الفجار الأول: تقدم آنفا, وهو حادث بدر بن معشر الغفاري "ص٣٠٠". الفجار الثاني: كان بين قريش وهوازن٢, وكان الذي هاجه

стр. 290

أن فتية من قريش جلسوا في سوق عكاظ إلى امرأة وضيئة من بني عامر بن صعصعة، وقيل: بل أطاف بها شباب من بني كنانة لا من قريش، وعليها برقع وهي في درع فضل، فأعجبهم ما رأوا من هيئتها فسألوها أن تسفر عن وجهها فأبت عليهم. فأتى أحدهم من خلفها فشد ذيلها بشوكة إلى ظهرها وهى لا تدري. فلما قامت تقلص الدرع من خلفها, فضحكوا وقالوا: "منعتنا النظر إلى وجهها فقد رأينا خلفها", فنادت المرأة: "يا آل عامر! " فتحاور الناس وكان بينهم قتال ودماء يسيرة فحملها حرب بن أمية وأصلح بينهم. الفجار الثالث: "وهو بين كنانة وهوازن، وكنانة هم حلفاء قريش. وكان الذي هاجه أن رجلا من بني كنانة كان عليه دين لرجل من بني نصر بن معاوية. وكان الكناني فقيرا، فرآه دائنه النصري بسوق عكاظ، ومع النصري قرد وافى به السوق. فوقف في السوق ونادى: "من يبيعني مثل هذا القرد بمالي على فلان الكناني؟ " وجعل يعيد النداء حتى أكثر، تعييرا للكناني ولقومه. فمر به رجل من بني كنانة فسمعه, فحمي وضرب القرد بسيفه فقتله. فهتف النصري: يا آل هوازن! وهتف الكناني: يا آل كنانة! فتهايج الناس حتى كاد

стр. 291

يكون بينهم قتال. ثم رأو أن الخطب أيسر مما تكلفوا له, فتراجعوا ولم يفقم الشر بينهم". ١٣- واعظ: احتشد الناس في ناحية من عكاظ يتوسطهم شيخ وقور، على وجهه سمات اليقين والخير، وهو على جمل أورق، قد أرهف الناس إليه آذانهم مصغين، وأعينهم إلى وجهه، وقد شدهتهم الحيرة من ألفاظ تجري على لسانه من خبر السماء وما بعد الممات، وعظات لا عهد لهم بمثلها في أحيائهم النائية وأوطانهم الشاحبة, وإذا هو يخطبهم ويقول: "أيها الناس، اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، ليل داج ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة. إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون؟! أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا؟! يقسم قس بالله قسما لا إثم فيه: إن لله دينا هو أرضى لكم وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه. إنكم لتأتون من الأمر منكرا:

стр. 292

في الذاهبين الأوليـ ... ـن من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأكابر والأصاغر أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر". سمع الناس هذا ثم أخذت أبصارهم أولئك الذين يطوفون حول الصخور في السوق، فانصرفوا حيرى، في أنفسهم شيء. وكان بين المنصرفين غلام حدث، هو صاحب الشريعة الإسلامية ﷺ . بقي يذكر هذا المشهد حتى بعد أربعين سنة وقد طبقت الجزيرة دعوة الإسلام فأغارت وأنجدت، وقدمت على صاحبها وفود الأقطار بالطاعة والإجابة، وكان منهم وفد من إياد قوم قس، وفدوا على رسول الله فسمع منهم وقال لهم: "ما فعل قس بن ساعدة"؟ قالوا: "مات يا رسول الله" قال: "كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل له أورق, وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة، ما أجدني أحفظه". فقال رجل من القوم: "أنا أحفظه يا رسول الله". فتلاه عليه, فلما انتهى قال النبي ﷺ :

стр. 293

"يرحم الله قسا، إني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمة وحده" ١. ١٤- تنافس شعراء: كان نابغة بني ذبيان تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ؛ يجتمع إليه فيها الشعراء. فدخل إليه حسان بن ثابت وعنده الأعشى قد أنشده شعره وحكم له، ثم أنشدته الخنساء قولها: قذى بعينك أم بالعين عوار ... ..................... حتى انتهت إلى قولها: وإن صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار وإن صخرا لكافينا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتو لنحّار فقال النابغة: لولا أن أبا بصير "كنية الأعشى" أنشدني قبلك لقلت: إنك أشعر الناس، أنت والله أشعر من كل ذات مثانة, قالت: "والله, ومن كل ذي خصيتين". فقال حسان: "أنا والله أشعر منك ومنها" قال: "حيث تقول ماذا؟ " قال: حيث أقول:

стр. 294

لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما فقال النابغة: "إنك لشاعر لولا أن قللت عدد جفانك, وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك! "١. ١٥- ترويج بنات: كان الأعشى يوافي سوق عكاظ في كل سنة, وكان المحلّق الكلابي مئناثا مملقا، فقالت له امرأته: "يا أبا كلاب, ما يمنعك من التعرض لهذا الشاعر؟ فما رأيت أحدا اقتطعه إلى نفسه إلا وأكسبه خيرا" قال: "ويحك, ما عندي إلا ناقتي وعليها الحمل". قالت: "الله يخلفها عليك" قال: "فهل له بد من الشراب والمسوح؟ ".

стр. 295

قالت: إن عندي ذخيرة لي ولعلي أن أجمعها". مر الشاعر فتلقاه المحلق قبل أن يسبق إليه أحد، وابنه يقوده، فأخذ الخطام فقال الأعشى: "من هذا الذي غلبنا على خطامنا؟ " قال: "المحلق" قال: "شريف كريم". ثم سلمه إليه فأناخه فنحر له ناقته, وكشط له عن سنامها وكبدها ثم سقاه، وأحاطت بنات به يغمزنه ويمسحنه، فقال: "ما هذه الجواري حولي؟ " قال المحلق: "بنات أخيك, وهن ثمانٍ شريدتهن١ قليلة". ثم خرج الأعشى من عنده ولم يقل فيه شيئا. فلما وافى المحلق عكاظ، إذا هو بسرحة قد اجتمع الناس عليها, وإذا الأعشى ينشدهم قصيدته التي مطلعها: أرقت وما هذا السهاد المؤرّق ... وما بي من سقم وما بي تعشق ولكن أراني لا أزال بحادث ... أغادي بما لم يمس عندي ويطرق ومنها: لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار باليفاع تحرق تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندي و"المحلق"

стр. 296

رضيعي لبان ثدي أم تقاسمها ... بأسحم داج عوض لا نتفرق١ ترى الجود يجري ظاهرا فوق وجهه ... كما زان متن الهندواني رونق يداه يدا صدق: فكف مبيدة ... وكف إذا ما ضُن بالمال تنفق ومنها: أبا مسمع سار الذي قد فعلتمُ ... فأنجد أقوام به ثم أعرقوا٢ ... إلخ. فما أتم الأعشى قصيدته إلا والناس ينسلون إلى المحلق يهنئونه. ثم أتى المحلق الأعشى فسلم عليه, فقال الأعشى: "مرحبا بسيد قومه" ثم نادى: "يا معشر العرب, هل منكم مذكار يزوج ابنه إلى الشريف الكريم؟ ". فتسابق الأشراف إليه جريا، يخطبون بناته لمكان شعر الأعشى. فما قام من مقعده وفيهن مخطوبة إلا وقد زوجها, ولم تمس واحدة منهن إلا في عصمة رجل خير من أبيها وأفضل.

стр. 297

فما قولك بفطنة امرأة المحلق، وحسن دعاية الأعشى، وهذا النوع من البضاعة التي روجتها عكاظ. ١٦- منحة محررة: حضر عكاظ من سراة الناس في أحد المواسم عمرو بن الشريد السلمي, وابناه معاوية وصخر أخوا الخنساء الشاعرة, وحضرها معمر بن الحارث جد جميل الشاعر الغزِل. فلما نظر معمر إلى عمرو صافنه "قام حذاءه" وأمر ولده أن يخدموه ففعلوا. فلما تقوضت السوق دعا عمرو بن الشريد ابنيه معاوية وصخرا, فقال لهما: "إن معمرا قد طوقني ما لم يطوقني أحد من العرب، وقد أحببت أن أكافيه" فقالا: "افعل ما بدا لك" فدعا بكاتب وصحيفة, فكتب: "هذا ما منح عمرو بن الشريد السلمي، معمر بن الحارث العذري": منحه ماله بالوحيدة من أخلاف يثرب، أطلال ذاك ومغانيه ورسومه وأعراصه ودواويه وزحاليفه وقريانه وبراذعه وقسوره

стр. 298

وعجرمه وبشامه وينعه وتاليه وحماطه وشبحه وأراكه وأحزته وحذاريه وآكامه وبرقه وعلجانه، وكل ما صاء وصمت فيه، وبكت السماء عليه وضحكت الأرض عنه فهو لمعمر دون عمرو. وممنوح به من نيات الصدر، لا يشوبه كدر الامتنان ولا أمارات الامتهان، مستنزل من هضاب الجندل وجرثومة ود بعيد المحل, لا تخلق الأيام جدته ولا يركد لمتنسم بارحه ما دام الزمان، وتوقد الحران وسمر ابنا سمير وأقام حراء وثبير١.

стр. 299

وكتب لخمسة وثلاثين عاما خلت من عام الفيل. ثم بعث بالكتاب مع طرف من طرائف اليمن وعدد إلى معمر. قال الأصمعي: فهي باقية إلى الآن يفيض على ولده دخلها, وذلك في أيام الرشيد رحمه الله١. وهذا سند تمليك محرر، صدر عن عكاظ ليعرفنا كم تهز الأريحية من نفوس الكرام.

стр. 300

١٧- صفقة خاسرة "أخسر صفقة من شيخ مهو": كانت إياد تُسبّ بالفسو وتُعيَّر به، فقام رجل من إياد بسوق عكاظ ومعه بردا حبرة فقال: "من يشتري مني عار الفسو بهذين البردين؟ ". فقام عبد الله بن بيدرة أخو مهو "ومهو حي من عبد القيس" فقال: "هاتهما، واشهدوا أني اشتريت عار الفسو من إياد لعبد القيس بهذين البردين". فلما أتى رحله, وسئل عن البردين قال: "اشتريت لكم بهما عار الدهر" فوثبت عبد القيس وقالت: إن الفساة قبلنا إياد ... ونحن لا نفسو ولا نكاد وتفرق الناس عن عكاظ بابتياع عبد القيس عار الفسو حتى قال الشاعر: يا من رأى كصفقة ابن بيدرة ... من صفقة خاسرة مخسرة

стр. 301

المشتري الفسو ببردي حبرة ... شلت يمين صافق ما أخسره وسارت هذه الصفقة الخاسرة مثلا بين الناس. قال ابن دارة: وإني إن صرمت حبال قيس ... وحالفت المزون على تميم لأخسر صفقة من شيخ مهو ... وأجور في الحكومة من سدوم١ وتلك غريبة في بابها بين جميع مآتي القوم في عكاظ. ١٨- فتنة جمال: زعموا: "أن جارية بن سليط كان أحسن الناس وجها وأمدهم جسما، وأنه أتى عكاظ فأبصرته امرأة من خثعم فأعجبها، وتلطفت له حتى وقع عليها، فلما فرغ قالت: "إنك قد أتيتني على طهر، وإني لا أدري لعلي سأعلق لك ولدا، فموعدك فصال ولدي إن حملت لك" فسمى لها اسمه. ثم وافى عكاظ لرأس ثلاثة أحوال, وأقبلت المرأة مع أمها وخالتها يلتمسنه بعكاظ حتى رأته المرأة فعرفته, وقالت لأمها: "هذا جارية" قالت أمها: "بمثل جارية فلتزن الزانية، سرا أو علانية".

стр. 302

ووجد الرجل أن المرأة قد ولدت غلاما وفطمته. ثم دفعن إليه الغلام فسماه عوفا, فشرف وساد قومه, وهو عوف الأصم١. ١٩- راية غدر: والذي يثلج الصدر ويشفي النفس من مآثر عكاظ، مشهد نستطيع أن نفيد فيه درسا بليغا, ومثالا فعالا, وأسلوبا ناجحا في محاربة الخائنين، ووددت -والله- لو أخذنا به في أيامنا العصيبة هذه، واحتذينا مثاله، إذًا لبقي كل ساعٍ في فساد يذوق الموت ألوانا حتى يلاقي ربه بالموت المريح. قال المرزوقي: "كانوا إذا غدر الرجل أو جنى جناية عظيمة، انطلق أحدهم حتى يرفع له راية غدر بعكاظ، فيقوم رجل فيخطب بذلك الغدر فيقول: "ألا إن فلان بن فلان غدر, فاعرفوا وجهه ولا تصاهروه ولا تجالسوه ولا تسمعوا منه". فإن أعتب وإلا جعل له مثل مثاله في رمح, فنصب بعكاظ فلعن ورجم!! وهو قول الشماخ: ذعرت به القطا ونصبت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين"

стр. 303

وهي خطوة حاسمة موفقة في السياسة السلبية لمحاربة الرذائل، ما أظن أن أحدا اهتدى إليها قبل العرب ولا بعدهم. لم يغفل العرب في عكاظ أن يرفعوا مقابل ذلك راية وفاء لمن أتى مكرمة كلفته المغارم ثم مضى فيها ولم ينكص، فقد ذكروا: أن عامر بن جوين رفعت له كندة راية غدر في صنيعه بامرئ القيس بن حجر في وجهه إلى قيصر، ورفعت له فزارة راية وفاء في صنيعه بمنظور بن سيار حيث أقحمته فصار بماله وإبله وأهله إلى الجبلين, فأجاره عامر ووفى له, وصار الناس بين حامد له وذام١. ٢٠- داعية الإسلام: وقف رسول الله ﷺ بعد مبعثه بثلاث سنين في عكاظ، يدعو الناس إلى الخير والهدى والسعادة. وقد لزمه منذ قيامه بالدعوة حزن عميق على قومه الذين كفروا بنعمة الله، وآلمه ألا يراهم مسارعين إلى ما به صلاحهم، فعزم ليقصدن المواسم وليأتين فيها القبائل، كل قبيلة بمنزلها، وكل جماعة في حيهم، يعرض عليهم هذا

стр. 304

الدين الجديد. ولقد حرص الحرص كله على أن يهتدوا، وكان أسفه يشتد كلما ألحّ قومه بالصدّ، قام في عكاظ يقول: "يا أيها الناس, قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا وتنجحوا" ويتبعه رجل له غديرتان كأن وجهه الذهب, وهو يقول: "يا أيها الناس, إن هذا ابن أخي, وهو كذاب فاحذروه". فعرف الناس أن هذا "الصادّ عن سبيل الله" هو عمه أبو لهب بن عبد المطلب، يكذبه كلما قال كلمة الحق. عاود الدعوة مرارا فلم يُجَب ولم ييأس, ورجا أن يجد فيهم الحامي والمجير على الأقل إذ لم يجد المجيب، فكان يقول للحي في موسم عكاظ: "لا أكره منكم أحدا على شيء. من رضي الذي أدعوه إليه قبله، ومن كرهه لم أكرهه. إنما أريد أن تحوزوني مما يراد بي من القتل، فتحوزوني حتى أبلغ رسالات ربي ويقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء" ١. كان الناس يعجبون من أمره وأمر عمه، وهم بين راضٍ وغاضب

стр. 305

ومتعجب يرى بعينه ثم يمضي كأن الأمر لا يهمه، ومنهم من لا ينكر ما يسمع ومنهم من يرد أقبح الرد، ومنهم من يقول: قومه أعلم به. كان هذا دأبه أبدا يوافي به القبائل سنة بعد سنة، حتى إن منهم من قال له: "أيها الرجل، ما آن لك أن تيأس؟ " من طول ما يعرض نفسه عليهم. انتهى رسول الله في تطوافه على القبائل في عكاظ إلى بني محارب بن خفصة. فوجد فيهم شيخا ابن عشرين ومائة سنة، فكلمه ودعاه إلى الإسلام وأن يمنعه حتى يبلّغ رسالة ربه, فقال الشيخ: أيها الرجل قومك أعلم بنبئك، والله لا يئوب بك رجل إلى أهله إلا آب بشر ما يئوب به أهل الموسم، فأغْنِ عنا نفسك" وإن أبا لهب لقائم يسمع كلام المحاربي. ثم وقف أبو لهب على المحاربي فقال: "لو كان أهل الموسم كلهم مثلك لترك هذا الدين الذي هو عليه، إنه صابئ كذاب" قال المحاربي: "أنت والله أعرف به، هو ابن أخيك ولحمتك". ثم قال المحاربي: "لعل به يا أبا عتبة لمما, فإن معنا رجلا من الحي يهتدي لعلاجه" فلم يرجع أبو لهب بشيء١.

стр. 306

روى عبد الرحمن العامري عن أشياخ من قومه قالوا: "أتانا رسول الله ﷺ ونحن بسوق عكاظ فقال: "ممن القوم"؟ قلنا: "من بني عامر بن صعصعة" قال: "من أي بني عامر"؟ قلنا: "بنو كعب بن ربيعة" قال: "كيف المنعة فيكم"؟ قلنا: "لا يرام ما قبلنا ولا يصطلى بنارنا" فقال: "إني رسول الله, فإن أتيتكم تمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي ولم أُكره أحدا منكم على شيء"؟ قالوا: "ومن أي قريش أنت؟ " قال: "من بني عبد المطلب" قالوا: "فأين أنت من بني عبد مناف؟ " قال: "هم أول من كذبني وطردني" قالوا: "ولكننا لا نطردك ولا نؤمن بك, ونمنعك حتى تبلغ رسالة ربك". فنزل إليهم والقوم يتسوقون, إذ أتاهم بجرة بن قيس القشيري فقال: "من هذا الذي أراه عندكم أنكره؟ " قالوا: "هذا محمد بن عبد الله القرشي" قال: "وما لكم وله؟ " قالوا: "زعم لنا أنه رسول الله، يطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه" قال: "فماذا رددتم عليه؟ " قالوا: "قلنا: في الرحب والسعة، نخرجك إلى بلادنا ونمنعك مما نمنع به أنفسنا" قال بجرة: "ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع

стр. 307

بشيء أشر من شيء ترجعون به، بدأتم لتنابذكم الناس وترميكم العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به، لو آنسوا منه خيرا لكانوا أسعد الناس به، تعمدون إلى رهيق قوم قد طرده قومه وكذبوه فتؤوونه وتنصرونه؟ فبئس الرأي رأيتم". ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال: "قم، ألحق بقومك, فوالله لولا أنك عند قومي لضربت عنقك". فقام رسول الله ﷺ إلى ناقته فركبها، فغمز الخبيث بجرة شاكلتها فقمصت برسول الله فألقته. وعند بني عامر يومئذ ضباعة بنت عامر بن قرط، كانت من النسوة اللاتي أسلمن مع رسول الله بمكة، جاءت زائرة إلى بني عمها فقالت: "يال عامر ولا عامر لي! أيصنع هذا برسول الله بين أظهركم لا يمنعه أحد منكم؟! ". فقام ثلاثة نفر من بني عمها إلى بجرة، وثلاثة أعانوه، فأخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الأرض ثم جلس على صدره ثم علقوا وجوههم لطما، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم بارك على هؤلاء, والعن هؤلاء". فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كان أدركته السن, حتى لا يقدر أن يوافي معهم الموسم، فكانوا إذا رجعوا إليه

стр. 308

حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه سألهم عمن كان في الموسم فقالوا: جاءنا فتى من قريش ثم حدث أنه أحد بني عبد المطلب, يزعم أنه نبي, يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به معنا إلى بلادنا". فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: "يا بني عامر! هل لها من تلاف؟ هل لذناباها من تطلّب؟ فوالذي نفس فلان بيده، ما تقوّلها إسماعيلي قط، ألا إنها الحق، فأين كان رأيكم؟!! ""١. ٢١- خمر: بعث رجل من بني جشم امرأته -واسمها عبلة بنت عبيد بن خالد ... بن حنظلة- إلى عكاظ بأنحاء سمن تبيعها له فيها، فباعت السمن وراحلتين وشربت بثمنها الخمر، فلما نفد الثمن رهنت ابن أخيه وهربت، فطلقها, فقالت في شربها الخمر: شربت براحلتي محجن ... فيا ويلتي، محجن قاتلي وبابن أخيه على لذة ... ولم أحتفل عذلة العاذل

стр. 309

وتزوجها عبد شمس بن عبد مناف فولدت له أمية الأصغر وعبد أمية ونوفلا، وهم العبلات. ٢٢- تلقيب: ساوم ربيعة بن عمرو بقدح في عكاظ فاستصغره, فقال لصاحبه: "لو وضعت فيه حوثرتي "حشفتي" لملأته" فسمي حوثرة بذلك. ٢٣- تصاريف القدر: وهذا غلام وقع في الأسر وبِيع في عكاظ, وكان له في هذا البيع وذلك الأسر كل الخير، إذ افتتح لنفسه صفحة في التاريخ مجيدة فأصبح من أعلامه، ولنترك الطبري يقص كيف بدأ أمره في عكاظ في مواسم الحج: زارت أم زيد بن حارثة قومها من بني معن بن طيء وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية، فمروا على أبيات بني معن رهط أم زيد، فاحتملوا زيدا وهو يومئذ غلام يفعة قد أوصف، فوافوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع، فاشتراه منهم حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول الله ﷺ -

стр. 310

وهبته له، فقبضه رسول الله ﷺ إليه, وقد كان أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده قال: بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل فوالله ما أدري وإن كنت سائلا ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه وما وجل سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل حياتي أو تأتي علي منيتي ... وكل امرئ فانٍ وإن غره الأمل وأوصي به عمرا وقيسا كليهما ... وأوصي يزيدا ثم من بعدهم جبل قال: "يريد جبلة بن حارثة أخا زيد، وكان أكبر من زيد، ويعني بيزيد أخا زيد لأمه, وهو يزيد بن كعب بن شراحيل". وحج ناس من كلب فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه, فقال: أبلغوا أهلي هذه الأبيات, فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي, وقال: ألكني إلى قومي وإن كنت نائيا ... بأني قطين البيت عند المشاعر فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر

стр. 311

فإني بحمد الله في خير أسرة ... كرام معد كابرا بعد كابر فانطلق الكلبيون فأعلموا أباه، فقال: ابني ورب الكعبة، ووصفوا له موضعه وعند من هو، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل بفدائه وقدما مكة, فسألا عن النبي ﷺ فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: يابن عبد الله يابن عبد المطلب يابن هاشم يابن سيد قومه! أنتم أهل حرم الله وجيرانه وعند بيته تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه, فإنا سنرفع لك في الفداء" قال: "من هو"؟ قالوا: "زيد بن حارثة" فقال رسول الله ﷺ : "فهلا غير ذلك"؟ قالوا: وما هو؟ قال: "أدعوه فأخيره, فإن اختاركم فهو لكما بغير فداء, وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا" فقالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت ... فاختار زيد محمدا وقال: "إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا". فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ أخرجه إلى الحجر فقال: "يا من حضر, اشهدوا أن زيدا ابني أرثه ويرثني" فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا١.

стр. 312

٢٤- نداء: وهذا منادي عامر بن الطفيل وهو واحد من منادين كثيرين، قائمين وطوافين، نستمع إليه فإذا هو يقول: "هل من راجل فنحمله، أو جائع فنطعمه، أو خائف فنؤمنه ... "١. ٢٥- منهب المعزى: في ناحية من عكاظ، وقف شيخ هِمّ حطمته السنون فلا يكاد يستقل واقفا، ومن ورائه معزى كثيرة تكاد تملأ السهل، وأسارير الشيخ ناطقة بالغضب وحرج الصدر، وإن الناس يتساءلون, وقد عرفه بعض وجهله بعض: ما باله؟ فيجيب المجيب: "ذلك سعد بن زيد مناة بن تميم الملقب بـ "الفزر" أكثر قومه مالا وولدا"، ويجتمع عليه الناس وقد علموا أن له لشأنا، فإذا به يقول: "أيها الناس، ألا إن هذه معزاي، فلا يحل لرجل أن يدع أن يأخذ منها شاة، ولا يحل لرجل أن يجمع منها شاتين".

стр. 313

فاندفع الناس على الغنم ينتهبونها ويذهب كل لطيته، فما هو أن يسأل سائل عما حمل سعدا على إنهاب معزاه حتى يعلم أنه طلب يوما إلى ابنه هبيرة أن يسرح في معزاه فيرعاها, فأجاب هبيرة: "والله لا أرعاها سن الحسل"١, فنادى سعد ولده الآخر صعصعة قائلا: "يا صعصعة, اسرح في غنمك". قال: "لا والله لا أسرح فيها، ألوة١ الفتى هبيرة". فغضب سعد وسكت على ما في نفسه, حتى إذا أصبح ساق المعزى كلها إلى عكاظ، فكان منه ما رأى الناس. سار هذا الحدث في عكاظ بين العرب واشتهر حتى صار مثلا يضرب، إذا أراد أحدهم قطع أمل صاحبه من أمر قال: لا أفعله "حتى يجتمع معزى الفزر" وأصبحت هذه القولة من أمثال العرب. قال شبيب بن البرصاء: ومرة ليسوا نافعيك ولن ترى ... لهم مجمعا حتى ترى غنم الفزر١

стр. 314

٢٦- منهب الرزق: أما هذا ففتى المشرق نهيك بن مالك "قدم مكة بطعام ومتاع للتجارة، فرآهم مجهودين، فأنهب العير بما عليها" وها هم أولاء الناس يتهافتون على أرزاقه في عكاظ, يأخذ كل ما يقشع به عن نفسه وأهله الجوع والفقر. فلما انكشف الناس ولم يبقوا في أرض عكاظ من مال نهيك شيئا، وكان الخبر قد طار في أقطار عكاظ، أقبل خاله عليه يعاتبه على إنهاب ماله، فقال نهيك: يا خالُ ذرني ومالي ما فعلت به ... وما يصيبك منه، إنني مودي إن نهيكا أبى إلا خلائقه ... حتى تبيد جبال الحرة السود فلن أطيعك إلا أن تخلدني ... فانظر بكيدك هل تسطيع تخليدي الحمد لا يشترى إلا له ثمن ... ولن أعيش بمال غير محمود١ ٢٧- فرسان العرب: "اجتمع العكاظيون على أن فرسان العرب ثلاثة: ففارس تميم عتيبة بن الحارث بن شهاب أحد بني ثعلبة بن يربوع بن حنظلة, صياد الفوارس وسم الفرسان.

стр. 315

وفارس قيس عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب, وفارس ربيعة بسطام بن قيس ... بن بكر بن وائل". "ثم اختلفوا فيهم, حتى نعوا عليهم سقطاتهم"١. ٢٨- ما رأيت شيخا أكذب: مر المستوغر بن ربيعة, شاعر معمر، بعكاظ يوما وعلى ظهره ابن ابنه شيخا هرما، فأعيا من حمله فوضعه بالأرض وقال: "عنيتني صغيرا وكبيرا" فسمعه رجل فساءه ذلك, فالتفت إليه ناصحا: يا عبد الله, أتقول هذا لأبيك؟! أحسن إليه فطالما أحسن إليك. قال: أوتدري من هو؟! قال: نعم، هو أبوك أو جدك. قال: هو والله ابن ابني. قال الرجل: ما رأيت شيخا أكذب، لو كنت المستوغر بن ربيعة ما زدت. قال: فأنا المستوغر بن ربيعة! ٢.

стр. 316

الآن وقد استعرضت هذه المشاهد، وذكّرتك هذه الفقرات جوا خاصا تتصوره لعكاظ كلما مرت بك في نقلة من نقل الأدب أو التاريخ، الآن تستطيع أن تفهم: لم يعد مؤرخو الأدب عكاظ في أول ما وحّد لهجات القبائل العربية قبل نزول القرآن الكريم بأكثر من قرن، وهيأ لقريش خاصة تلك الزعامة والتحكم في اللغة والانتقاء, فسلمت من عيوب اللهجات؟ وعرفت أيضا أن عكاظ دنيا تعج بالقاصدين من كل فج عميق، وأن فيها الخطباء المصاقع يخطبون، والشعراء الفحول ينشدون، والأعزة والأشراف يتفاخرون

стр. 317

ويتنافرون ويتسابقون١، والموتورين يؤمونها للبحث عن واتريهم، ومن له أسير سعى إلى عكاظ في فكاكه، ومن أراد أن يأتي عملا تعرفه له العرب عامة أتاه في عكاظ، ومن أتى مكرمة في قطر فأحب أن تخلد جاء إلى عكاظ, فشهر فيها أمره. قال أبو ذؤيب: إذ بني القباب على عكاظ ... وقام البيع واجتمع الألوف وقال آخر يضرب بها المثل: فإنك ضحاك إلى كل صاحب ... وأنطق من قس غداة عكاظها وهجا أمية بن خلف الخزاعي حسان وأراد إيلامه, فعنونها إلى عكاظ فقال: ألا من مبلغ حسان عني ... مغلغلة تدب إلى عكاظ

стр. 318

أليس أبوك فينا كان قينا ... لدى القينات فسلا في الحفاظ يمانيا يظل يشد كيرا ... وينفخ دائما لهب الشواظ١ ... إلخ. فيجيبه حسان: أتاني عن أمية زور قول ... وما هو بالمغيب بذي حفاظ سأنشر ما حييت لهم كلاما ... ينشّر بالمجامع من عكاظ٢ فأنت إذ تجول في عكاظ, يتقسّم سمعك خطب وقصائد ومفاخرات ومنافرات وخصومات وأنماط من البيع لا تتشابه، وأزياء في اللبس والتكلم والمراكب ... تجمعت من كل صوب. ولما قال عمرو بن كلثوم قصيدته: ألا هي بصحنك فاصبحينا ... في العراق، أحب أن تسير في الناس ويكتب لها الخلود، فسعى إلى عكاظ في الموسم، فقام بهذه القصيدة خطيبا ثم قام بها أيضا في موسم مكة. وكذلك قل في بقية القصائد الطوال التي يسمونها "المعلقات",

стр. 319

فما كان الإجماع ليعقد على أنها أجود الشعر لولا أن المحكّمين في عكاظ شهدوا لها بذلك, وأقر السامعون بتفوقها. تلك مشاهد عامة مما كان يجري في عكاظ، وكأن العرب الذين عرضوا في هذه السوق متاجرهم وأموالهم وأنعامهم، وعرضوا فيها أدبهم وشعرهم، أبوا إلا أن يعرضوا بقية مقوماتهم, فرأينا مشاهد عن سياستهم وصلحهم وحربهم. ولو كان لعربي أن يصبر على ضيم قريب أو بعيد لصبر هؤلاء الجيران في هذه السوق العامة، ولكن طرح الخسف ورد الضيم في نفس العربي هو قبل التجارة والأدب، ورفع الذل عنده أهون وسائله إهراق الدماء وقطع وريد الحياة؛ لأنه لا يفقه عيشا بقيد ولا يتصور حياة بذل. والظاهر أن احتفال الناس بعكاظ لم يكن واحدا دائما، فقد كان في بعض السنين يربي على الغاية في الازدحام والحركة، حتى تضيق السوق بمن فيها, وحتى يربح التاجر والجالب إليه ربحا عظيما لا يتأتى إلا في الفرط النادر. قال المرزوقي: "فلما دخلت سنة خمس وثلاثين من عام الفيل, حضر السوق من نزار واليمن ما لم يروا أنه حضر مثله في سائر السنين، فباع الناس ما كان معهم من إبل وبقر ونقد, وابتاعوا أمتعة مصر والعراق والشام ... ".

стр. 320

هي إذًا معرض عام للجزيرة العربية: فيها عرض لتجارات جميع الأقطار وعرض للبيوع وعرض للعادات والأديان واللغات والآداب، وللسياسة ... وفيها لجان رسمية على نحو ما نألف في معارضنا اليوم، تحكم للمتفوق بتفوقه حكما نافذا من أقصى الجزيرة إلى أقصاها. وتزيد على معارضنا بميزة جليلة، وهي صهرها لعادات القبائل ولغاتها ومواضعاتها لتنتقي منها أحسنها وأخلقها بالبقاء. لسنا نعلم لهذه السوق بداية محدودة إلا أنا نرجح وجودها قبل القرن السادس الميلادي١، ولما جاء الإسلام وتوطدت أركانه في
следующие страницы →